التصميم ومفهوم التباعد الإجتماعي

 

من المثير للإعجاب تعاطي التصميم والمصممون مع الأحداث والإفصاح عن كثير مما يرونه جدير بالإهتمام وهذا ليس بجديد ،لأن مجمل الأحداث التي مرت بها البشرية كانت خير مورد للتصميم ، لاسيما تلك التي تتخذ طابعًا جماهيريًا عالميًا ، ويشهد عالمنا اليوم واحدة من بين احداث عدة كان لها تأثير كبير على مختلف الأنشطة الحياتية وأسهم في إيقافها والزم الناس بيوتهم وعَطل مشاريعهم وأربك تصوراتهم وخططهم الحياتية ، ولأن إنتشار (فايروس كورونا) حدث مهم كان للتصميم والشركات ذات العلاقة حضور في التعبير عن بعض من مستلزمات الوقاية منه والحد من إنتشاره وأصحب ذلك عديد المسميات الصحية، من ذلك التباعد الإجتماعي الذي يوصف بأنه احد السبل التي يمكن أن تعزز الدور الوقائي ، لهذا نظرت بعض الشركات العالمية في موقف يحسب مهما يتعلق بإحداث تغييرات طفيفة على بنيات علاماتها كمحمول شكلي دلالي يُوَجَه عن طريقه الناس للمحافظة على حياتهم ،فضلاً عن إبداء نوع من التضامن مع الناس ، لاسيما المصابون منهم .

مفهوم التباعد الإجتماعي
شاع هذا المفهوم أثناء إنتشار (كرونا) وبدأ تداوله في الوسط الشعبي بوصفه صيغة توجيهية تنبيهية وقائية تحث الناس نحو الإلتزام حفاظًا على حياتهم ، بهذا الصدد توضح (ليزا ماراجاكيس) المدير الأول للوقاية من العدوى في جامعة (جونز هوبكنز) التباعد الإجتماعي بالقول:”في حين أنه قد يكون من المخيب للآمال أن نسمع أنه تم إلغاء عديد الأحداث الرياضية والرحلات البحرية والمهرجانات والتجمعات الأخرى ، إلا أن هناك سببًا للصحة العامة لهذه الإجراءات،إذ تساعد عمليات الإلغاء هذه في إيقاف إنتشار المرض ، أو إبطائه مما يسمح لنظام الرعاية الصحية بالعناية بالمرضى بسهولة أكبر بمرور الوقت.” وحسب(موسوعة علم النفس النقدي) يشير التباعد الإجتماعي أو المسافة الإجتماعية إلى “مدى شعور الناس بالألفة (القرب والحميمية) أو عدم الألفة (السعادة والإختلاف) بينهم وبين الأشخاص الذين ينتمون إلى مجموعات إجتماعية وعرقية ومهنية ودينية مختلفة عن أنفسهم وهو ليس صفة إدراكية ثابتة للقبول،إذ يمكن للناس أن يغيروا إحساسهم بالتناغم أو التنافر مع مجموعات معينة عبر سياقات مختلفة. وبناءً على ذلك ، من الأكثر دقة التفكير في المسافات البعيدة كحيوية اجتماعية ديناميكية” ، فضلا عن ذلك يشير إلى “مستوى قبول الناس للآخرين خارج مجموعتهم الإجتماعية أو طبقتهم الإجتماعية ، يتم تعريف هذا المستوى من القبول بمشاعرهم العامة تجاه الآخرين ومقدار التفاعل الإجتماعي الذي لديهم مع الأشخاص الذين تكون خصائصهم خارج نطاقهم الإجتماعي. والمسافة الإجتماعية هي مقياس للإختلاف المُدرَك (أو المسافة) بين المجموعات. وَطَور( بوغاردوس) مفهوم المسافة الإجتماعية “لقياس درجة التقارب أو القبول الذي نشعر به تجاه المجموعات الأخرى، بينما تُستَعمل في أغلب الأحيان بالإشارة إلى المجموعات العرقية وتشير المسافة الاجتماعية إلى التقارب بين المجموعات بجميع أنواعها ويتم قياسها إما عن طريق الملاحظة المباشرة للأشخاص الذين يتفاعلون ، أو في كثير من الأحيان من خلال الإستبيانات التي يتم فيها سؤال الناس عن نوع الأشخاص الذين سيقبلونهم في علاقات معينة” . وعرفها (ار.جي. راميل) على “أنها حالة تنتجها علاقة إجتماعية بالإقتران مع علاقات إجتماعية أخرى، وبعبارة أخرى فإن أي مسافة إجتماعية محددة ناتجة عن علاقتين على الأقل من إتجاهات مختلفة ، وبقدر ما تكون العلاقة الإجتماعية بعد كل شيء فقط حالة ارتباط أو انفصال مستقرة نسبيًا بين البشر تحدث عن طريق واحدة أو أكثر من العمليات فمن المستحيل تحديد الأخيرة من حيث المسافة” ، ونخلص من ذلك إلى أن المفهوم مرتبط بحدود مسافية تحددها صلات القرب والبعد ،إلا أنها في ظرف مُلجأ يمكن أن تكون مبررة .

التصميم والمفهوم
كما أسلفنا في مقدم المقال فقد أثار إنتشار (كرونا) النوازع الإنسانية عند بعض الشركات ذات الأهمية على المستوى الدولي في بادرة تضامنية ،إذ اقدمت على إجراء بعض التغييرات الشكلية على علاماتها التجارية ذات هدف دلالي إبلاغي أوضحه (جوردان فالينسكي) في مقال له نشر في (edition.cnn.com) بالقول:” ليس فقط الناس هم الذين يبتعدون عن المجتمع، العلامات التجارية تفعل ذلك أيضًا، ماكدونالدز وكوكا كولا وأودي وفولكس واجن ليست سوى عدد قليل من تكتلات الشركات التي أرادت أن تفسر “المسافة الاجتماعية” مع إعادة تصميم الشعار… والعلامات التجارية التي تصمم تحت هذه المتغيرات لديها القدرة على تقليل شدة ما نمر به، الإبداع والعاطفة والفكر الذي يذهب إلى الرغبة في المساعدة والتثقيف والمشاركة في حركة الإِبعاد الجسدي هو ملاحظة جديرة” ،كما قال(بريان براكر) ، رئيس تحرير (Ad Age) أن الوقت حان للعلامات التجارية لتقديم “خدمة حقيقية وذات مغزى… وأنك عندما ترى علامات تجارية مثل ماكدونالدز أو كوكا كولا تفصل بين شعاراتها تضامنًا ، فإن ذلك يلفت الإنتباه” .وكل شركة انطلقت من الموقف التصميمي حسب توجهاتها ، من ذلك ماقامت به (ماكدونلادز البرازيل ) في تفكيك اقواس علاماته كدليل على تطبيق التباعد الإجتماعي، وقد اثار هذا التصرف إنتقادا شديدًا من قبل المستهلكين لأسباب عدة ،كما قامت (كوكا كولا ) بتفكيك حروف علامتها للتعبير عن توجيه البقاء بعيدًا ،وهكذا قامت أودي وغيرها من معالجات بنيوية على علاماتها ، وبهذا الصدد اشارت(CNN) إلى أن”المعركة العالمية ضد الفيروسات الجديدة أحدثت تغيرات هائلة في الثقافات المختلفة في جميع أنحاء العالم…وأنه حتى بعض العلامات التجارية الأكثر شهرة في العالم تغير شعاراتها لتشجيع المجتمع العالمي على الإستمرار في ممارسة التباعد الإجتماعي”… وأشاد الكثيرون بالعلامات التجارية لإبداعهم والتزامهم بالصالح الإجتماعي، ومع ذلك ، فإن بعضًا آخر أقل إعجابًا بما يرون أنه محاولة ساخرة للإفادة من جائحة عالمية” ، كما واجه التغيير الذي حصل لعلامة أودي انتقادا كونه متشعب أجتماعيًا وأنه بعيد عن الغاية التي أُريد منها ،إذ أن ” الحلقات لا تلتزم تمامًا بقاعدة المترين ، لكن الرسالة واضحة بما فيه الكفاية، ولكن بعد ذلك تصبح الأمور مربكة بعض الشيء مع عودة الحلقات إلى بعضها بعضًا ، مع نص تحته نصه “البقاء معًا” ، ونشرت سلسلة البقالة الأمريكية (Chiquita) نسخة من شعارها دون التميمة الشهيرة (Miss Chiquita) وأوضحت أنها “في المنزل بالفعل” وطلبت من أتباعها “أن يفعلوا الشيء نفسه وأن تحمي نفسك”، وأضاف المدير الإبداعي ( جوري توفرلجان) قناع وجه إلى حورية البحر ذات الذيل المزدوج لـ(Starbucks) مع شعار “افعل ذلك” وعملت (اديداس ) عل التباعد بين خطوط علامتها الثلاثة ، كما شاركت مجموعة قنوات (mbc) عن طريق إخراج أرقام القنوات خارج الشكل الدائري المعروفة بها ، وقامت في مرحلة أخرى بوضع العلامة داخل شكل لمنزل كدلالة للتعبير عن توجيه ( ابقِ في المنزل).

وضع المصممين في ظل هذه الجائحة
في ظل هذه الظروف الحالية كيف يعمل ويتعامل المصممون مع ذلك ، يشير (سيمون مانشيب) مؤسس ومدير إبداعي استراتيجي في(studio Someone) إلى أنه ” يبدو أن هناك إجماعًا بين استوديوهات التصميم على أن العمل عن بُعد هو أفضل نهج بدأت قوته العاملة في العمل من المنزل اليوم، ويضيف أجرينا محادثات كثيرة حول هذا الموضوع ، ولكن في النهاية كان الهدف الأكبر هو الذي أثر فينا، وفي حين أن جميع موظفي الشركة من الشباب لائقين وصحيين ، فهم ليسوا على الفور في مرمى الخطر ، إنها الصورة الأكبر التي شعرنا أنها بحاجة إلى الإستجابة للمسؤولية”…ويقول (هنري وونغ) أنه وعلى الرغم من التحديات ، وربما يكون من السابق لأوانه تحديدها جميعًا ، قد تكون هذه فرصة لإعادة التفكير في كيفية عمل المصممين” ، كما يتفق (كريغ غلاس) المدير الإبداعي لتجربة العلامة التجارية في استوديو العلامات التجارية (CBA) مع الرأي الذي يفيد( إنها هذه قد تكون فرصة لإستكشاف إمكانية “استوديوهات افتراضية التي يمكن ان تكون تجربة إنشاء استوديوهات افتراضية بدون حدود تقليدية تؤثر على كيفية تصميمنا للمستقبل”.
الخلاصة

نشير هنا إلى أسباب حصول هذه المتغيرات البنائية على تصاميم العلامات أكثر منها في تطبيقات كرافيكية أُخر:
1- تتشكل تصاميم العلامات التجارية من بنيات مختزلة شكليًا ولونيًا وكتابيًا،وهي مناسبة لإجراء المعالجات الفنية.
2- ذات تداولية عالمية جماهيرية وهي مألوفة لدى الأغلب الأعم من الناس .
3- رسائلها مباشرة ولاتحتاج إلى تفسير وجهد تأويلي وهي مناسبة في هذا الظرف الصحي.
4- مرجعياتها الإقتصادية قوية ولا يمكن ان تتأثر شعبيًا ، أو تجاريًا إن حصل في علامتها متغيرات تصميمية.
من هذا وذاك نشير إلى أن المتغيرات التي حصلت لم تشتمل عددا كبيرا من العلامات، بل إقتصرت على عدد محدود رأت مرجعياتها أنه من واجبها التضامن مع الظرف الحالي. في مواجهة

لا تعليقات

اترك رد