إشكالية الثراء الثقافى وتنوع التراث الحضارى في ديوان “سفر البوعزيزي” للشاعر نصر سامى – ج٢

 
إشكالية الثراء الثقافى وتنوع التراث الحضارى في ديوان
لوحة للفنان نصر سامي

انتقل الشاعر إلى قصيدة بعنوان( جلجامش) يقول الشاعر:-“بردى معي. لا أفهم الآن الممات ولا أرى إلاّ الحياة تمرّ في جسدي وتفتح في الرّدى بيتا وفي بلدي. من أين يأتيك الرّدى وأنت يا بردى من صنعت المجد للأحياء وأنت أنت الضّوء في هذا المدى المزروع بالألغام وأنت أنت الرّيح تزرع صوتنا شجرا وتمنح للنّدى في حلمنا الأرواح والجسد”
“ملحمة جلجامش هي ملحمة سومرية مكتوبة بخط مسماري على 12 لوحا طينيا اكتشفت لأول مرة عام 1853 م في موقع أثري اكتشف بالصدفة وعرف فيما بعد أنه كان المكتبة الشخصية للملك الآشوري آشوربانيبال في نينوى في العراق ويحتفظ بالألواح الطينية التي كتبت عليها الملحمة فى المتحف البريطانى الألواح مكتوبة باللغة الأكادية” وقد سبق الإشارة إليها فى يداية الدراسة.
وينهى قصيدته بقوله:- “أطفال دون أعضاء. مساجد دون مئذنة. مآذن دون قرآن. مشاف دون جدران. أطبّاء بلا مرضى. ومرضى دون أدوية. شتاء دون فحم. ليال دون أضواء. رصاص دون عقل… لا ليس هذا وطني. لا ليس هذا بلدي. وأنت يا بردى بعيد. لا تمدّد في الدّقيقة كي أراك وكي تراني ولا تقصّر في الرّحيل. والموت يخرق ضفّتيك. أليس من قلب لديك؟ أليس من شفة تدلّلنا عليك؟ أليس من فجر يعلّق في يديك؟”
يعد هذا المقطع من أقوى مقاطع القصيدة التى كتبها الشاعر فى التعبير عن حال أمة كاملة، وحال أجيال متتالية لا يتوقف الموت عند محطة من محطات شبابها؛ ولكنه مستمر إلى الأبد، وهذا ما يصفه الشاعر فى وصف كل التناقضات القائمة عليه من كل الجوانب من أطفال؛ ولكنهم دون أعضاء كاملة وسليمة للعمل والاستمرار فى الحياة، لدينا مساجد ولكن لا تقام فيها الشعائر ولا تقدم الوعى الدينى للشعب، لدينا مستشفيات دون جدران تحميها فكيف تعتبر أماكن للعلاج والدواء؟! ولدينا مرضى ولكن لا يوجد لهم علاج، لدينا شتاء كباقى بلاد العالم ولكن ليس لدينا فحم للاستقواء على برودته القاسية، لدينا أيام وليالى ولكنها ظلام حالك ودامس، لدينا رصاص قاتل مع أغبياء جهلة، وأخيرا يسجل الشاعر اعترافه المدوى، أنه بهذا الحال السيىء ليس وطنه ولا بلده ولن يكون أبدا وطنا كاملا آمنا لشعبه طالما ظل على هذا الحال المتناقض.
وينتقل إلى قصيدة أخرى بعنوان (ثورة الأحرار) ورسالة موجهة إلى أحياء وشهداء الثورة فى تونس الخضراء، فيبدأها بقوله:-
” جدّدتم شكل الصّباح
فلم يعد للصّبح ذاك اللّون
ذاك الأسود.
وجعلتم هذي البلاد قصيدة
في كلّ قلب ثائر
تتجدّد.
وخرجتم في كلّ زاوية
يدا بيد
فأورقت الشّموس الرصّد.”
يخاطب الشاعر الثوار بقوله جددتم شكل الصباح وغيرتم لونه الأسود الحالك إلى اللون الأخضر الذى يليق به، منذ بداية الكون والوطن يستحق ذلك اللون الأخضر؛ ولكنه أسّود بأفعالكم وفسادكم وظلمكم. ويعود فى وسط القصيدة ليعترف بالحقيقة الجلية أنكم أيها الثوار الأحرار غيرتمونا بحق وبعثتم أضواء فى ليل الظلمة الذى طال علينا، ولم نجد غيركم ليجلوها، وأيقظتم الشعب من غفلته الدائمة وسباته العميق.
“غيّرتمونا فجأة
وبعثتم في ليل ظلمتنا
رؤى لا تخمد.”
جددتم وغيرتم جلود الشعب من الظلم والقهر والذل إلى العزة والكرامة والحرية، وأشعلتم نار مؤججة فى الظلمة الدامسة، والتى كان يظن الشعب أنه لن يخرج من تحت وطأتها، ولكن تغيرت الأحوال وتبدلت إلى الأفضل من تحقيق الأحلام والأمنيات، ومن أجمل ما خطة الشاعر فى قلب هذه القصيدة فى قوله:-
“فتكلّموا وتكلّموا وتكلّموا
فكلّ صوت قبلكم محمّد
وكلّ صوت بينكم محمّد
وكلّ صوت بعدكم محمّد
لو قيل لي في الحلم
ماذا تحلم؟
لحلمت أن أحيا هنا أتجدّد.
كالفجر في قلب البلاد وكالنّدى
أسري بأفكار الشّباب
وأصعد”
كرر الشاعر(فتكلموا وتكلموا وتكلموا) والتكرار للتأكيد والمجاهرة بالحق، وأن كل أصوات الثوار متمثلة فى صوت مفجر الثورة الأول الثائر لكرامته(محمد البوعزيزى)؛ فهو الذى يعود له الفضل أولا وأخيرا فى إشعال فتيل الثورة الخامدة تحت بركان ثائر. ويعود مرة أخرى للمطالبة بتمرد الإنسان وافتعال ثورة حقيقة أساسها الإنسان دون تردد، ثورة أساسها التمرد على القهر والظلم والطغيان كما قى قوله:- “في كلّ ناحية أرى أسطورة خضراء
تصعد ملء كفّيها الغد.
لكنّ أبهاها جميعا ثورة الإنسان
ضدّ القهر والطّغيان دون تردّد
قدر الحياة
الحرّ يقلع دائما بطش الحياة
ويرعد.
فتمرّدوا”
ويعود فى القصيدة نفسها لتوضيح مطالب الشعب المظلوم والمقهور بسؤال واضح يخاطب به الحشد من الشعب فى قوله:-
“ماذا نريد من الحياة
سوى حياة
ينجلي عنها الظّلام الأسود.
نحيا بها أحياء حقّا
دون إقصاء
معا شرفاء يجمعنا الغد.
قد كنت مثل المعزف المكسور
لكن ها يعود العزف ها يتجدّد.
شكرا لكم حرّرتموني فجأة
وجعلتم قلم النّبيّ يغرّد.
22/1/2011.”
لقد وفق الشاعر فى التعبير عن هذه القصيدة التى تضم عنوان الديوان ومحتواه فى قلب الشهيد الثائر(محمد البوعزيزى)، وما حدث له من ظلم فجر بركان الثورات العربية جميعا، ووضع الملح على كل الجراح لكى تفيق وتشعر بكل مظلوم ومقهور ومذلول بينهم، وتحاسب كل مستبد وظالم وطاغى عليهم؛ مما جعل الشاعر يشبه نفسه بنبى يغرد بقلمه فى الشعر، ويعلو بسلاحه فى السماء، وهذا التشبيه ما هو إلا مبالغة شعرية فى سعادة الشاعر بالثورة والتغيير، وما عليه سوى توصيل الرسالة كالنبى ولهذا أردف هذا التشبيه كونه سيغرد بكلماته وينطلق فى عنان سماء الشعر.
وينتقل إلى القصيدة التى تليها بعنوان (أغرقتم الفرعون)، ويبدأ فى تكملة لقصيدة الثوار الأحرار من بعد القيام بالثورة إلى القضاء على الظلم والظالم والجبروت فى وصفه بـ(فرعون) فى قوله:-“أغرقتم الفرعون دون جنوده. فمتى يهزّ السّيل جند الماضي. ومتى متى تتغيّر الكلمات حقّا. ومتى سيصبح ممكنا أن لا يعود الكاذبون إلى أماكنهم كما كانوا فرادى أو جماعات، ويصبح ممكنا أن لا نرى في ثورة الأحرار من جعل الرّدى وطنا ومن أودى بأسباب الحياة جميعها”
يخاطب الشاعر الثوار من الشعب، ويصفهم بأن لديهم المقدرة على إغراق الظلم والفساد كما أغرق فرعون على يد سيدنا موسى – عليه السلام – من قبل وذكر فى القرآن الكريم، بل إنكم تستطيعون هدم الظلم وأركان الطغيان، ويؤكد فى قوله على ذكر أسماء الثوار من ذكور وإناث فى قوله:-”
“وداعا للطّغاة جميعهم. من يغرق الفرعون يرد جنوده. فليذهبوا. وسيذهبون إلى جحيم سكّنونا فيه أعواما. أرى نجما تعلّق بالنّوافذ اسمه مهدي وآخر اسمه ناجي وآخر اسمه مجدي وآخر ثمّ أخرى اسمها يسرى وأخرى… كلّهم جاؤوا لتغيير البلاد وجعلها وطنا لنا”
يودع الطغاة الذين هلكهم تمرد الشباب وقوتهم وصمودهم، أمام صوت الظالمين الطغاة، بل ويراهم نجوما فى أعالى السماء مضيئة بالحق والعدل، ومقدسة بمكانة عالية ومنزلة رفيعة.
وتعد هذه القصيدة أكثر تعبيرا ووصفا للمشهد الثورى؛ لكونها مفصلة الحدث الثورى التى تصفه الكلمات الثائرة كالرصاص المخترق لقلب الأعداء؛ فختمت هذا المقطع المعبر خير تعبير فى قوله الشاعر:-“أمّي تعدّ الشّاي للأبطال بعد سماعها بنجاحنا في طرده.” أسقطتموه، نعم، ولكن من وضعتم؟” قلت: “كلّ من كانوا جنودا عنده”. فرمت على حبل الغسيل رداءها. وبكت وردّت: “ها ها هو”
حتى الأم البسيطة ربة المنزل صرخت وألقت بما فى يدها فى الهواء لهول الصاعقة التى سمعتها، حيث إنها متأكدة أن بعد كل هذا لم يحدث التغيير المرجو والمدفوع ثمنه مقدما من أعمار الشباب وحياتهم، وذلك لأنهم طردوا الفرعون القديم، وأتوا بجنوده، إذن لا فائدة فيما فعلوه وقدموه وضحوا من أجله. فما الجديد إذن، لا جديد ولا تغيير ولا نتيجة مثمرة للثورة والثوار ولا ثمار لأرواح الشهداء الأبرياء.
وينتقل إلى قصيدة أخرى معنونة بـ(يصير نجما خلف ثورته) ويبدأ بقوله:-“وطني يطير. يصير نجما خلف ثورته، يضيء ويستضيء بروحه، ويستريح من الرّحيل لكي يواصل سيره نحوي ونحو الضّوء. منذ البدء رأيت ضحكته تمدّ الماء بالأمواج والحوت الصّغير ورفرفات الطّير. ورأيت العاج يدار على غير أسمائه وهو يحتكّ فيه بأحلامه. والغيوم رأيت على تبرها بذره والحقول المندّاة. والسّماء رأيت تنهّدها وهو يصعد من باطن الأرض رخوا ويمتدّ أزرق. والهواء تأمّلته وهو ينبع من سهله ويرمي بذورا على ساحل الوهم. خضراء تصبح في لحظة وذات ظلال وينداح ثمر مضيء لساعته فوقه. إنّه ما أحبّ تماما وما أطلب. حلمت به مرّة فاستمرّ شموسا تطلّ من الشّرق لا تغرب” يشبه الشاعر الثورة كالقمر، ويصبح الثوار نجوما تسير خلفه، تحتمى به، وتضيىء بنوره.
ويعود الشاعر ليستكمل فى قوله:- “وأحبّ بشّار القديم وشعره من أجله. وأحبّ سقط الزّند. وأعجب من حروف لا ترى لكنّها تروي الحياة وسحرها. وأحبّه. أجد الحياة حقيقة في ليله. أعمى وتعجبني حديقة صوته. لكنّه والضّوء يحمله إليّ والحلم يكبر كلّ يوم يرمي عليّ بذوره ويطير. يصير نجما خلف ثورته. يضيء. ويستضيء بروحه. وها أطير لأجله. ها أحلّق في السّماء بريشه. ها أقطّر كلّ ضوئي كي أكمّل شمسه. 24/1/2011” يعترف الشاعر بحبه للشاعر القديم بشار بن برد، وأيضا سقط الزند وهى قصيدة لأبى العلاء المعرى الشاعر الكبير، ومعجب كل العجب بقصائدهم بل أنهم تعلم منهم، وبرع فى وصف اكتمال الضوء الكامل فى هيئة شمس، بأنه يقطر الضوء إلى أن يكمل شمس من يحبهم ويحميهم من الظلام القاسى سواء كان ظلام الروح أو ظلام الضوء ويعرف الشاعر بأنه:-“بشار بن برد بن يرجوخ العُقيلي (96 هـ – 168 هـ) ، أبو معاذ ، شاعر مطبوع. إمام الشعراء المولدين. ومن المخضرمين حيث عاصر نهاية الدولة الأموية وبداية الدولة العباسية. ولد أعمى، وكان من فحولة الشعراء وسابقيهم المجودين. كان غزير الشعر، سمح القريحة، كثير الإفتنان، قليل التكلف، ولم يكن في الشعراء المولدين أطبع منه ولا أصوب بديعا” ويشترك الشاعران فى أنهما كان كفيفان؛مما جعل الشاعر يركز على شعرهم وروحانيتهم الخاصة بهم.وهى رسالة من الشاعر مجملها أنى أراكما من الداخل.
وينتقل إلى قصيدة أخرى بعنوان (معلقة القصبة) ويوجه رسالة تحت عنوان فرعى فى قوله:-“إلى جميع ممثّلي الشّعب الواقفين بالقصبة وإلى الشّعب التّونسي الذّي أراد الحياة”
ويتجه الشاعر فى بداية قصيدته بهذا القول:-
“صنع التّاريخ
لم يقبل عطايا
حين هزّ العرش واجتثّ الزّوايا
ذاك شعبي الحرّ
ذاك التّونسيّ
من أضافت آيه للمجد آية
من تأذّى حين كان اللّيل أعمى
من رأى ضوءا فغالته المنايا.”
يفخر الشاعر ويعتز بوطنه وهذا حق للجميع، ويغازل وطنه تونس الخضراء بكل ما فيها، ويوضح الشاعر أن الثوار هم المرايا العاكسة لأخطاء الحكومات الظالمة والقاهرة والمدمرة لآمال الشعوب وأحلامهم.
“صنع التّاريخ حقّا، لا مجازا
وأشاع الشّمس في ليل البرايا
كلّ نجم فيه من أضوائنا
عرق يضخّ الدمّ في كلّ الثنايا
نحن آمال الشّعوب الآن
فينا يبصرون المجد
بل نحن المرايا”
ما زال يؤكد على صناعة التاريخ فى الحقيقة وليست كصورة شعرية مجازية، تحاك القصيدة أو تقيم قافيتها؛ ولكنه يؤكد أن الظلم سائد وقد يختفى مؤقتا ولكنه سوف يعود؛ لأن الثوار يحتاجون عمرا كاملا لمحو هذا الظلم والظالم معا.
” قد يعود الظّلم يوما
قد يعود اللّيل يوما
ليس أمرا مستحيلا
ربّما نحتاج عمرا ثمّ عمرا ثمّ عمرا
كي نرى حتّى قليلا
ثورة الأحرار يرسي فجرها
نورا وعدلا
في ليالينا الطويلة
فتكلّم وتكلّم وتكلّم
ربّما أصبحت ربّا أو رسولا
ربّما أحييت ميتا
ربّما حرّرت صوتا قال لا
جيلا فجيلا
نحن صنّاع الضّيا”
يتسم هذه المقطع الشعرى فى أن الشاعر يصف الثوار بأجمل وصف فى قوله نحن صناع الضياء والنور لمحو هذا الظلام البائد، بل أنه يطالبهم بالكلام والثورة حتى لو لم يتحدث أثرا مدويا اليوم فمن المحتمل أن يصنع غدا؛ فكل الثورات كذلك تأخذ أعمار عديدة لتحقيق ما قامت من أجله، حتى لو مات جيل الثورة، وأتت بعده أجيال عديدة، فلا بد من التحرك والتمرد والثورة عليهم فى كل وقت، ويعود لمغازلة الثورة التى أيقظت الجميع شرقا وغربا،وأصحبت المتنفس لهم، والترحيب بها فى قوله:-
“ثورة الأحرار مرحى
ألف مرحى
صرت جسرا
صرت للأمجاد صرحا
وجعلت الكون أحلى
وملأت بالضّياء الجسم والأرواح صبحا
فيك يمحى الظّلم
يمحى كلّ خوف
وجميع اللّيل والطّغيان يمحى
صدّقوا ما عاهدوا اللّه عليه
بدماهم أنفذوا في الصّخر رمحا
تونسيّون نعم جاؤوا لمجد
فأصابوه معا جسما وروحا 19/02/2011”
ويصف أنهم صدقوا ما عاهدوا الله عليه كما فى قول الله – عز وجل- بسم الله الرحمن الرحيم:-“مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ * فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ * وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا” حتى أنه ينهى بتاريخ محدد لكى يتذكر هذا التاريخ تحديدا، ويؤكد على أهميته فى تغيير حياة الشعب التونسى.
وينتقل إلى قصيدة (البراق) التى يبدأها بقوله :-
“يقف محمّد البوعزيزي أمام مبنى الولاية. يتخيّل للحظة وهو يقف تحت الشّمس أمام عربته أنّ له حصانا. يفرك عينيه. يتأكّد أنّ الحصان أمامه حقّا. فيخاطبه قائلا.”
يصف مشهد الشهيد الثائر(محمد البوعزيزى) قبيل احتدام الموقف بينه وبين الضابطة (فادية) التى صعفته على وجهه مما أثار ثورة الثائين من أهل العزة والكرامة، ووجد الشعب الفرصة سانحة أمامهم للمقاومة والتمرد الذى طال انتظاره؛ ترقبا وخوفا من البطش والطغيان.
ويستكمل قوله فى خطاب (محمد البوعزيزى) لحصانه:- “أحدّق يا حصاني في البعيد وأحتمي بغيومه. تلك معجزتي الأخيرة. أتفهم يا حصاني؟ لست موسى لأسير فوق الماء ولا عيسى لأمدّ روحا في العصا. أنا في غد طير. روائح جنّتي تمتدّ في الأرجاء وفكرتي كفني ولي في هذه الأرض الصّغيرة موطئ. قبر نعم سيصير بعد الموت نهر محبّة ولي أمّ تمدّدني متى شاءت على قطن المياه ولي رفاق لم يموتوا بعد يرونني ضوءا وأحسدهم على أضوائهم. أنا في غد طير نعم وأجنحتي القصيد.” لا يزال الشاعر متأثرا بقصص القرآن الكريم، لمعجزات الرسل كسيدنا موسى – عليه السلام- وقصة سيدنا عيسى – عليه السلام، وتم ذكرها بالتفصيل من قبل.
ويستكمل الشاعر قائلا:- “رؤياي أكبر من حقيقتي البسيطة. لم أعد بشرا. دعوني ها هنا أرنو إلى جسدي العظيم. أستعيد اللّحم والأعصاب والجلد المشقّق والغيوم وأستعيد اللّيل نفس اللّيل بسواده ووعيد سجّانيه. أحنّ حقّا ها هنا للسّوق لفادية التّي افتكّت الميزان منّي ذات يوم، لسائقي العربات، لبنت ربّما فكّرت فيها كي تشاركني سماء دون أرض. متّ حقّا كي أرى صوتي يمهّد الثّورات للأحياء وها أطلّ لكي أرى.. ستعود فادية لنفس السّوق أقوى. هي التّي صفعت مرارا لا أنا. هي التّي حرقت مرارا لا أنا. هي التّي افتكّت بضاعتها مرارا لا أنا. هي زبدة النّظم التّي تهتمّ بالإنسان”
يستنطق الشاعر النص فى تكلم الموتى، وتكلم البوعزيزى ووصفه لحياته الراهنه وبعده عن الأحياء، ويتهم فادية الضابطة التى صفعته على وجهه، أنها سوف تعود بقوة تصفع مرارا وتحرق أكثر؛ وكأنه البوعزيزى كان يتنبأ بما سيحدث على أرض كل الثورات وليست تونس فقط؛ فهذا ماحدث لقد عاد الظلم وبقوة على كل بقاع الأرض.
ويعود ليختم القصيدة فى قوله:- “لست أفهم يا حصاني كيف صار الحرف أروع في عيون النّاس؟ أسرينا معا أنا وأنت إلى السّماء. علوت بي فعلوت حتّى لم تعد لتشدّني للأرض أمراس. لمست ظهري فوجدت أجنحتي تطول. أسريت بي وعلوت فوق علوت بي فرأيت خلفي الضّوء يصعد ثمّ يصعد نحونا. أنّى نظرت وجدت ضوءا تونسيّا ياحصاني خلفنا. أنّى نظرت تراه في بردى وفي السّودان وفي الجزائر والكويت وفي عمّان وفي ليبيا وفي دول الخليج.. أنّى نظرت وجدت ضوءا تونسيّا في المدى ولمست ينبوع الخلود”
اختتم قصيدته اختتام الفاتحين لتونس والمنتصرين لشعبها؛ فهو سافر بالفعل إلى السماء الإلهية، وبدأ ينظر عليهم من عليائه فى خضم الثورة الملتهبة بسببه ،وبسبب الظلم الذى جار على الجميع من الشرق إلى الغرب، لم يقف إلى هذا الحد بل أنه ذكر كل الدول التى جاروا حكامها مثلما جار حكام تونس الخضراء.من السودان إلى الجزائر إلى الكويت إلى عمان إلى ليبيا ثم جعل الباقى مندس فى كلمة دول الخليج. وركب البراق وأسرى به، وبالطبع التأثر بالقرآن الكريم ظاهرة لافتة فى الديوان من البداية إلى النهاية.
لقد أفرد الشاعر جزءا كبيرا من ديوانه للثورة ولأصحاب الثورة من الشباب والشهداء الذين دفعوا حياتهم ثمنا لإحياء الباقى من الشعب على أرضه، إلى أنه ما زال يستكمل فى قصائده عن مفجر الثورة ومشعل فتيلها (محمد البوعزيزى)؛ فما زال يخاطبه ويتحدث معه فى قصيدته المعنونة(الخطاب الأخير لمحمد البوعزيزى)
“لا لم تمت. ستظلّ حيّا هاهنا، في الأرض، نجما ساكنا في أمنيات الطيّبين. ومن رمادك سوف يولد ألف ضوء. يا محمّد.لم تستعر فرسا لتعبر نحو عالمك الجديد. ولم تطر. لم تنزل النّيران من عليائها بردا لتحضن روح إبراهيم فيك” يماثل بين قصة سيدنا إبراهيم – عليه السلام- وقصة محمد البوعزيزى فى الحرق، ويوضح أنه ليس نبى أو رسول ليحدث له ما حدث مع سيدنا إبراهيم؛ وإنما كان موقفه مختلفا والتهمته النيران كما لم تلتهم من قبل.
ويستكمل الشاعر فى وصف الشهيد البطل (محمد البوعزيزى) فى قوله:-“قتلوك قبل الموت حرقا حين رصّفت الخضار وجلت في الحارات تبحث عن حقوقك في بلادك. أنت إنسان كغيرك. قلت لي أو قلت للإنسان فيك. ولم تنم. أيقظت أمّك في الصّباح. وعدتها بقصيدة تكفي لإخفاء الحقيقة كلّها. ومررت بالأخوات. وعدتهنّ بأن تعود وقد تغيّرت الحقيقة أو تغيّرت القصيدة. لك في بلادك أن تعيش كما تريد. لكنّهم لم يتركوك. غلّقوا الأبواب. سدّوا دون برقك غابة الرّؤيا. فمتّ كأنّ شيئا لم يكن. ما متّ لكن قلت لا للموت حيّا يا محمّد.ما قلت لا. وأطعتهم في كلّ شىء هاهنا. نلت الشّهادة كي تكون بخير حال. لم تجد عملا. فقلت بكلّ جرح فيك صبرا آل ياسر”
تتشابه القضايا بين جميع دول الوطن العربى؛ فالشاعر يربط بين الشهيد محمد البوعزيزى وشهداء فلسطين؛ فهى الأخرى بها شهداء لا تعد ولا تحصى، وظلم قابع بين الجدران، ومستوطن باطش بأيدى القهر والجبروت، منهم الطفل الشهيد محمد الدرة، وإن أوردته مثالا لتشابه الأسماء ليس أكثر، وفى نهاية القصيدة يقول مقولة الفلسطنيين الشهيرة بل أضحت مقولة العالم أجمع صبرا آل ياسر.(الرئيس الفلسطينى ياسر عرفات) وآل هى أهل ويقصد بها فلسطين.
ويستكمل قوله فى أنه لم يمت بل استشهد فى سبيل الحق والعزة والكرامة، وتمرد على الإهانة والذل والصفعة المدوية على وجه ثائر حر فى قوله:-“ما متّ لكن قلت لا للموت حيّا. قلت لا للظّلم. لا للخوف. لا للاحتقار وقد تفاوتت القوى. النّار خير من برود اللاّمبالاة الرّديء ومن “وجوه اللّوح” ومن صدأ الإدارات ومن “ارجع غدا”. النّار خير من وقوفك كلّ يوم باحثا عن لقمة تقتاتها أو عن دنانير لكي تحيا كغيرك تحت ضوء الشّمس حرّا”
ويؤكد أنه بالفعل أن الموت خيرا له من حياة الذل والقهر والفقر المدقع ؛ فقد مات بعد ما كان رافضا للموت فى هذه الدنيا، ولكنه لم يقطع صلته ببلاده الجميلة التى تأخذ بثأره ممن قتلوه وظلموه وحرقوه ظلما فى قوله:-“قطّعت أسبابي مع الدّنيا ولكن أنت لا. أنت الجميلة يا بلادي. أنت في قلب الزّمان وفي دمي. أنت التّي يهتزّ تحت ترابها جسدي. وترفل في المدى عنقائي. لم أستطع صبرا فمتّ. فلا تصمّي الأذن عن غيري من الأحياء” مات البوعزيزى شهيد الكرامة والعزة والحرية؛ ولكنه يطالب وطنه بأنه لا يصم السمع عن الأحياء، ويسمعهم ويعطى لهم حقوقهم ويصون كرامتهم. ويعاملهم معاملة آدمية.
وينتقل الشاعر فى قصيدة أخرى بعنوان (الجدارية ) ويبدأها بمقوله لعبد الرحيم محمود :-“سأحمل روحى على راحتى. وألقي بها فى مهاوى الرّدى. عبد الرّحيم محمود”
عبدالرحيم محمود هو شاعر فلسطيني ثورى، ولد في بلدة عنبتا التابعة لقضاء طولكرم عام 1913م. واستشهد عام 1948م، لقب بالشهيد قبل أن ينال الشهادة، وذلك بسبب قصيدته (الشهيد)؛ لذلك اختار له الشاعر مقطعا شعريا معبرا عما يجول فى ذهن الشاعر، من تضحية وشهادة فى سبيل الوطن، وأنه سوف يحمل روحه على كفه لتقديمها سهلة سخية فى سبيل وطنه، والشاعر التونسى لا يقل عن الشاعر الفلسطينى سيقتدى به ويفعل مثله.
ويستكمل شعره برومانسية طاغية غير معهودة من الشاعر فى قوله:-
“يشتدّ بي الوجد
يا حسن ما أجد
والنّاس من شوق
في داخلي سجدوا”
ويستكمل وصفه للظلم فى قوله :- “هو لحظة ضوئية في أبدية سوداء في بلاد كل ما فيها معمّى أو مباع أو رهينة” يبدع الشاعر فى وصف الظلم الذى حاق ببلاده وبشعبه، ولا يخاف فى الحق لومة لائم، بل أنه يقول بأعلى الصوت ولديه سلاحا قويا ثائرا وهو القلم.
ينتقل إلى قصيدة جديدة بعنوان (لى سماء فى السماء) ويتبعه عنوان فرعى وهو عبارة عن رسالة موجهة إلى الشاعر الإيطالى جيوزيبي نابوليتانو، وبدأ القصيدة بمقدمة للشاعر الكبير جبران خليل جبران، وبعد ذلك استكمل فى قوله، رؤيته الفنية التى انصبت حول العمل كما وضح فى قوله:-“أبدو فوق الجلّيز المبلول كطين لم يخلق بعد ولمّا تتخلّق فيه الرّوح. أتنفّس أو أستقطر عشب حياة في الأوهام. أستذكر أنكيدو المقتول وجلجامش. أستذكر أمّي وهي تعدّ كسيرات للأطفال وتحمي الفرن. أستذكر طير اليامون بوادي زرود. أستذكر بيت الأهل المسقوف بكتّان الطلّ ونعناع الغيرة”
وتتضح ظاهرة التأثر والتأثير بكثرة فى قوله الشاعر وفى ذكره لملحمة جلجامش وقد تناولتها بالتحليل سابقا، بل أنه يذكرهم صراحة فى شعره ويوجه لهم بعض القصائد والرسائل؛ وكأنه يقول له أنا أحتذى بك.
وعبر الشاعر عن ذلك فى قوله:-“اكتب تمت. اكتب تعش. سيّان موتك أو حياتك يا صديقي. نحن في عدم نعيش. والحرف منعدم الصّدى. تبّا لهذا العالم المسكون بالنسيان”
الموت والحياة سيان؛ فأرجو أن يكون كل شىء عند الإنسان سيان مثلهما،فقد أصبح الحرف منعدم القيمة والهدف، ويعتب على هذا العالم الذى ينسى شعوبه، ويحطم مستقبلهم.
وينتقل إلى قصيدة جديدة معنونة بـ(قبر من رماد) فى قوله:-“وعاد الحبّ ملمس دودة وأنين إعصار.بدر شاكر السيّاب” فهو يستشهد بمقولة للشاعر العراقى “بدر شاكر السياب’ ولد في محافظة البصرة في جنوب العراق (25 ديسمبر 1926 – 24 ديسمبر 1964)، شاعر عراقي يعد واحداً من الشعراء المشهورين في الوطن العربي في القرن العشرين، كما يعتبر أحد مؤسسي الشعر الحر في الأدب العربي.”
وختم الشاعر قصيدته بهذا المقطع الذى يذكر فيه عنوان القصيدة ويدلل على المستحيل فى شكل عنقاء فى قوله:-“قبر من رماد لم يعدّ لتولد العنقاء فيه. والنّوافذ لا تطلّ على سماء أو هواء أو حمام راحل نحو المدى. والقصيدة لا تجيء”انتظرني في قطار الرّابعة.”إن لم يجيء، فانتظرني في قطار السّادسة”. “سأجنّ من هذا الرّحيل”. قالت بصوت متعب. “هبني جوابا لا سؤال له”. “هبني مكانا في الخيال” كيف يكون من رماد؟هل يتغذى على الأجساد المحترقة؟! أم هو قبر من وهم وفراغ مبنى على الانهيار والزوال، وعلى تأثر الشاعر بالنار؛ وذلك تأثرا بقصة البوعزيزى عندما حرق نفسه.
وينتقل إلى قصيدة أخرى بعنوان (بردى) ويستهلها بمقولة للكاتب ت. س. إليوت فى قوه:-“في نهايتي بدايتي. ت. س. إليوت” دائما ما تترد هذه المقولة أن النهايات تولد البدايات؛ وهى نذير للاقلاع عن الأخطاء الماضية لابتداء حياة جديدة بعد صدمة وقنوط من مشكلة راهنة، وعودة متجددة للأمل فى الحياة مرة أخرى.
ويقسم الشاعر القصيدة إلى نصين بعنوان بردى النص الأول، وبردى النص الثانى وما يحويه هذا النص من مضمون مفيد وهادف يقصده الشاعر.
“أخيرا لمست الحياة.
وأدركت ماهي.. أيّ فراغ ثقيل.
أخيرا تبيّنت سرّ الفقاقيع. واخيبتاه.
وأدركت أنّي أضعت زمانا طويل.
ألمّ الظلال وأخبط في عتمة المستحيل.نازك الملائكة”
“حتّى يعيش المرء بشرف عليه أن يتمزّق بقوّة، أن يتضارب، أن يخطئ، وأن يبدأ ويترك. ومن ثمّ يبدأ، ومن جديد يترك. وعليه أن يناضل دائما ويخسر. فالراحة دناءة روحيّة.تولستوي” وأعقبها بمقولة للكاتب الشهير تولستوى؛ لكى يعيش بقوة وشرف؛ عليه أن يناضل بقوة، ويحاول باستمرار؛ لكى لا يخسر.
“لم يسأل أحد عنها السيّاب. لو سألوا لارتدّ صدى منها يكفي ليعمّر أرضا ماتت. لم يسأل أحد عنها مايكوفسكي. لو سألوا لامتدّ صدى منها يكفي ليسوّي أرضا مالت عن قرن الثّور وأغرقها الخوف. لم يسأل أحد عنها المتنبّي ولا شوقي ولا درويش. لو سألوا لترقرق منها الضّوء وأغرق ليل الخوف.”
يثرى قصيدته بذكر متنوع من الشعراء الكبار الذين سبقوه من قبل ولهم أثرا كبيرا فى مجال الشعر مثل الشاعر المصرى أحمد شوقى والشاعر الفلسطينى محمود درويش والشاعر العراقى بدر شاكر السياب.
وأيضا يبدأ قصيدة جديدة كعادته بعنوان (الوشم) بقوله:-“أترون هذا كلّه؟ الحقّ أقول لكم: “لن يُترك هنا حجر على حجر. بل يهدم كلّه. ومن يثبت إلى النّهاية يخلص”. الإنجيل”
الوشم هو علامة تدق فى الجسد وتغزر فيه، ولم تخرج منه؛ فيقصد الشاعر أنها علامة بارزة وقوية؛ فلم يترك ثغرة وإلا وتطرق إليها، ولا علم ولا ديانة لم ينهل منه ولم يتحيز لأحد على حساب أحد، حتى أنه تطرق إلى الكتاب المقدس للديانة المسيحية (الإنجيل) والذى يخشى البعض الاقتراب منه أوالاقتباس من مزاميره؛ ظنا منهم أنه بعيد كل البعد عن هذه الاقتباسات أو لاختلاف دياناتهم فى بعض الأوقات.
“ألف جبّ غير هذا الجبّ ضمّتني. وآلاف الذّئاب رميت كذبا بقتلي.وقمصاني نجت من ألف حرب قبل هذي الحرب. التّربة العمياء تشهد. إخوتي لم يقتلوني. لم يبيعوا نصف أرضي للغريب ونصف عمري للغريب. بل أجّروها دونما ثمن. وزادوا عرضهم. لم يقتلوني. علّقوا إسمي على الحيطان ليكون إسم ما ملاكا ربّما أو ليقال كان فلان غصنا في شجيرة أصلنا. قمصان سامي كلّها حمراء. لا، لم يقتلوني. قالوا قتلت. وما قتلت. وما تهادتني الذّئاب. التّربة العمياء تشهد. إخوتي لم يقتلونى”
يبدأ الشاعر باقتباسه من الإنجيل ويستكمل بتأثره بالقرآن الكريم، وهو يقصد قصة سيدنا يوسف -عليه السلام- وعلاقته بأخوته وما حاكوه له من قصة الجب والذئب والتخلص منه. وبعد ذلك عودته إليهم مرة أخرى فى نهاية المطاف؛ فهو حى لم يمت ما زال على قيد الحياة، وقد ذكرت القصة فى بداية الدراسة.
يستكمل الشاعر فى قوله:-“صرخت في رعب: “لماذا؟ لماذا لم أمت في الجبّ وحدي يا ترى؟ لماذا لم تصب لحمي الذّئاب؟ لماذا إخوتي لم يقتلوني كي يناموا في تراثي؟ لماذا الموت لا يرمي بجحيمه الموعود قلبي كي أرى؟”.”
ينتقل الشاعر إلى قصيدة جديدة بعنوان ( قبضة عشب من أجل ياسمين)،وتدور هذه القصيدة حول حوار بين الشاعر وفتاة تدعى ياسمين؛ فهى فتاة تونسية رقيقة، ويوضح ذلك فى قوله:-
– “أريد أن تدلّني على محطّة القطار.
– محطّة القطار؟
– نعم محطّة القطار.
أسير باتّجاهها إن كنت ترغبين وسرت دون أن أنتظر الجواب. كمنجتي تهدهد الغيوم وحدها، وتغزل السّحاب. وأحرفي تمدّ كلّ ريشها لتستطيع فجأة القفز من حوائط السّراب. وياسمين ترتق الشّوارع بكعبها الدّقيق. تلمّ حولها النّجوم والطّيور والبريق. وتحضن الأيّام. والنّاس يسرعون يسرعون يسرعون”
ويستكمل الحوار فى قوله:-
– “ما الاسم؟
– ياسمين.
ولم أفق من صوتها في صمت هذا الشّارع المبتلّ”
يتعرف على اسمها (ياسمين)، ويختم القصيدة فى قوله:”سأسافر بعد قليل”. قالت: لكن، جسدي يتجمّد تدريجيّا. يصبح حجرا. وشعري يتمدّد كالأشواك ويثقب عنقي. ووجهي يتمهّد كي ينمو فيه الخوف. اخرجني من هذا القبر. مرّر لي قبضة عشب كي أخلد أو لوحا كي أطفو فوق مياه الغمر”.-“أجمل ما تفعله امرأة في هذا الشّارع أن تتوقّف كي يسرق منها النّاس النّار. هيّا نذهب يا سيّدتي. فقطارك سوف يمرّ الآن”. قلت لها: “لن نتبادل أرقام الهاتف”. “قد نتقابل بالصّدفة يوما ما. ما أبهى ما تأتيه الصّدفة في بعض الأحيان”… الآن لا رفيق لي في شارع الحبيب. الطّير صار قطعة من الجليد، لا يهزّها الضّجيج. والعشّ صار بيت ميّتين. والنّاس كلّ النّاس يسرعون يسرعون يسرعون” يرمز الشاعر إلى الفتاة الجميلة (ياسمين) بالوطن ويتمنى أن يساعدها، واقتدى بقبضة العشب المخلدة مدى الحياة تأثرا بملحمة جلجامش والتى ذكرها الشاعر فى قصيدة سابقة له.
وينتقل إلى قصيدة أخرى بعنوان(قبضة نجوم من أجل مريم) وانتقل الشاعر قائلا:-“أمّا أنا فأريد مريم. يا نادلي، اسكب بكأسي ميمها أو راءها أو ياءها. اسكب على لحمي المفتّت بالهشاشة صوتها. لو أنّها كزجاجتي هذي إذن لعببت منها لكنّها في الخلف خلف لامرئيّها المزروع بالنّسيان تبحث عن يدين تلامسان سماءها. لو أنّها حضرت إذن لمدّدت الدّقائق يا صديقي فوق طاولة الشّراب لكي تطول، تصير يوما كاملا. ما ضرّ لو صار الزّمان سفينة من دون ربّان لساعات فقط؟” فهو يثنى على شخصية مريم التى يتمنى أن تأتى، ويتمنى أن يطول الزمن فى حضورها وتستمر الدقائق وتصير يوما كاملا.
انتقل الشاعر إلى مرثية أبى ذؤيب الهذلى فى قصيدته بعنوان (فى ظل مرثية أبى ذؤيب الهذلى) فى قوله:-“قالت: “نعم، لي في الجوار مراجع. سأمرّ يوم الأربعاء. أحبّ أن ألقاك”. وسألت في سرّي لماذا الأربعاء؟ من أجل إيقاع القصيدة ربّما؟ من أجل ثلج لا يزال معلّقا في روح هذا العالم المدفون في الظّلماء؟ أم من أجل محو لا يزال معلّقا في مرثيات الموت يدفعه الهواء؟” والشاعر الكبير مخضرم عاش في الجاهلية وأدرك الإسلام، شاعر فحل، قال الشعرَ فأجاد وأحسن، أسلم وحَسُنَ إسلامُه، وشارك فى الجهاد.
وينتقل إلى قصيدة جديدة بعنوان (انتخبهم مرة أخرى)، ويبدأها بقوله:-
“انتخبهم مرّة أخرى
لأنّ اللّه في عليائه،
أسرى بهم
وبنى لهم جنّاته
وأمدّهم، من دوننا، بالحكمة العمياء:
أن يرثوا تراث جدودنا
ويستبيحوا، هم وحاميهم، جميع حدودنا.
فهم الملاّك
ونحن العملة.
وهم السّادات
ونحن السّفلة.
ومنّا الشّهداء
ومنهم القتلة”
يعاند الشعب نفسه بأنه يريد انتخاب الاستبداد والظلم والجبروت والطغيان مرة أخرى، ويتهكم عليهم بأنهم هم من اخترعوا كل ضروريات الحياة، رغم أنهم هم القتلة والشعب الشهيد تحت وطأة ظلمهم وطغيانهم.
وينهى القصيدة بقوله:-“فهم الملاّك
ونحن العملة
وهم الأشراف
ونحن السّفلة
ومنّا نحن يأتي الشهداء
ومنهم هم يجيء القتلة.”
يستهين الشاعر بقدرات الشعب؛ فهو يلصق الاتهامات بالشعب، وهذا من باب التهكم والسخرية بالحكام الذين ضلعوا فى القتل والتخريب والتدمير، ويعودون مرة أخرى بكل جرأة يرشحون أنفسهم فى الانتخابات الجديدة، وكأن لم تقم ثورة ، ولم تجن ثمارها إلى الآن.
وينتقل الشاعر إلى قصيدة جديدة بعنوان ( الصرخة)، والتى يبدأها بتصدير للشاعر الكبير محمود درويش قائلا:-“تصدير:
إنّا حملنا الحزن أعواما
وما طلع الصّباح
والحزن نار
تخمد الأيّام شهوتنا
وتوقظها الرّياح
والرّيح عندك كيف تلجمها
ومالك من سلاح
إلاّ لقاء الرّيح والنّيران
في وطن مباح محمود درويش.”
الشاعر محمود درويش هو شاعر فلسطينى كبير له دواوين كثيرة ولد عام 1941 في قرية البروة وهى قرية فلسطينية تقع فى الجليل قرب ساحل عكا، حيث كانت أسرته تملك أرضا هناك، خرجت الأسرة برفقة اللاجئين الفلسطينيين في العام 1947 إلى لبنان، ثم عادت متسللة العام 949، ويستكمل قصيدته كالمدافع القوى والجندى الثائر على الخائنين الذين ضيعوا أرواح الشباب الطاهرة فى قوله:-“أمّا الأموات،
فقد ماتوا عبثا.
شهداء هم، لكن
من أجل بلاد تشرى وتباع.
للبنك الدّوليّ،
وللشّركات الكبرى،
أن يرثوا هذي الأرض.
أمّا نحن،
فثورتنا كالصّرخة
حبلى بالأضواء ولكن مكتومة.
.. وطن هذا أم ماذا؟
وطن أم صفقات ملغومة؟”
ما أروع هذا التشبيه! حيث وصف شهداء الثورة بأنهم شهداء من أجل بلاد تباع وتشترى للأعداء مثلما يحدث فى كل بقاع الدنيا؛ فهى تباع للبنك الدولى والشركات الكبرى فيما يسمى بخصخصة الأراضى ومن ثم خصخصة الدولة كلها؛ فهم ورثوها وأخذوها لأنفسهم وأهاليهم فقط، أما الشباب فما زال داخلهم بركان سوف ينفجر قريبا، ويختم قوله هل هذا وطن ثابت لنا أم صفقة مليئة بالألغام سوف تنفجر فى وجه من يقترب منها؟!.
ويعود مستكملا قهره على ضياع ثورة الشباب واستلاب حقوقهم فى قوله:-
“ماذا يبقى من نار الثّورة
إلاّ همّ القلب؟
ماذا يبقى؟
قلّي أنت.
يبقى الفقر
ويبقى الخوف
ويبقى الموت.
ماذا يبقى؟
قلّي أنت.
يبقى التّمييز
ويبقى الإقصاء”
ما أجملها من صرخة ثائر! حر مدافع عن كرامة وطنه ومقهور لظلمها من الخائنين الكاذبين الظالمين، ويطرح السؤال الواضح للجميع فى كل البلاد التى قام شعبها بثورة، ما الذى تبقى من الثورة؟ تبقى الخوف والفقر والتمييز بين فئات الشعب وطوائفه، والإقصاء للفقراء، والموت للأبرياء الذين ضحوا بأرواحهم من أجل عدالة اجتماعية؛ ولكنها لم تتحقق ماتوا فقط دون تحقيق النتائج. ويؤكد أن الذى تبقى لهم من جراء هذه الثورة المكلومة الحرمان من حقوقهم:-“ويبقى الحرمان
ونبقى نحن كأسنان المشط
ولكن في الظّلم
وفي الآلام
وفي إعلاء الصّوت.
ماذا يبقى؟
حتّى لحم النّاس احترق
أكلونا لحما
ورمونا عظما لكلاب الدمّ النّزقة”
يؤكد الشاعر عى مساواة أبناء الشعب، ولكن هذه المساواة تتمثل فى الظلم والآلام والإهانة والسخرية، وأكل الحقوق حتى حرقهم أحياء مثلما حدث للبوعزيزى، وليست مساواة فى العدل والإنصاف من الجور الواقع عليهم من قبل حكوماتهم المستبدة.
وينتقل إلى قصيدة جديدة بعنوان (باب الشمس) وبدأها بقوله:-“نتكلّم مثل غريبين اعتادا الوحدة والصّمت
نكثر من ألفاظ الخوف
نتذكّر حبّا مات ونصّا مسروقا من أقدم كرّاسات الدّرج”
يتضح من عنوان القصيدة الصورة الجمالية من باب الشمس وكأنه شبه الشمس بمنزل له باب متحكمة فيه تمنح من تريد نورها وتحجبه عما تريد، ويصف الشاعر أحداث حياته، ويتساءل ماذا يجنى من إبداعه؟ غير الهرم والموت وحيدا كمدا فى قلب الكلمات الحائرة التى لا تهدأ فى ذهنه، وسمى هو الاسم الثانى للشاعر وكأنه يخاطب جذوره؛ فهو متأصل فى الإبداع وحانت اللحظة التى يخاف فيها من الكبر والموت وحيدا فى سبيل الكلمات، بل أنه يشبه نفسه بأنكيدو العصر، وقد سبق الحديث عن أنكيدوا فى ملحمة جلجامش وهو الإنسان البرىء الذى دنسته أطماع البشرية.ويؤكد ذلك فى قوله:-“آه يا سامي، يا أنكيدو العصر،
فيم حياتك تمضي؟
في عبث لا طائل منه تسمّيه الإبداع؟
هاهاها اضحك اضحك، إبداع مرّ،
في وطن منذور للشرّ وللآلام،
اضحك، سيمرّ الوقت وتهرم”
ويأتى الختام فى ديوان (سفر البوعزيزى) بقصيدة معنونة بـ( شرفة فى القاع) ويبدأها بتصدير للشاعر بدر شاكر السياب :-” تصدير: لا أحسّ في قلبي ولا في مقلتيّ هوى قديم بدر شاكر السيّاب.”
والسياب شاعر عراقى اقتبس منه من قبل فى إحدى القصائد السابقة من الديوان ويختم الديوان بقصيدة تشع بالرومانسية المؤطرة لقلب يهوى كل ذرة فى محبوبته ويعشق الهواء التى تتنفسه؛ فيبدأ بتطريز قصيدة تتواكب مع هذا العشق المخلد لهما.
نبدأ بالتعجب من عنوان القصيدة (شرفة فى القاع) أى شرفة هذه التى تكون فى القاع! أى شرفة التى ينظر من قاعها! تعد من الصور التناقضية بين شرفة فى الأعلى وقاع فى الأسفل، دائما ما تكون الشرفة فى الأعلى، ويصور الشاعر حاله الذى آل إليه من فقدانه للمحبوبة الذى يعشق سنوات قربها، ويتغزل فى نهر بويب الموجود فى العراق وإن كان يقصد به نهر الشعر وتدفق الكلمات وفيضانها عليه، حيث يقول الشاعر :-“لا بويب ها هنا يجري
ولا عينا جميلة.
وشبّاكي على جبلين من كبريت،
وذاكرتي،
لم تغادر بعد منبعها الضّئيل.
وأكتب،
لا لأفرح بالصّباح،
ولا بغابته الضّليلة.
وأكتب،
لا لأفتح للرّياح بأحرفي وطنا بديلا”
ويعود الشاعر لينهى قصيدته الختامية لديوانه فى قوله:-
“من شرفتي في القاع، ألمحها
أربّي فوق سرّتها السّحاب
وأفرح بالزّهيرات التّي تنمو على أطرافها
.. من شرفتي في القاع،
أشطب كلّ سوء مسّ صورتها
وأمحو كلّ ليل شاب عنصرها
أصفّيها
أرى فيها بويب، أراه فيها.
ويملؤني الصّفاء لأوّل مرّة في العمر
وأنساها
وأنسى كلّ شيء.
صلالة
سلطنة عمان
10 أفريل 2014”
ينهى الشاعر قصيدته بختام موثق بتاريخ 10من أبريل 2014م، وكأنه يقول هنا أنا أقف على حافة شعرى المؤطر بجميع قضايا الوطن العربى وليس وطنى (تونس الخضراء) فقط وكلماتى التى تجرى فى دمى، وهى غذاء عقلى، وأحرفى التى تنمى تلابيب أفكارى، والتى أعيش عليها واستمد قوتى منها، وقلمى الذى هو سلاحى القاتل بالكلمات الحادة أكثر من السيف والمخترق للعقل أكثر من الرصاص.
لقد نصت هذه الدراسة النقدية على أهم القضايا المهمة التى تناولها الشاعر فى قلب ديوانه، والتى لها كل الصلة بقضايا سياسية واقتصادية واجتماعية وحتى رومانسية لم يترك الشاعر قضية دون الحديث عنها، ولم يترك قضية واحدة لم يذكرها بسلاحه النارى بدءا من تونس إلى الجزائر إلى فلسطين إلى سائر هموم الوطن العربى.
ولقد كان لعنوان الديوان النصيب الأوفر من أيقونة الثورة (محمد البوعزيزى) ومفجرها، وانتهاءا بوداع زائف لخيال جامح فى قصيدته شرفة على القاع، وكيف يكون للقاع شرفة؟ وكيف يأتى منها الوداع؟ وكأن الشاعر يثبت للعالم أننا خدعنا أنفسنا بكلمات فى الهواء ثورة- عدل – حق- حرية إلا أن ما حدث العكس من ذلك تماما.
النتائج التى توصلت إليها من خلال دراستى النقدية للديوان:-
1- أثرى البيان النثرى المقدم فى بداية الديوان،حاسة القارىء،وصور الخلفية الثقافية للشاعر، والمحتوى الشعرى المتنوع فى الديوان من قصائد تعززه وتمده بقوة البيان، والصور الروحانية، والأساليب الإبداعية، والتراكيب اللغوية المتنوعة.
2- ثراء القصائد بالصور التعبيرية والتشبيهية، وتنوعها بين القصائد الشعرية والنثرية.
3- أمانة الشاعر العلمية فى الاقتباس من النصوص والدواوين الشعرية لشعراء سابقين بدر شاكر السياب- أحمد شوقى- محمود درويش- محمود عبد الرحيم المتنبى -بشار- وغيرهم من الشعراء الذين أثروا الساحة الأدبية قديما، وما زال اسمهم يلمع فى سماء الشعر.
4- التنوع الثقافى الذى تعمده الشاعر، وأتخذه أسلوبا فى إثراء ديوانه بملاحم تراثية ما زال يذكرها التاريخ من ملحمة جلجامش – أنكيدو- الألياذة –الأويسة –وغيرها من استشهادات تاريخية سجلها التاريخ واعتز بها.
5- التركيز على قضايا الثورة وأسبابها، والنتيجة المظلمة التى حاقت بالشهداء الأبرياء، وتمتع الحكام الطغاة بخيرات وثورات البلاد دون غيرهم، من الشعب المعدم .
6- تحديد الزمن لبعض القصائد، للإعلان عن كونها وليدة هذا الحدث الكبير، وملتصقة به, ومعبرة عنه،وتأريخ لهذه الفترة المهمة فى حياة الشعب التونسى.
7- التنوع فى الاقتباس من التراث ومن الأديان ( الإسلام والمسيحية)،مما أثرى تفصيل القصائد وجعل الشاعر فى وجهة ثقافية مميزة، وغير متحيز لفئة على حساب الأخرى.
8- أكثر الشاعر من قضايا الفكر والمعرفة والثقافة، وقلل من الرومانسية حتى وإن كانت موجودة؛ فهى توحى بقدر ضئيل على رومانسية مقننة، وكأنه لا يريد البوح بها، ويريد الاحتفاظ بها بعيدا عن أعين المتلقين من القراء.
9- الإكثار من ظاهرة التأثر والتأثير بشعراء من الشرق والغرب،وهذا يدخل الشاعر فى طور المقارنة الثقافية فيما يسمى بـ(الأدب المقارن).
10- وجود التناص بقوة فى محتوى القصائد الشعرية والنثرية.
11- يؤخذ على الشاعر طول بعض القصائد،لاسيما النثرية منها، والتى تؤدى إلى الملل وعدم التركيز لبعض القراء الذين لم يعتادوا مثل هذا الطول وخاصة أن القصيدة ليست سهلة المحتوى، بل أنها تتناول قضية من الطراز الثقيل؛ مما يؤدى إلى البعد عنها أو عدم التطرق إليها، وترك الديوان كاملا.
12- تكرار بعض الموضوعات وتشابهها فى بعض الأحيان.
المصــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــادر
1- القرآن الكريم.
2- مخطوط ديوان سفر البوعزيزى – الشاعر نصر سامى -2015م.

لا تعليقات

اترك رد