الدراما العراقية إلى مثواها الأخير … ألفاتحة

 
خلال الاسبوع الاول من شهر رمضان المبارك وبعد متابعتي للاعمال الدرامية العربية بعين الفاحص لا عين المشاهد

خلال الاسبوع الاول من شهر رمضان المبارك وبعد متابعتي للاعمال الدرامية العربية بعين الفاحص لا عين المشاهد ، يؤسفني حقاً القول بأن الدراما العراقية كانت في السنوات القليلة الماضية في طريقها الى القبر واليوم تُدفن في مثواها الاخير.

قد لايعجب الكثيرين كلامي خصوصاً من العاملين في مجال الدراما بدءاً من المؤلف وانتهاءاً بالمخرج. لكن المكابرة والعناد والتشبث بالاراء ، هذه الصفات هي ما أوصلتنا الي هذه النتيجة المخجلة . فنحن اولاً واخيراً ننتقد غيرنا بشدة ولا نقبل لغيرنا أن يعبر عن رأيه بصراحة فنضعه على الدوام في قفص الغيرة الفنية و حسد المعيشة والتوجه السياسي والفكري واليوم داخل قفص التوجه الطائفي.

نعم تغيرت الكثير من الاشياء خلال الثلاثين سنة الماضية عندما كنا نفترش مائدتنا الرمضانية امام اعمال درامية مكتوبة بشكل دقيق ومجسدة من قبل نجوم الدراما في ذلك الوقت وتم اخراجها بصورة رائعة . لا تخفى عن ذاكرة ذلك الجيل على سبيل المثال لا الحصر مسلسلات مثل فتاة في العشرين، عنفوان الاشياء، الهاجس، الاماني الضالة، النسر وعيون المدينة وحتى البرامج التعليمية مثل أحلى الكلام وغيرها . وللاسف على مدى عقدين من الزمان لم نرَ اعمالاً ترتقي الى ما تم ذكره سوى القليل الذي لا يكاد ان يتجاوز اصابع اليد الواحدة. من جانب اخر لمسنا التطور المذهل في نفس العقدين الماضيين من الزمن في الاعمال الدرامية السورية والخليجية بل وحتى اللبنانية وتبقى الدراما المصرية على رأس المائدة الرمضانية رغم بعض التحفظات البسيطة.

اذا اردنا أن نحصي عدد كتاب المسلسلات العراقية فكم عددهم برأيكم ؟ أذا اردنا ان نحصي عدد الشعراء والدواوين الشعرية المطبوعة في العراق فكم العدد برأيكم؟ مع الاحترام الشديد لكل شعرائنا ولكن لو عكسنا الارقام فيصبح لدينا كتاب للدراما العراقية اكثر من الشعراء ، هل تتوقون تراجع في مستوى الاعمال الدرامية العراقية مثلما نشهد الان؟

طيب، هل المشكلة فقط في توفر النص؟ لا اعتقد ذلك . الانتاج هو العقبة الاهم وأعني بذلك وجود المنتج الذي يمتلك الحس الفني والذكاء التجاري في نفس الوقت من اجل تسويق ناجح ومحسوب للعمل يضمن بيعه وحصوله على الرعاية والدعاية من كبريات الشركات المعلنة والراعية.

لا لا ، لا تقل لي أن بلداً مثل العراق قليل المواهب ، المعضلة هي توفر النص الجيد والانتاج الفني المدروس لهذا النص. لذلك نرى أن اغلب مبدعينا في الاخراج والمونتاج قد تم تبنيهم من قبل شركلت انتاجية عربية عملاقة ونرى الان اعمالهم تحتل المراكز الاولى في نسبة المشاهدة والتغريدات على مواقع السوشال ميديا.

تدور في رأسي تساؤلات كثيرة اغلبكم يعرف اجاباتها ولكن تنقصنا روح المبادرة للفعل الايجابي وذلك سببه الشحن السياسي والديني والاجتماعي الذي نعيش الان أوج فتراته.

كيف يمكن الخروج من هذا المأزق؟ هل هنالك اسباب خارجة عن ارادة المنتجين؟ لماذا هرب المخرجون والخبراء العراقيون في مجال المونتاج والتسجيل الصوتي والاضاءة والديكور والملابس والاكسسوار الى خارج حدود الدراما العراقية؟ هل هنالك اسباب للفشل متعلقة بمستوى التعليم في الاكاديميات الفنية العراقية ؟ هل تفشت المحاصصة السياسية داخل جسد الدراما العراقية؟ أين الاموال المخصصة للاعمال الدرامية من قبل الحكومة؟ ما هور دور القنوات الفضائية العراقية في انهيار مستوى الدراما ؟ ماهو اخر مسلسل عراقي تم عرضه من قبل قناة فضائية عربية كبيرة ولماذا؟ أين هم المتخصصون في التسويق والترويج الاعلاني للاعمال الدرامية العراقية؟ هل اصبح هاجس الشركات المنتجة الحصول على جوائز المهرجانات الفنية فقط؟ لماذا التقليل من شأن الممثل العراقي كبيراً كان أم لايزال في بداية طريقه؟

في بلد مثل العراق لا يكاد ان يمر يوم واحد من غير احداث وتطورات ورغم ذلك نرى ابداعات الفنان العراقي مستمرة خصوصا في مجال المسرح التجريبي والفن التشكيلي. اكثر الجوائز والشهادات التقديرية في مهرجانات المسرح ومعارض الفن التشكيلي تذهب الى العراق. لكن الدراما العراقية مع وجود مبدعيها لم تجذب المشاهد العربي الى هذه اللحظة. قد يكون احد الاسباب ايضا هو صعوبة تلقي وفهم اللهجة العراقية ولكن ايضا بالامكان كتابة بعض الاعمال الدرامية باللغة العربية الفصحى والعراقي يعتبر من افضل الناطقين بها الى جانب السوري واللبناني والفلسطيني والاردني.

اكتشاف المواهب الجديدة والواعدة ايضاً عقبة أخرى في طريق رفد الاعمال الدرامية الجديدة بمبدعين جدد وطاقات متميزة. فنحن لانستطيع الاعتماد على الكبار دائماً وهذه رسالة لكل مبدعينا الكبار من اجل الاكثار في عمل الورش الفنية في التمثيل والالقاء خارج حدود الاكاديميات الفنية الروتينية ليتمكن الجيل الجديد من الاستفادة القصوى من خبرات قد لا تتوفر مستقبلاً في البلد وايضاً لان العملية الابداعية لا تستند على وقت محدد بصفوف الدراسة بل انها مفتوحة في كل وقت خصوصاً في المجال الفني اللذي يعتمد بالدرجة الاولى على المزاج والإلهام.

النتيجة في النهاية ومع الاسف ان الدراما العراقية لا تزال حبيسة النصوص القليلة والانتاج التجاري البعيد عن المقاييس الفنية واليوم اصبحت حبيسة التوترات السياسية والدينية وميزانية الحكومة بالنسبة للقطاع العام في الانتاج. عندما لا توجد حرية في الكتابة والطرح والرأي, يهرب الابداع الى الخارج او يذوي ويموت تدريجياً في الداخل. عندما لايؤمن قادة البلد بأهمية الفن كرسالة إنسانية وإعلامية لا تتوقع ان تشاهد عملاً درامياً متميزاً.

المقال السابقالمحبّة قاعدة الأخلاق
المقال التالىبين تل أبيب وواشنطن…تناغم إرهاب وشريعة غاب
طارق السعود صحفي واعلامي من مواليد مدينة بغداد ، حاصل على شهادة البكلوريوس في العلوم السياسية من جامعة بغداد..بدأ حياته المهنية في مجال الاعلام في العام 2005 وبالتحديد في قناة آشور في بغداد. إنتقل الى مدينة القاهرة في جمهورية مصر العربية في نهاية العام 2006 و أنتسب الى قناة البغدادية ليعد ويقدم العد....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد