جائحة كورونا تحد من عنف وقسوة الرأسمالية

 

بلغت الرأسمالية مرحلة من العنف والقسوة وأحيانا بفجاجة معظم الوقت، ولم تستمع إلى الأصوات الصارخة التي تقول لها كفى، فالعالم أجمعه وقف أمام احتلال الولايات المتحدة للعراق في 2003، وقادت الولايات المتحدة 13 حربا تكلفت نحو أكثر من 13 تريليون دولار خلال ال30 عاما الماضية البعض يراه رد فعل متعال، أو عنصري لمن يشاء تسميته.

استفاق الغرب فجأة من غيبوبته ليجد نفسه أمام جائحة كاسحة لم يصدق ما رآه، وقبلها استفاق أيضا من غيبوبة العولمة الذي كان يظن أنه الوحيد الذي يستطيع أن يتحكم بها ليجد نفسه أمام يقظة قوية وكاسحة فاجأته الصين وبشكل خاص فاجأت الدولة العميقة في الولايات المتحدة رغم أن هذا الصعود لن يتحقق دون مشاركة الولايات المتحدة خلال مرحلة العولمة، لكن هل تستطيع الولايات المتحدة الآن بعد جائحة فيروس كورنا وقف الصعود الصيني أم أنها بحاجة إلى شراكة أخرى مع الصين تشبه الشراكة التي قبل في زمن العولمة؟.

هناك سؤال يتبادر إلى الذهن ما هو أيضا مصير العولمة التي عبرها تم تداول السلع الرخيصة التي صنعتها عمالة رخيصة وبدأت في إغراق الأسواق العالمية وبدأت أيضا تمتلك التقنية الحديثة التي كان الغرب يعتقد أنها بعيدة عن الصين لكنه رضي أن يرتفع ناتج الصين قبل ثلاثة عقود من 3 في المائة من الناتج العالمي إلى 20 في المائة في الوقت الحاضر من أجل الرفاهية في الغرب وخفض التضخم وتحقيق النمو العالمي الذي انتشل مئات الملايين من البشر من براثن الفقر فيما جهود منظمات الأمم المتحدة فشلت في تحقيق انتشال الفقراء في أنحاء العالم وتحقيق المساواة التي دائما ما تدعو له.

ولكن بعدما رسخت أقدامها كمركز تصنيعي وبدأت تلعب دور قوة موازية للولايات المتحدة بل بدأت تخشى الولايات المتحدة أن تزيحها وتتفوق عليها في المدى المنظور المتوسط قبل البعيد، وستنتقل الصين من النموذج الذي اختارته لنفسها الأقرب إلى النموذج الهولندي خلال فترة بناء الإمبراطوريات أي التركيز على التجارة بعيدا عن الانخراط في السياسة أي عكس الاستراتيجيات التي اتبعتها القوى الاستعمارية البريطانية والفرنسية إلى النموذج الذي تتبعه الولايات المتحدة كقوة امبراطورية فيدخل العالم مرة أخرى في حرب باردة أخرى لا يريدها.

لكن من المتوقع أن تضع الصين لها استراتيجية أخرى ثالثة تجمع بين السياسة عبر الهيمنة التجارية رغم ذلك تعتبرها الولايات المتحدة منافستها منافسة ضارية خصوصا وأن الولايات المتحدة ترى الصين الطموحة تخطط لبناء قوة بحرية في المياه الزرقاء على غرار قوى القرن التاسع عشر تعتقد أنها بذلك تكون قادرة على تحدي الولايات المتحدة في المحيط الهادئ والمحيط الهندي حتى في هونغ كونغ التي تنفجر بالاحتجاجات لم تخلع الصين قفازاتها بعد.

أتى فيروس كورنا إلى تدشين مرحلة جديدة هز العالم وفرض نفسه على كل مناحي الحياة وأجبر الملايين على الجلوس في منازلهم في إجراء غير معتاد ساهم في كبح جماح كثير من القرارات التي كانت تنوي اتخاذها الدول الكبرى قبل اجتياحه العالم.

ومن يعتبر العولمة عدوا قويا باعتبارها هي التي مكنت الصين، لكن بعد جائحة كورونا فإن العالم سيحد من الرأسمالية المتوحشة وليس كما كان يسمى من قبل العولمة المتوحشة، وهناك حاجة أشد لحشد أكبر للموارد لإنقاذ المجتمعات من جائحة كورونا وأثبتت أن العالم بحاجة أكبر إلى تعاون دولي للتعامل مع العواقب الصحية والاقتصادية حتى لا يتحول العالم إلى أزمة العشرينيات من القرن المنصرم.

فالدعوة إلى دفن العولمة أو معاداتها ليس واقعيا بل على العكس من ذلك إحياء العولمة في إطار أوسع يتجاوز القضايا التجارية والاستراتيجية والهيمنة ليشمل المجالات الإنسانية والأخلاقية والثقافية بشكل أوسع عما كانت عليه قبل جائحة كورونا والتي تسببت في رأسمالية متوحشة أهملت الإنسان لأن فيروس كورونا فرض واقعا عالميا لم يفرق بين دولة وأخرى ولا بين فقير ولا غني.

لا تعليقات

اترك رد