المحبّة قاعدة الأخلاق

 

ثمّة من يعتبر أنّ الدّين هو المصدر الوحيد للأخلاق فيستبعدها عمّن ليسوا بمتديّنين. بل ثمّة من يذهب أبعد من ذلك ليحصر الأخلاق في دين معيّن، فيجعل من دينه منبع الأخلاق والقيم، ما يتنافى واحترام الإنسان واختلافه وخبرته الشّخصيّة.
إذا كانت الأديان قد وُجدت لتقويم السّبل الإنسانيّة، فلا يعني ذلك أنّها مصدر الأخلاق. فلا بدّ أنّ الإنسان ومن خلال الخبرة الحياتيّة والتّجربة الإنسانيّة، اكتشف القيم وفصل بين الإيجابي والسّلبي نتيجة الممارسة، وتقييم الذّات. واستناداً إلى النّضج الإنسانيّ ونموّه وتطوّره تبيّنت لنا القيم والمعارف التّنويريّة، وظهرت لنا أهمّيّة الأخلاق وتأثيرها على المحيط الإنسانيّ بغضّ النّظر عن الانتماء الدّيني. فالإنسان وُجد قبل الدّين وقبل انغلاق الجماعات على بعضها البعض لتشكّل منظومة دينيّة تحتكر الحقيقة ساعية لفرضها على الآخر. ونستطيع أن نرى جليّاً مجتمعات عديدة تلاشى فيها الفكر الدّيني لكنّها ما زالت تحافظ على القيمة الإنسانيّة، وتولي الإنسان أهمّيّة كبرى قد لا نراها عند بعض المجموعات الدّينيّة.

– مفهوم الأخلاق:
تختلف المفاهيم الأخلاقيّة من محيط إلى آخر ومن مجتمع إلى آخر، نسبة إلى قدرة أي مجتمع على تخطّي الفكر المتحجّر، وتوسيع الآفاق الفكريّة، والتّحرّر من التّقليد والموروث، وتقييم الإنسان بحسب إنجازاته الفكريّة والمعنويّة. والمفهوم الأخلاقي المحصور بالدّين يتحدّد بالأفق الضّيّق ما لم يسعَ المؤمن إلى تطويع فكره وتحريره من الإملاءات واكتساب خبرته الشّخصيّة وقناعاته الذّاتيّة الّتي على أساسها يتحدّد مفهوم الأخلاق. فالمؤمن المسجون في الفكر الدّيني لا يتطوّر ولا ينمو بل يبقى مقيّداً بالحروف الكتابيّة، لا يبارحها حتّى تقتله. وأمّا المؤمن الّذي يتخطّى الفكر الدّينيّ لينطلق نحو الحرّيّة الإيمانيّة، أيّ حريّة العلاقة مع الله، بمعزل عن الشّرائع والقوانين، هو ذاك الّذي تلمّس المعنى العميق للإيمان وبالتّالي للحرّيّة.
إنّ تخطّي الفكر الدّيني لا يعني إطلاقاً التّخلّي عن الانتماء الدّيني، بل يعني التّطلّع إلى ما هو أبعد من الحرف، وأعمق من عظة تحثّ على المزيد من العنصريّة والانغلاق، وأجلّ من أخلاق ظاهريّة واهمة، تخفي رغبات داخليّة وتقمعها، ليبدوَ الإنسان وكأنّه محافظ على أخلاقه. ولمّا كانت الأخلاق غير مرتبطة بالدّين، شهدنا لغير متديّنين بالأخلاق العالية والرّفيعة، والاحترام الإنسانيّ. ذلك لأنّ الأخلاق مسألة إنسانيّة بحتة وليست مسألة دينيّة.
تنبع الأخلاق من العمق الإنساني الّذي تلمّس حرّيّة الفكر والنّفس، واعتمد تربية الحواس الظّاهريّة على احترام الظّواهر الخارجيّة، ودرّب النّفس على استيعاب كلّ ما تتلقّاه فتقيّمه بحسب مدى تأثيره فيها إيجابيّاً أو سلبيّاً. فإذا احترم الإنسان محيطه ومجتمعه وانفتح على مجتمعات عدّة، وتبيّن ما يناسبه دون المسّ بجوهرها، والتّقليل من شأنها، أكّد اكتساب أخلاق رفيعة وسامية. وأمّا إذا خصّص احترامه لمن ينتمي إليهم فقط، وسعى إلى تحقير الآخر فهو لا يحمل من الأخلاق إلّا لفظها الدّلاليّ. كأن نرى طائفة من النّاس تتعاطف مع بعضها البعض وتنبذ المختلف عنها. أو كأن نرى مجموعة من الأشخاص يتفاعلون مع بعضهم البعض ويحجّمون الآخر ويجعلونه ذي درجة أقلّ منهم. أم أؤلئك الّذين يعتقدون أنّهم حماة الأخلاق فيقمعون كلّ جمال إبداعيّ بحجّة المحافظة على الأخلاق.

– المحبّة قاعدة الأخلاق
وإن اختلفت المفاهيم وتباينت إلّا أنّ ثمّة قاعدة واحدة للأخلاق، إذا نجح الإنسان في الاعتماد عليها بنى صرحاً أخلاقيّاً عظيماً وحمى إنسانيّته وإنسانيّة الآخر من الانحراف الأخلاقي والاندثار القيَمي. القاعدة الأساسيّة لتحديد مفهوم الأخلاق هي المحبّة. هذه القوّة القادرة على خلق آفاق واسعة، تمرّن الفكر على استيعاب كل المظاهر المحيطة به بغض النّظر عمّا إذا أراد اعتمادها أم لا. كما أنّها تحرّر النّفس من قيد العنصريّة والانغلاق والتّقوقع، وتمنحها القدرة على الانفتاح واحترام الكينونة الإنسانيّة بكلّ ما تحمل من مفاهيم ومعارف وانتماءات وخبرات.

المحبّة نظرة إلى عمق الإنسانيّة، وبحث عن الخير والحقّ، واستخراج الجمال من القبح، وتحويل الجهل إلى المعرفة والفهم. إنّها النّظرة الشّاملة الّتي ترنو إلى الكلّ بمستوى واحد، ولا تفرّق بين هذا وذاك، ولا تقيّم الأمور بحسب الانتماءات والعقائد بل بحسب احترام القيمة الإنسانيّة وإبداعها الفكري والجماليّ. لا تهتمّ للقشور وتغوص عميقاً باحثة عن إنسانيّة الإنسان، وقدرتها على الإبداع والخلق.

لا تعليقات

اترك رد