حَظُّكَ مِنَ النَّصِّ حَظُّكَ مِنْ نَفْسِكَ

 

يتمّ لأبي هريرة انفراده في مكان هو بكر من الأرض “واد ذي رمال” حيث يلتقي العالمان الأرضيّ والمفارق، مكان هو موضع تجلّى اللّه في عليائه “فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى” (طه.12)، ومعبر الأنبياء ينشرون رسالتهم فـقد ذكرت كتب السّيرة النّبويّة أنّ النّبيء (ص) مرّ بـ”كراع الغميم” وهو وادٍ، يبعد عن مكّة حوالي ستّين كيلومترا عند خروجه عام الفتح من المدينة إلى مكّة ” كراع الغميم واد ذي رمال بين الحرمين”، ” والكراع اسم جبل متّصل به” ولافت استدعاء المسعدي لاسم هذا الوادي تحديدا يستصفيه من التّراث الدّينيّ رافدا أصيلا من روافد ثقافته ليشبعه بالرّمز وقوامه ثنائيّة الوحشيّة والقدسيّة.
“كراع الغميم واد ذي رمال”. والوادي رمز الوحشة وانقطاع الطريق لا إنس ولا أُنس فيه “كان من أرض الجنّ لا تبرحه المعصرات المعميات إلّا قليلا”. ويتمّ له انفراده فيه في زمان هو “صفاء الضّحى وضياء النّار” و”قد نشرت الهاجرة جنّتُها”، وفي حال هو” نفاد الزّاد إلّا من توهّج روحه يطلب – وعيناه كالغيب-من الزّمان الأبد، ومن الفردوس فاكهتها.
مقام تنهض به صورة الوادي أوان عزلة أبي هريرة يستعيدها خبرا: “كُنْتُ بِوَادٍ رِمَالُهُ كَأَمْوَاجِ السَرَابِ يَرْكَبُهَا البَصَرُ فَتَنْسَابُ وَتَكَادُ تَشِفُّ”
وتستوقفنا في الوادي صورة الرّمال كثبانا ممتدّة متماوجة متطاولة تحت صهد الهاجرة مدى الوادي ومدى أفق الرّائي الوصّاف “يطلب في عزلته ما لا يُعْرَف”. رمال” كأمواج السّراب”، سراب ” يَجْرِي على وجهِ الأَرض كأَنه الماءُ”
وفي صورة السّراب جدل الرّمل والماء ينسربان في مرأى العين حقيقة ووهماـ وينبسطان في الرّائي أخيلة ورؤى يركبها فتنساب، ويؤلّفان معا طينا يسكنه سؤال الكينونة في لغز الوجود “يدعو الكون أن يعاد”.
رمال دَقّت ونَعُمَتْ كان رقيقُها قد جرى بين أصابعه وهو يشهد ” فردوس الأرض” فلمّا عرف بطلانه عاد إليها في وادي عزلته ” يطلب-منقطِعا عن الخلق- من الفاكهة ما لا يعرفه أحد”.
تكاد تشفّ الرّمال صفاءً ونقاءً ولكنّها لا تشفّ إلّا عن وهم طمأنينة وتكشف المعميات المعصرات إذ تذرو دُقاقَها والرّمال بعض الرّيح الذّارية:
همست ريح…ثمّ قويت فذرت…فخفقت لها…ثمّ زفرت… ثمّ اشتدّت وزفرت فهي تمور كالبحر إلى أن كشفت لي عن… ”
ريح لا تقوم رمزا على القحط والدّمار كما شاع في النّصوص الدّينيّة بل تقوم رمزا على الحقيقة ؛ حقيقة أنّه “ما طلب الوحشة طالب إلّا استيقظ له رسم دارس”، وحقيقة وهم أبي هريرة الانقطاع عن النّاس. وما كان السّراب في التّشبيه الآنف إلّا وهم الظّمآن إلى الحقيقة أنْ وجد رَيّاها ثمّ لا يجده.
السّراب في التّشبيه هو وهم أبي هريرة أراد الزّمان الأوّل يمحو التّاريخَ وقصّتَه وإذا المحو كشف وإذا تحت أمواج الرّمال الآخرُ يَسكن الذّات والوجود وتاريخ الإنسان وقصّته التي منها هرب. وجماليّة التّشبيه في كونه يرصد حال البطل أوان التّجربة يجلو رؤاه ويضمر عبر كثافة الصّورة وإيحائها مآلها في ذات الوقت.
الجمجمة موت يترصّد الإنسان وفعلَه يروم البناء يتخرّمه الفناء، وهي قصّة الإنسان يريد باجتماعه الفعل وينفي العدم وتلك رؤياه: قوم يتّخذون من الطّين حجرا يقيمونه صروحا إلى العلى ترتفع على إيقاع الشّعر ” فلبن بنا *** ينفي العدم”. وآيِ القرآن تصف تطلّع فرعون إلى إله موسى يتلوها مرتّل بقراءة حمزة المُستكرهة (1)، وآيِ القرآن داخلتْها عجمة القوم ورطانتهم. وذاك حوار العالَمَيْن. أهو الإنسان المريدُ يطاول الآلهة ويتمرّد على ضعفه؟ أتراه الإنسان سكنه شيطانه فتوهّم الغلبة وتكلّف ما لا يستطيع؟
في لاحق السّرد جواب، وفي تجربة الجماعة بيان. كذا كانت الرؤيا في حديث الطّين إعدادا مباشرا لخوض تجربة الجماعة.
العالم يحاصره الوباء مدينة مدينة وقرية قرية وبيتا بيتا وفردا فردا، يحاصره حقيقة ووهما، يحاصره خوفا وفزعا، يحاصره شكّا وريبة، يحاصره فتحاصره أنانيّته ويحاصره جشعه ويحاصره جهله ويحاصره ” أنا ومن بعدي الطّوفان”، ويحاصره “ألقاه في اليمّ مكتوفا وقال له إيّاك إيّاك أن تبتلّ بالماء”، …
يضيق عنه المكان في بلدته المعزولة، وفي الطّريق إلى ما به يقيم أوده النّداءات تقرع سمعه ” شدّ دارك”، وفي بيته لا يغادره إلّا وقد “حمّت الحاجات”.
يُضيّق عليه الزّمان المتطاول عامّة يومه وليله الخناقَ فيم يَصْرِفُه؟ وكيف يُصَرِّفه؟ يَرحُبُ الزّمان الّذي كان يتعلّل بضيقه عن الإيفاء بعهوده فلم يعد له من دور اجتماعيّ إلّا أن يكفّ عن الاجتماع فيَسْلَمَ وَيَسْلَمَ منه ومعه غيره. ولعلّه لا يستطيع أن يضطلع بهذا الدّور كما لم يكن يستطيع أن يضطلع بأدواره الاجتماعيّة في سابق حياته اليوميّة على النّحو الأكمل فيتهاون ويقصّر ويتواكل. لم يكن يستطيع لأنّه لا يريد.
والعزلة تجربة قصوى تُستطاع إذا أريدت. تراد بالعقل يعقل صاحبه عن الهوى، وتراد بالباصرة ترى وتميز، وتراد باضطلاع الإنسان بمسؤوليّته الوجوديّة الّتي لا ينفكّ فيها الخلاص الفرديّ عن الخلاص الجماعيّ وتلك الجمجمة رمز الفناء الّذي يهدّد المصير الإنسانيّ، وهذا الوباء إحدى صوره. وذاك الطّين أحجار البناء و”الفرد الحشود”.
أن تعتزل النّاس وهم فيك لا يغادرونك انتماءً إليهم وشوقا وخوفا عليهم وحدبا، أن تعتزلهم احتماءً منهم واحتماءً لهم منك فهذه تجربة قصوى.
أن ترتدّ إلى ذاتك ويتمّ عليك انفرادك وتخشع في خواطرك فتتراءى؛ ترى قدرتك ونقصك عن التّمام، وتقيس فراغك إلى ممكن من الشّغل، وتنتبه إلى بلاغة التّفاصيل تقرأ فيها أعيان المعاني، وتضيق بجسدك فتركب أوساع الرّوح، وتبدع بيتك الصّغير أكوانا من اللّون والضّوء وأنباضا من الدّفء وأسمارا من الحكايا.
أن تؤوب إلى حرف يتهجّاك ويكتبك، أن تركبه مجازا إلى الزّمان والمكان، أن تعيش عزلتك وأنت تقرأ تجربة العزلة، أن تملأك أصوات الآخرين وأنت تُصيخ إلى وساوس صدرك، أن يتراءى لك عجزك وأنت تريد ولا تستطيع، وأنت تريد وتستطيع بغيرك، وأن تلوذ بضعفك فتستجير فتكتمل إنسانيّتك.
إنّما النّصّ بين يديك تجربتُك فحظّك منه حظّك منها.

(1) استكرهها بعض الأئمةّ “لما فيها من الكسر والإدغام والتَّكَلُّف وزيادة المدّ”

لا تعليقات

اترك رد