تيك توك تؤ

 

أصعب لحظة تمر على الإنسان هي تلك التي يفقد فيها الإيمان بكل ما حوله، وبكل المحيطين به. وعندما يهتز الإيمان بالثوابت التي نشأ الإنسان عليها، تكون تلك هي بداية أزمة نفسية شديدة الخطورة. والأزمات النفسية تنجم عن حدث مفاجئ أو غير متوقع يهبط على المرء على حين غرة، وينجم عنه تداعيات على الصعيد الإنساني، والتي قد تمتد أيضاً إلى الصعيد المجتمعي. وغالباً ما تنجم أي أزمة من ضغط نفسي عصبي تجعل الإنسان يمر بحالة ملغمة بالإنفعالات التي قد تصير مرعبة التداعيات. وبتدقيق النظر في أي أزمة نفسية، نجد أن مصدرها هو حدوث حالة مفاجئة من عدم الاستقرار في نظام معقد، مثل الأسرة، أو المجتمع، أو النظام الاقتصادي، سواء على على مستوى الفرد أو الدولة. وعلى هذا قد تحدث الأزمة النفسية إثر مشاجرة عنيفة، أو موت أحد الأفراد ذوي المكانة في نفس الإنسان، أو حتى الانفصال عن الشريك. وعلى صعيد المجتمع، مثل ردة فعل المصريين بعد هزيمة 1967، أو ردة فعل الشعب الأمريكي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر؛ فكلا الشعبان على اختلاف ظروفهما النفسية والاجتماعية كانت ردة فعلهم واحدة، وهي الشعور بجرح غائر في النفس.
وقد تتبلور الأزمة في شكل شعور بالقلق والخوف تجعل الإنسان يتصرف بطريقة خالية من الاتزان النفسي، والتي قد تتشابه والجنون. أو قد ينجم عن الأزمة النفسية اتباع سلوك هيستيري واهم يجعل الفرد يشعر بأنه شخص مميز، ولديه مواهب (وهي بالفعل مواهب ليس لها وجود على أرض الواقع)، وأن أي تصرف سئ تجاهه هو عبارة تصرف متعمد، القصد منه هو النيل من امكاناته ومواهبه. وقد تتبلور الأزمة النفسية في شكل اكتئاب وسلوك إنطوائي مفاجئ، أو عصيان متعمد لجميع الأوامر التي قد يتلقاها الفرد. أو إظهار سلوك مضطرب يميل فيه الفرد إلى الشتم والسباب على أتفه الأمور، بالإضافة تحبيذ الجدل بدل من التفاهم، وتغليف النفس بتحديات لا طائل منها، مع الإحساس أن الفوز فيها يحقق ذاته. وعلاوة عى ذلك، الصراخ المتكرر عندما تنتابه حالات من الغضب. وتظهر جميع ما سبق من أعراض كنتيجة حتمية لما يسمى ب “اضطراب ما بعد الصدمات” Post-Traumatic Disorder والتي فيها يكون المرء قد تعرض لحالة من الضغط النفسي الشديد، والذي يتحول إلى واحد أو أكثر من الأعراض السالفة الذكر.
لكن يصير الأمر جد خطير إذا أصيب المرء بجميع الأعراض السالفة الذكر دفعة واحدة من جراء أزمة نفسية. فإصابة العالم بفيروس الكورونا COVID-19 ، وما تلاه من حجر صحي جعل شعوب العالم رهينة محبس اختياري-إجباري داخل ديارها، مما جعل الشعوب تصاب في وقت واحد بأزمة نفسية عواقبها شديدة الخطورة. فالتشخيص الحالي لما يمر به العالم من حالة غير مفهومة العواقب، ولا مبررة الأفعال هو المرور ب “أزمة عاطفية”. فلقد نجم عن الخوف المتزايد من فيروس الكورونا المنتشر عالمياً مرور العالم كله، دفعة واحدة، بأزمة عاطفية Emotional Crisis. وتحدث الأزمات العاطفية دائماً بعد فقدان شئ أو شخص غالي على المرء. وأهم من فقده العنصر البشري في تلك الأزمة هو”ذاتهم” التي تمثل هويتهم المميزة. ، ففي تلك الأزمة العاطفية الجماعية، يتأزم المرء عند إحساسه بأنه فقد نفسه، وتوجب عليه أن يقابل ويتعايش مع شخص جديد ذو عادات جديدة واهتمامات جديدة. وأكثر ما يعذب المرء في تلك الفترة هي استعادة ذكرياته مع نفسه، واستعادة كيف كان يستمتع بأسلوب حياته القديم حتى ولو كان همجي أو بوهيمي أو حتى كان يكرر أنه لم يكن راضياً عنه. أضف لذلك، افتقادة للاستمتاع بالأماكن التي كان يرتادها، والاستمتاع بالعمل داخل جدران المؤسسة، حتى ولو كان فيما سبق دائم الشكوى منها ومن زملاءه في العمل. لقد حطم الحجر الصحي أسطورة الأثرة، وأخرج الشعوربعشق الذات – الذي يحاول أن يواريه الفرد – على السطح. فوجد الإنسان نفسه مجبوراً على التعامل المباشر واليومي مع أشخاص يدَّعي أنهم أفراد عائلته، مع أنه في الواقع كان يجعل منهم آخر اهتماماته؛ لأنه كان سعيداً بانغماسه في عالمه الخاص. وبالتأكيد، هذا الكلام لا ينطبق على الجميع. فهناك قلة لم تؤثر فيها التواجد في الحجر الصحي من عدمه؛ لأنهم طوال الوقت كانوا قادرين على عمل توازن بين احتياجاتهم الشخصية والتزاماتهم تجاه الآخرين. ولكن للأسف، ينطبق هذا التشخيص على الغالبية العظمى من سكان كوكب الأرض حالياً الذين يمرون بأزمة عاطفية متأزمة.
ومن أبرز علامات المرور بأزمة عاطفية هي الشعور بالقلق، أو الحزن، أو الاكتئاب الغير مبرر لفترات طويلة بدون وجود سبب واضح لهذا الشعور المفاجئ، وهذه الحالة باتت جماعية، ولا يمكن إنكارها. أضف إلى ذلك، هناك شعور متزايد بالغضب جعل علاقة الكثير من الأزواج وأفراد العائلة الواحدة على المحك، لدرجة جعلت الخبراء على الصعيد العالمي يتوقعون ازدياد حالات الطلاق. ومن العلامات الأخرى السائدة لتلك الأزمة النفسية هي تغيير أنماط العادات الغذائية إلى شهية متزايدة مقبلة على الطعام، أو أخرى تمجه. إلا أن العالم حالياً قرر الإقبال على الطعام لتعويض نقص الاستمتاع بنمط حياته القديمة. ويمكن إضافة علامات أخرى للأزمة العاطفية، مثل الشعور بأوصال خدرة، وتزايد الشعور بالكسل، وعدم الرغبة في عمل شئ، ويظهر ذلك في تسويف ما قد يقوم به المرء لشعوره بالملل الشديد، وإحساسه أن اليوم لن يختلف عن الغد. وأخيراً، هناك تفاقم في اجترار الذكريات القديمة، وكذلك غزو الكوابيس لأحلام المتأزم عاطفياً. وأود أن أشدد أن الكوابيس حالياً صارت تراوض الناس نياماً أو في وضع اليقظة في وضح النهار. فرسم سيناريوهات للغد بات أمر متفشي، وجميع السيناريوهات التي تتراءى للبشر لا تؤكد إلا على وجود غد مظلم.
ولعلم الناس أن تخطي أي أزمة عاطفية يتوجب التحدث عنها لمن هو قريب للمرء أو لمن يمر أيضاً بظروف شبيهة أو بأزمة عاطفية مماثلة، نجد أن جميع البشر صاروا إخوة في هذا المأزق النفسي، والجميع يتحدث بلا خجل عما يموج به من مشكلات نفسية، وكوابيس صارت تراوضه في وقت اليقظة، والجميع يتفاعلون معه بنفس الدرجة؛ لتخفيف عبء آثار تلك الأزمة النفسية العاطفية المرعبة. لكن من الآثار المناوئة لتلك الأزمة العاطفية العالمية على وجه التحديد هو انغماس الغالبية العظمى من شعوب العالم أجمع في فتح باب جديد واسع لعالم افتراضي يسمى ب “تيك توك” Tik Tokالذي اسمه يشبه صوت تحرك عقارب الساعة. وتطبيق التيك توك كان في الماضي من المحرمات بين الأزواج وفي العائلات، لما ينتشر عليه من فيديوهات غالبيتها إباحية، أو تدعو لتيارات أو توجهات جنسية، أو دينية عينها دون الأخرى، أو تم توظيفها لخدمة أهواء سياسية. لكن في وقت الحجر الصحي، كان من المفجع أن نجد أن تطبيق التيك توك أضحى محل استخدام جميع أفراد العائلة دون استثناء، وبصورة باتت تبعث على الاشمئزاز. ولقد قفز عدد مستخدمي هذا التطبيق عالمياً للمرتبة الرابعة في الفترة الأخيرة، وذلك بعد تطبيق الميسينجر، والواتس آب، والفيسبوك. بيد أن تطبيق التيك توك صار أخطرهم جميعاً. فمن أجل الحصول على أكبر عدد من المشاهدات وعلامات الإعجاب، يقوم الأفراد بتسجيل مقاطع سخيفة لحيل واهية تحط من هيبة الفرد بعد انقضاء فترة الحجر الصحي واستئناف الحياة العادية. فمن المقاطع المنتشرة على التطبيق، وجود شخص يغرق صاحبه بالفلفل الحريف، وأب في الخمسينات من عمره يشاطر بناته الرقص الشرقي دون خجل، ورياضي يقوم بعمل محادثة هاتفية مع فيروس الكورونا متخيلاً فيه أن الفيروس عدو لدود له، فيتوعده بأن يفتك به بعد يلقنه درساً بضربه مستخدماً في ذلك فنون القتال. وإذا كانت أغلب تلك المقاطع لا تتجاوز الدقيقة الواحدة، كما هو المتعارف عليه في تطبيقات التيك توك السريعة، وجدنا على النقيض أن هناك أماً – وهي المفروض أن تكون قدوة يحتذي بها – تقلد ابنتها المراهقة، لكنها في هذه الحالة تقوم بعمل فيديو متكامل لمدة عشرين دقيقة. الغريب في الأمر أن الأم ظهرت تصبغ وجهها بمساحيق ذات ألوان فاقعة، وتردي ملابس مغطاه بالترتر اللماع وكأنها ذاهبة لصالة ديسكو، وتضع على رأسها غطاء رأس عبارة عن كاسكيت شبابي مغطى بالترتر. ودون أي خجل، استهلت الأم حديثها أنها تفعل ذلك أسوة بإبنتها المراهقة.
المحزن، أن الأهالي كانوا ينتقدون الأطفال والمراهقين عند القيام بمثل هذه الأفعال؛ لأنها لن تنمحي أبداً من ذاكرة الزمن، لأنه يتم تسجيلها على شبكة الإنترنت. والسؤال المحيير هل صار الأطفال والمراهقين قدوة للراشدين؟ وهل وصل القائمون على شئون العائلات لدرجة من الأزمة العاطفية التي تجعلهم يتصرفون تصرفات غير مسئولة؟ يجب التنبيه أن تطبيق التيك توك من التطبيقات التي يوضع تحتها الكثير من العلامات الحمراء ويوضع أمامها الملايين من أدوات الاستفهام. فلو أعاد الكبار والآباء النظر في أفعالهم الغير مسئولة والتي تدل على عدم القدرة على مجابهة النفس، والدليل هو التعامل معها بغضب شديد من خلال الهروب لعالم موازي، لوجدوا أنهم لم يستطيعوا تجاوز مرحلة المراهقة بعد. ولهذا السبب، نجد تفشي الانحدار الأخلاقي بين الشباب في الأسر التي يدعي القائمون عليها أنهم يعملون على تقويم سلوك أولادهم بكل الوسائل. والتساؤل الذي يطرح نفسه حالياً “أنى لهؤلاء الكبار ذوي التصرفات الغير رشيدة أن يحكموا قبضة السيطرة على شئونهم العائلية مرة أخرى بعد إنقضاء الأزمة، بعد أن أضاعوا هيبتهم بين الصغار والمراهقين تحت ذريعة التسلية والخروج من الملل؟”

لا تعليقات

اترك رد