تاريخ اللذة والألم

 

قد نحاول أن نقتنص من الحياة أفضل لحظات المتعة؛ لنحقق السعادة الغامرة التي نتمنى بلوغها؛ لتنعش ذكراها خاطرنا مهما طال بنا العمر. ولا عجب عندما نعلم أن تلك اللحظات قابلة لأن نورثها للأجيال القادمة. فالسعادة هي مبتغى الإنسان أينما كان، وحيثما حل. لكننا نجنح للاعتقاد بأن الإنسان يحاول قدر الإمكان تلافي مسببات الشعور بالألم، ولو حتى لوهلة، لأن الحياة مملوءة بالمآسي. لنجد – في نهاية المطاف – أن الألم هو الشعور الذي يطارده البشر؛ لتحقيق أعلى درجات السعادة.
فهل سألت نفسك يوماً لماذا يغالي البعض في أداء التمرينات الرياضية في ساحة الرياضة (الجيم)، ولماذا كلما اشتد شعوره بالألم صار أكثر سعادة؟ وإذا كنت ليس من مرتادي الساحات الرياضية، لا تعجب؛ لأنك نفسك ليس بمنأى عن التلذذ بالألم. فهناك من يغالون في أكل كميات كبيرة من الأكل ولا يشعرون بالسعادة إلا بوصول حد التخمة. وعلى النقيض، هناك من يستمتع بتجويع نفسه لدرجة أنه قد يزدرد القطن الطبي ليدرء جوعه، أو قد يغشى عليه من شدة الجوع، ولا يصل للسعادة إلا برؤية عظامه بارزة. وهناك من يزدرد الطعام الحريف جداً، وكلما شعر الفرد بنيران الطعام الحريف تشعل صدره وتحفز الدموع لتندفع بغزارة من عيونه يشعر بالسعادة. ولا يجب ألا نغفل السيدات والرجال الذين يلبسون السراويل الجينز الضيقة جداً، مهما بلغ حجمهم من ضخامة، وكلما كان السروال ضيقاً خانقاً، كلما شعروا بالفخر. وعلى شاكلة هؤلاء من يدمنون تناول العقاقير المخدرة، ومن يقفزون من أماكن شاهقة، ومن يدأبون على الذهاب للملاهي لارتياد الألعاب الصعبة التي قد تؤذي من المصابين بالرهبة وأمراض القلب، وكذلك من يدمنون ألعاب الفيديو.
وتفسير ما يحدث بالضبط أن عند ازدياد معدلات الألم في جسم الإنسان، يستقبل الدماغ إشارات عصبية شديد القوة ومتلاحقة لتخبره بوجود ألم شديد. فما من الدماغ إلا وأن يستجيب بشكل فوري، ويبدأ في فرز مواد مخدرة طبيعية، ألا وهي مادة الأندورفين Endorphins لحجب الألم. إلا أن تأثير الإندورفين يتخطى تلك المهمة، حيث أنه يحفز مراكز عصبية أخرى، ألا وهي نفس المناطق التي يتم تحفيزها في حالات الحب، والعاطفة، والاستمتاع بالموسيقى والفنون، فيصل المرء حينها إلى حالة من النشوة الحالمة. فالمرحلة التي تلي الشعور بالألم الشديد تشابه ما يحدث عند تعاطي جرعة من المورفين أو الهروين والتي أيضاً تحفز مستقبلات الأفيون في الدماغ. وفي الوقت ذاته، ترتفع مسكنات الألم الأخرى في جسم الإنسان، فتفرز مادة الأناندميد Anandamide المعروف باسم “كيمياء النعيم” الذي لطالما تحاول مافيا صناعة المخدرات أن تحاكي تأثيره عندما تشرع في تصنيع أصناف مخدرة. ويعمل اتحاد الإندورفين مع الأنانداميد على توليد شعور بالنشوة يصاحبه تسارع في ضربات القلب، بطريقة تصير محببة لدى من يشعر بالألم. ولذلك لا يجب أن نتعجب عندما نرى بضع ممن يعانون من أزمات نفسية يعمدون إلى إيذاء أنفسهم، وغالباً ما يأتي ذلك في شكل عمل جرح قطعياً غائراً في جسده. فلو سألت أي منهم إيذاءه لنفسهعن سبب ، لوجدته يجيب بأنه يشعر بالراحة فيما بعد. فالراحة المبتغاة هي الإحساس بالنشوة التابعة للألم بسبب فرز الدماغ مادتي الإندروفين والأنانداميد. ونستخلص من ذلك أن الشعور بالألم واللذة (أو النشوة) هما وجهان لعملة واحدة، فلا يمكن حدوث أحدهما دون الآخر.
ولطالما كان الإنسان يشكو من احساسه بالمعاناة والوحدة؛ لعدم وجود من يفهمه على وجه الأرض، أو يشعر بما يقاسيه. وأكثر ما كان يزيد شعوره بالحنق هو وجود دول هانئة تحظى بنعيم الحياة، ورغد العيش، واهتمام ذويها بها. وعلى الصعيد الآخر، توجد دول العالم النامي التي تشعر بأن دول العالم الأول لا تشعر بمعانتها وتعتبرها بؤرة للجهل وإثارة المشكلات. لكن فيما يبدو أن عام 2020 أتي ليحدث طفرة في التاريخ البشري، من خلال عمل توأمة بين دول العالم المختلفة، وكأن العالم أجمعه كان طاقم تمثيل في أحد أفلام الحركة تلك التي لا يستطيع المشاهد فيها أن يأخذ نفسه لوهلة؛ بسبب تسارع وتدافع الأحداث التي لا تسمح للمشاهد أن يرمش له جفن. لكن وبشكل مفاجئ يهبط على العالم بأكمله فيروس كورونا، وكأنه يوقف فيلم الحركة هذا في ذروة أحداثه، ويأمر المشاهدين أن يتركوا أدوارهم العنيفة ليستبدلوها بأدوارهم الطبيعية التي جبلهم الله عليها من أجل أن يستأنفوا واجبهم الفطري الذي أهملوه.
فبعد فيروس الكورونا، وجدنا أن أفراد الأسرة تحتم عليها أن تواجه بعضها البعض مرة أخرى. فلطالما كانت الزوجة تشكو من هجران زوجها للمنزل، وعندما يأتي كان لتناول أحد الوجبات أو النوم دون أن يتحدث معها بشكل فعال، وكأن المنزل قد تحول لنُزُل. وأما الأولاد، فكل منهم مع أصدقاءه، أو يغلق على نفسه سجن عالمه الافتراضي. ومن ثم، قلما يجتمع أفراد الأسرة بعضهم البعض لتناول وجبة واحدة خلال اليوم ، أو حتى مرة واحدة في الأسبوع. لكن فيما يبدو أن فيروس الكورونا قد أجبر أفراد الأسرة على مجابهة كل منهم للآخر مرة أخرى؛ فالكل قسراً خرج من سجن عالم الأنانية، وحب الذات، والعالم الافتراضي الذي كان يفضله على مجر محاولة التواصل مع أفراد أسرته. فقبل فيروس كورونا كان هناك تباعد اجتماعي حرفي بين أفراد الأسرة الواحدة، وكان المبرر المتاح لذلك أن كل فرد يحاول أن ينأى بنفسه عن المشاكل التي تتولد من جراء الاحتكاك بأفراد أسرته. وتلك المشكلة لا تقتصر على مجتمع بعينه؛ لأنها مشكلة عالمية. وبالرغم من أن المفروض في ظل تفشي فيروس الكورونا هو “التباعد الاجتماعي”، لكن ما حدث هو إحداث ثورة عالمية من التقارب الأسري. فالمشكلات التي نجمت من مجابهة أفراد الأسرة مع بعضهم البعض في بدايات الحجر الصحي قد نشأ عنها محاولة وضع منظومة جديدة للتواصل السلمي الفعال بين أفراد الأسرة، دون أن ينجم عنه مشكلات، أي أن الأنانية بدأت تتلاشى. ولتواجد جميع أفراد الأسرة داخل منزل واحد، بات لكل منهم دوراً ليس فقط في ترتيب وتنظيف المنزل، بل أيضاً في طبخ الأكل وعمل الحلويات، بما في ذلك الأزواج والأبناء الذكور. أي أن التراحم المفقود بين أفراد الأسرة في ظل عالم المادة قد بدأ في التلاشي أيضاً. فالبكاء على أطلال غياب الترابط الأسري لم يعد متواجداً على الساحة العالمية. ولقد امتد هذا التراحم ليشمل وصل الأرحام، والإحسان للجار والمحتاج؛ فلا يوجد بديل آخر لقضاء اليوم بطريقة يتوافر فيها المتعة.
وأما المفاجأة الكبرى كانت الفائدة التي طالت الطبيعة والغلاف الجوي المحيط بالأرض من جراء ما حدث. فأمنا الأرض – وما يحيط بها من غلاف جوي – تعيش حالياً في فترة نقاهة لتجديد رئة العالم من الأكسجين بسبب انخفاض انبعاثات عوادم السيارات والمصانع، فازدادت معدلات الأكسجين، وانخفض ثاني أكسيد الكربون. وبما أننا في فصل الربيع حيث تورق الأشجار مرة أخرى، فمن المتوقع أن يحدث تحسناً في حالة الغلاف الجوي.
بالفعل، يعاني العالم بأكمله من حالة ذعر؛ لأن الجائحة تفتك بالأحباء، وكذلك يعاني من حبس قسري بداخل المنازل خشية من تفشي الفيروس لدرجة تصل لذروة لا يمكن السيطرة عليها، أو بمعنى أخر لحد الألم، لكن في الوقت ذاته لسوف يخرج العالم من تلك المحنة أكثر ترابطاً وإحساساً بالمسئولية تجاه الآخر، وخاصة بعد تبدل الأدوار؛ فالدول شديدة التقدم صارت الفريسة المفضلة للفيروس، في حين أن حجم الإصابات بدول العالم الثالث أقل منها بمراحل. لقد وضع الفيروس لحركة العالم المتسارعة نقطة، وأجبره أن يسطر تاريخاً جديداً من أول السطر. فالتاريخ الإنساني العالمي بعد الفيروس لسوف يتغيير حتمياً. ولربما رجع العالم بعد السيطرة على الجائحة لسيرته القديمة. لكن، لسوف تظل أيام الحجر الصحي تاريخاً يتناقله الأجيال بكل فخر، ويحكيه الأفراد لأحفادهم بنشوة، ولربما يطلقوا على تلك الحقبة “تاريخ اللذة والألم”.

لا تعليقات

اترك رد