نبــؤة الســـرد

 

إذا كانت الرواية عمل فني من أعمال التخييل، فهل يمكن للسرد الروائي ان يتنبأُ بوقائع العالم وأحداثه المستجدة؟ سؤال يطرحه الحس النقدي لدى قراءة (عيون الظلام) ، رواية الإثارة للكاتب الأمريكي (دين كونتــز) الصادرة العام 1981. تدور الرواية حول أم تبحث في موت أبنها قبل عام مضى، وهل لايزال حيا. فالأم قد أرسلن ابنها إلى سفرة مخيمات في الجبال برفقة مدرب متدرب في التخييم هناك. الذي حدث ان الجميع قد هلك لسبب مجهول . استسلمت الأم لموت ولدها لاديء الأمر، لكن هناك أصوات وكتابات بدأت تلاحقها وعلامات تقول لها ان موت الأبن لم يكن موتاً طبيعياً، فبادر صديق الأم الجديد للبحث وراء السر الغامض خلف موت الأبن.

الرواية ، في جانب منها، تتحدث عن مختبر عسكري صيني يصنع فيروسا جديدا لاستخدامه كسلاح أثناء الحرب, والمثير للصدفة أيضا أن الكاتب اختار مدينة ووهان الصينية التي بدأ منها انتشار الفيروس , تنص الرواية على أن هناك عالم صيني اسمه ( لي تشن ) انتقل إلى الولايات المتحدة وهو يحمل قرص مرن (floopy disc ) لتخزين البيانات التي تحتوي على معلومات عن أهم سلاح بيولوجي صيني جديد يطلق عليه اسم (ووهان400) لأنه طور في مختبرهم الخاص بالحمض النووي المعاد التركيب الواقع خارج مدينة (ووهان .هنا يشير النص إلى أن المختبر يقع خارج مدينة ووهان وهي إحدى المصادفات التي تجعل أحداث وتنبؤات هذه الرواية و ما يحدث اليوم متطابقا , ولان معهد ووهان لأبحاث الفيروسات التي تجرب فيه الدراسات حول اخطر الفيروسات يقع خارج ووهان على بعد 32 كيلو مترا.

إضافة إلى ذلك أن الواقع المشابه للواقع العام الأن هو إن المختبر يقع خارج المدينة التي أطلق علية اسم ووهان 400 واصفا السلاح (بالسلاح المثالي) لأنه يصيب البشر فقط. مما دفعني للكتابة عن هذه التساؤلات المثيرة للجدل حول حقيقة فيروس كورونا وأحداث الرواية الخيالية التي حدثت قبل 40 سنة , فهل هي نبؤه أم لعبة تسويق تحمل دلالات أخرى؟

يصرح أحد شخوص رواية ( عيون الظلام) بأن الموت المفاجيء سببه فايروس قاتل يسمونه (فايروس ووهان- 400)، والأسم المتخيل ( ووهان) يحمل أسم المدينة الصينية التي تفشى بها الفايروس. تقول الشخصية الروائية:” يسمون المادة (ووهان- 400) لأنه قد تم تطويره في مختبراتهم خارج مدينة ووهان). كُتبت الرواية العام 1981 وتم أنتشار فايروس Covid-19 العام في الربع بواكير العام 2020؟ افهل هي مصادفة تلك أم ماذا؟ لم يجب الكاتب على هذا السؤال حتى اللحظة، الذي أثار دهشتي أيضا هو السبب الذي دفع الكاتب أن يختار مدينة ووهان ومسمى الفيروس, فهناك حد كبير جدا من التشابه بين سرد الكاتب للرواية وملابسات انتشار فيروس كورونا في الوقت الحالي.. فعلا أمر يتطلب البحث والتأمل.. لذلك نرى الكثير من الأشخاص قد قاموا بتحميل هذه الرواية عبر شبكة الانترنت لقراءتها بالكامل, فجميعنا ألان والعالم بأكمله يشهد حالة مرعبة للغاية بسبب هذا الوباء العالمي الذي يشل حركة العالم تقريبا.

أصبح دين كونتز حديث الإعلام بسبب روايته التي كتبها سنه 1981 والتي نصت على أن سيظهر فيروس سنة 2020 وليس له علاج وسيختفي فجأة كما جاء فجأة وسيظهر ثانية بعد عشر سنوات ثم يختفي نهائيا, وذكر أيضا أن من يصاب بهذا الفيروس سيموت , و لا يزال الباحثون لهذا اليوم يدرسون عائلة هذا الفيروس من اجل الوصول لعلاج لإيقاف هذا الوباء الكارثي.

لقد حدثت نبؤة السرد. الفيروس القاتل يهاجم دول العالم شرقاً وغرباً، والعام 2020 بات عاماً كارثياً. لا فرصة لكي يودع الناس من يحبون. ما كنا نتمنى من أمنيات ونحلم من أحلام تغدو في مهب الريح بسبب من هذا الوحش اللامرئي المرعب. يقول رئيس الوزراء الإيطالي:” لقد أستنفذنا حلول الأرض، وعلينا إنتظار حلول السماء.” فإن خرجنا سالمين معافين فتلك نعمة إلهيــة، وإن خرجنا هالكين فلا مرد لقضاء الله ، فهو العدا الإلهي.

رواية ( عيون الظلام ) تتدرج ضمن أدب الرعب , تدور أحداثها حول قصة أم صينيه تبحث عن سبب موت ابنها الغامض في مدينة ووهان وهو نفس منشأ فيروس كورونا الجديد.حصلت هذه الرواية على 4 نجوم من أصل 5 في الـ Goodreads , مما يشير إلى أن تنبؤات الكاتب منذ 40 سنة تتشابك بشكل لافت ومثير للاهتمام مع الواقع الحالي, حيث الفيروس تم أطلاقة في رواية عيون الظلام من ووهان الصين وبدا كورونا من المدينة نفسها. مما يثير الإنتباه في هذه الرواية هو أنها قرأت المستقبل وتوقعت الأحداث المروعة التي نعيشها ألان بعدما انتشر الفيروس وأصبح خارج السيطرة وبالتالي أصبح يشكل تهديد للعالم اجمع.

الروائي الأمريكي يجعلنا نعود إلى قراءة الروايات الديستوبية من جديد من خلال ما تنبأ به في روايته .أحسب ان تصديق نبؤه (كونتز) لـ فيروس كورونا هو قيامه باستخدام أدب خاص به فهو اختار حرية الفكر في سرد ما يتخيل للمستقبل، لم يقيد نفسه بالأحداث الحالية فتحرر بعيدا بشكل ملحوظ فأختار أماكن ومختبرات وأشياء هو يعلم بأن لم يوقفه أو يحاسبه احد عندما يسلط الضوء على هكذا أمور , وبالأخير عمل دين كونتز ضجة إعلامية من خلال روايته فزاد الخوف والذعر بين الناس مما أثار نظريات المؤامرة وجعلها تنتشر على نطاق واسع عبر الانترنت ..

الرواية، من منظور النقد، ليست كوناً من الخيال، بل هي بنت الواقع وعلى وجه التحديد في الإتجاه الواقعي للرواية الحديثة. إن تفشي (الكورونا) بحيث أصبح وباء عالمياً أو جانحة عالمية قد يجعل الناس يغذون مشاعر القلق والمخاوف من خلال قراءة هذا الروايات او مشاهدة الأفلام التي انتجتها السينما حوا موضوع الوباء الذي يصيب العالم. لقد أنبعثت هذه الرواية ثانية بسبب التشابه بين الحدث السردي التخييلي والحدث الواقعي الكارثي الآن . لقد أحيا فايروس (كورونا) رواية الكاتب الانكليزي دين كونتز (عيون الظلام ) بعد 40 سنة من تاريخ أصدراها مما أثارت في داخلي الدهشة والحيرة بخصوص الترابط العجيب جدا بين نبؤه الكاتب السردية ومما يحدث الآن في عالمنا الأن. للرواية دوماً جذر في الواقع والتخييل العلمي طريق الكاتب لبناء العالم المفترض حقاً. فليس بالخيال وحده يحيا الإنسان.

لا تعليقات

اترك رد