أنشودة الحياة الجزء العاشر نص مفتوح ماغوط، حزنكَ ينبعُ من آهاتِ البشرِ

 
اللوحة للفنان صبري يوسف

إهداء: إلى روحِ الأديبِ المبدع محمَّد الماغوط

193 … …. ……..
يشمخُ مسقطُ الرَّأسِ عالياً
حيثُ نوارسُ البحرِ مِنْ بعيدٍ
تغرِّدُ تغريدةً
تتماهى مَعَ حفيفِ المروجِ!

هَلْ كنتَ يوماً مَرْجَاً
مبلَّلاً بأزهارِ الرُّمَّانِ
أَمْ أنَّكَ هطلْتَ في ليلةٍ قمراء
مِنْ عُيُونِ السَّماءِ؟!

تغفو أعشابُ البحرِ
بينَ ضفائرِ القصيدةِ
بينَ شقوقِ الصَّحارى
بينَ جراحِ الكلماتِ!

أيُّها الفارسُ المتوَّجُ
بأحلامِ البحرِ
بنسائمِ الرَّوضِ
بزخَّاتِ القصائد!

كَمْ مِنَ العشقِ
حتَّى ترعرعَتْ أجنحةُ المهرِّجِ

نصٌّ مِنْ وحي الانكسارِ
مِنْ وحي الاِزدهارِ
اِزدهارِ عناقِ الحرفِ
لنداءِ اللَّيلِ
لجراحِ الصَّباحِ!

يهربُ الفرحُ
مِنْ ظلالِ يومِكَ
عابراً لهيبَ شقوقِ العمرِ
يفرُّ الفرحُ بعيداً
عَنْ مروجِ الرُّوحِ
عَن شموعِ القلبِ
كأنَّكَ في رحلةِ تيهٍ
بينَ شفيرِ السِّنينَ!

أراكَ غائصاً في أحزانِ المدائنِ
في أمطارِ القصيدةِ
مسترخياً في وطنٍ
يزدهي بينَ جنباتِهِ
هديرُ الطَّواحينِ
صراخُ المجانينِ!

صراخٌ مِنْ هَوْلِ الجوعِ
مِنْ هَوْلِ تفاقماتِ الجراحِ
صراخٌ أشبهُ ما يكونُ
صراخَ طِفلٍ في وجهِ الوطاويطِ
في انتظارِ الأبِ الحنونِ!

تشرَبُ نخبَ اِكتظاظِ الغبارِ
على تخومِ الأملِ
على أنغامِ حنينِ الرُّوحِ
إلى صحوةِ الجبالِ
متى ستصحو جبالنا
مِنْ غفوةِ أهلِ الكهفِ؟!

نامي يا غربتي
فوقَ بحارِ الشَّوقِ نامي
نامي لعلَّكِ تنسَي هديرَ الآهاتِ
تغفَي ولو قليلاً
بينَ أحضانِ الوئامِ!

غربةٌ في سماءِ الشَّرقِ
في رُبى الغربِ
غربةٌ على مساحاتِ اللَّيلِ
على اِنبلاجِ خيوطِ الصَّباحِ
غربةٌ مكتنزةٌ بالشَّوكِ
مهتاجةٌ بصهيلِ الأماني!

مِنْ هُنا
مِنْ أوجِ الاِغترابِ
أرى في عينيكَ رحيقَ قصيدةٍ
مزنّرة ببتلاتِ الزُّهورِ

ماغوط
اِنبعاثُ حبرٍ
في تاجِ القصيدة
زفرْتَ مراراً دخانَ تبغِكَ
كأنَّكَ كنتَ ترمي عَنْ كاهِلِكَ
تقعُّراتِ جفوةِ السَّقفِ
تقعُّراتِ زمنٍ غائرٍ
بالاعوجاجِ!

زمنٌ مِنْ لونِ العتمةِ
مِنْ نشيجِ البكاءِ
مِنْ رخاوةِ الهشاشةِ
مِنْ تزايُدِ
عجينِ القباحاتِ!

زمنٌ مُعفَّرٌ بسماكاتِ القيرِ
مُعتَّقٌ بتلافيفِ الغبارِ
زمنٌ يزدادُ كثافةً
بشهوةِ سياطِ القهرِ
بدخانِ فجاجةِ الفجاجاتِ!

زمنٌ أخرسُ مصابٌّ بعمى الألوانِ
بالحمّى الحمراءِ
منشرخٌ كشقوقِ الإسفلتِ
كاِكتظاظِ زفيرِ الآهاتِ!

حزنٌ يخيِّمُ على نضارةِ الحُلُمِ
على خمائلِ الصَّباحِ
على رحابِ الأكتافِ
على رحيلِ الأمواتِ!

عهدٌ يزدادُ توغُّلاً
في خلخلةِ أجنحةِ الشُّبَّانِ
في اِنشراخِ خدودِ الأوطانِ

ضياعٌ بينَ متونِ الأهدافِ
غباءٌ أزلي
يروِّجُ لثقافةِ الموتِ
يرسمُ الموتَ
كأنّهُ بشارةُ خلاصٍ
غباءٌ مريرٌ يستفحلُ
في أعماقِ الرُّؤى
….. … … … …..!

المقال السابقلوحة وفنان .. فنطازيا بغداد للرسامة العراقية وداد الأورفلي
المقال التالىرسالة حمدوك للشباب
أديب وتشكيلي سوري، محرّر مجلة السَّلام الدولية، أصدر أكثر من 40 كتابٍ ما بين دواوين شعرية، ومجاميع قصصية، وثلاث روايات، وحوارات ودراسات أدبية ونصوص أدبية ومقالات حول مواضيع عديدة، كما رسم أكثر من 300 لوحة فنية وأقام خمس معارض فردية والعديد من المعارض الجماعية في ستوكهوم، مقيم في السويد ـ ستوكهولم م....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد