حين يتعدى المدى صدى صوتك

 
حين يتعدى المدى صدى صوتك

الإنفاق على البرامج التلفزيونية الغنائية يكفي أهل غزة رحلة الأنفاق لأجل جلب سلعة من مصر، والإغداق على الفنانات و الفنانين يكفي تمويل بحث علمي لعالم عربي يسابق الريح لأجل أن يظفر بعيش كريم، العرب منشغلون بالصوت فعلا من (ذي فويس) إلى (صوتك كنز)، وغير آبهين بالأصوات التي تنادي بالحرية في سجون الاحتلال والتي تطالب بالحق في الحياة في أوطان عربية أخرى وتتمنى التنفس بعمق شيئا من حرية حقيقية للفكر والرأي.

لحم رخيص في الفضائيات يعلّق بمثل الجزرة على العصا ومن نفس مرجعية القناة يرفع آذان الصلاة وتتلى آيات الذكر الحكيم من أناء الليل و أطراف النهار، العقول التي تفكر وتكتب عن التغيير مهددة بالزوال أو التصفية أو الإبادة ولا نجما واحدا معترف به بالرغم من أن كل علماء العرب و المسلمين هم من صنعوا أنفسهم على غرار صناعة نجوم الغناء التي تتقن الآلة الإعلامية تحسين جودتهم للاستهلاك المحلي و الوطني.

الإشهار الذي لا ينتهي في كثير من الفضائيات و الوسائل المسخرة للمسخرة لأجل الملايين في اكتشاف مغني بائس قد يصير قدوة الكثير من الفتيات و الفتيان وليذهب علماء البلد إلى النار لأنهم رحلوا إلى بلد العم سام.

الإقصاء و التهميش والاحتقار و المتابعات الأمنية والتهديد بضيق المعيشة وقطع الأرزاق هي العناوين الرئيسية التي تكتب في السر و تبعث في رسائل غير موقعة لمن فكر في ما هو يتعدى المستحيل في أوطاننا و لقد تحول العلم والاختراع وتكوين عالم واحد من المستحيل في ظل منظومة تعليمية فاشلة على كل المستويات رغم توفر كل الظروف و الإمكانيات المادية.

إن الغنى الذي تتمتع به الدول العربية هو فقر محتوم و العنصرية وإذكاء الطائفية و العرقية والتحزب داخل الأوساط السياسية و الدينية الذي يدس كما العسل في السم هي حيلة خطيرة حتى يضرب ما تبقى من تاريخ العلم والمعرفة ، مكتبات كبيرة مهملة في البلدان الآمنة النائمة جراء التخمة أو التي تحرق في ظل الحروب الأهلية و حتى الجامعات العريقة التي كانت تمثل حرما صارت حراما .

الحقيقة ملأ فؤاد الملايين بمسابقة غناء تم تعويضها بدل مشكلة سياسية أو تنظيم إرهابي خطير حتى يسحب التفكير مما تبقى في العقول ويحظى به الديني في الأوطان التي تأن من الفتاوى و استعمالاتها الكثيرة في الإبقاء على الظلم و اللصوصية، إنه السياسي في الإبقاء على الأنظمة المتعفنة أو تغييرها بظلها، قد يسحب التفكير لصالح الاقتصاد أيضا برفع الأسعار أو إنقاص السلع بغية شغل الناس بالبطون لا بالتفكير، وفي كل الحالات لا يجب أن يتعدى تفكيرك مدى أنفك أو لسانك أو صدى صوتك.
في الأخير ستسمع النقيض من الحقيقة في كل الفضائيات و الجرائد بأن كثيرا من الشعوب العربية بخير et tout va bien وأنت ما دخلك فالشعب راضي والكلام لا محل له.

يوما ما سيمنح الطاهي الأجنبي حساء سياسيا لذيذا وسيقول الحكام العرب إنها مؤامرة جديدة لكل العرب وقتها ستتذكر الشعوب علمائها و ماذا صنعوا بهم.

لا تعليقات

اترك رد