استراتيجية واشنطن وأولويات بغداد

 
استراتيجية واشنطن وأولويات بغداد

انحدرت العملية السياسية في العراق على نحو شديد، لم تشهده منذ تأسيسها بعد احتلال العراق العام 2003، وبدت كأنها استعصاءً غير قابل للحل، بانسداد الأفق، الذي ينذر بالمزيد من التدهور، خصوصاً بتعسّر الإدارة الحكومية وانشطار البرلمان وهيجان الشارع الذي تجسّد باقتحام المنطقة الخضراء والدخول إلى البرلمان عنوة، الأمر الذي لا يبدو أن ثمّة حلول سريعة، ناهيك عن حلول ناجعة للململة الوضع والحفاظ على ما تبقّى، سواء تم تشكيل الوزارة أم لم يتم أو عاد البرلمان أو لم يعد، فالشرخ الحاصل في العملية السياسية تغلّغل في جميع مفاصل الدولة، ووصل إلى الجذر والمصير.

ثلاث قضايا ذات طابع إشكالي يواجهها الوضع السياسي في العراق تتعلّق بالدور الأمريكي ثم بالموقف من داعش، وأخيراً بالتسوية الممكنة والمستحيلة:

القضية الأولى ـ كيف ستتعامل الولايات المتحدة مع العراق باعتباره حليفاً لها؟ فهي وإنْ أعلنت دعمها لبقاء الرئاسات الثلاث، وعبّرت عن ذلك بثلاث زيارات مفاجئة إلى بغداد (خلال أسبوعين من شهر أبريل/نيسان 2016)، الأولى قام بها جون كيري وزير الخارجية، والثانية آشتون كارتر وزير الدفاع، والثالثة جو بايدن نائب الرئيس الأمريكي، لكن واشنطن في الوقت نفسه عبّرت عن أولوياتها بوضوح كبير وهي محاربة داعش.

وإذا كانت سياسة الرئيس باراك أوباما قد رجّحت الانسحاب من العراق، وأعلنت عن تنفيذ خلطتها في نهاية العام 2011 كما تعهّدت، فإن تطوّرات الأحداث، ولا سيّما عشية انتخابات الرئاسة (نوفمبر/تشرين الثاني القادم) والصراع المحموم بين هيلاري كلينتون ودونالد ترامب يفترض ثلاثة احتمالات:

الاحتمال الأول ـ الابتعاد أكثر عن المستنقع العراقي، والاكتفاء بالحرب ضد داعش، وهذا لا يعني عدم الاكتراث الكليّ بما يجري في العراق، لكنه لن يكون على رأس الأولويات كما كان قبل العام 2003، بل منذ احتلال القوات العراقية للكويت العام 1990، ومن ثم فرض الحصار عليه، تمهيداً لغزوه في عهد الرئيس جورج دبليو بوش.

الثاني ـ الاقتراب أكثر من الوضع العراقي، والعمل على تقليص نفوذ إيران تدريجياً، بإحداث المزيد من الانشطارات والصراعات بين حلفائها، والعمل على تحقيق فكرة الأقاليم، وبشكل خاص دعم فكرة الإقليم السنّي التي أخذت تُروِّج في بعض الأوساط، وخصوصاً بعد احتلال داعش للموصل، وهنا لا بدّ من استذكار أن الكونغرس الأمريكي وافق على مشروع جو بايدن في العام 2007.

والثالث ـ هو الترقّب والاستعداد للحفاظ على منطقة نفوذ لها أهمية قصوى، بالارتباط مع قضايا الإقليم، والتطوّرات مع دول المنطقة، خصوصاً بالتوافق مع النفوذ الروسي، وبشكل خاص في سوريا، الأمر الذي سيعني أن أي تطوّرات ستجري فيها ستنعكس على العراق، الذي سيكون جزء من استراتيجيات واشنطن إزاء المنطقة، وتدرك الأخيرة أن السيطرة على العراق، تعني إمكانية السيطرة على دول الإقليم بما فيه على المناطق الاستراتيجية الغنيّة بالنفط.

القضية الثانية ـ كيف يمكن تحرير الموصل ودحر داعش؟ فبعد احتلاله المفاجىء للموصل في 10 يونيو (حزيران) 2014، أعلن داعش عملياً إلغاء حدود معاهدة سايكس بيكو السرّية التي أبرمتها بريطانيا وفرنسا في العام 1916 بالتعاون مع الإمبراطورية الروسية، والتي كشفتها الثورة البلشفية في العام 1917، والتي كانت تقضي تقسيم “تركة” الرجل المريض “الدولة العثمانية” بعد الحرب العالمية الأولى.

إعلان “ولاية الفرات” جاء بعد أن حقق داعش تقدماً في العمليات العسكرية، في (أغسطس/آب 2014) بفتح الحدود بين مدينة ألبوكمال السورية ومدينة القائم العراقية وشملت الولاية هيت وكبيسة وعانة وراوة وحديثة وصولاً إلى الرمادي عاصمة محافظة الأنبار (أكبر محافظات العراق)، وكانت مدينة الفلوجة ومحافظة صلاح الدين وأجزاء من محافظتي كركوك وديالى قد وقعت بيد داعش.
بعد نحو عامين بدأ داعش بالتراجع، وإنْ لم يفقد كلياً قدرته على المناورة وشنّ هجوم مباغت وقيامه بأعمال انتحارية وتفجيرات تربك خطط الحكومة العراقية من جهة وقوات التحالف الدولي من جهة أخرى، وكان آخرها شنّ هجوم مفاجىء على قاعدة أمريكية سرّية في شمال العراق.
القاعدة العسكرية والتي سمّيت “فاير بييز بيل” تقع بالقرب من قضاء مخمور (شمال الموصل)، والهدف من إنشائها حسبما برّرت القيادة العسكرية الأمريكية، هو تقديم الحماية والدعم لمستشاري التحالف الدولي خلال العمليات العسكرية. وتضم القاعدة نحو 200 عنصر من مشاة البحرية الأمريكية “المارينز”، علماً بأن عدد الجنود الأمريكان في العراق وصل إلى أكثر من أربعة آلاف جندي، قيل إن مهماتهم تتركّز بتقديم المشورة وتدريب القوات العراقية وقوات البشمركة الكردية دون المشاركة في المعارك. وكانت واشنطن قد أعلنت عن تقديمها مؤخراً، مبلغ 415 مليون دولار مساعدة لقوات البشمركة.

أما القضية الثالثة ـ فتتعلّق بالصراع المحموم على السلطة، فلا زال البرلمان منقسماً والولاءات تستمر في زئبقـيّتها، وأحياناً تنتقل من هذه الضفة إلى جانب تلك، فبعد المطالبات المعلنة من الجميع بالإصلاح، تتم المداورة والمناورة بخصوص التقاسم الوظيفي بين رؤساء الكتل، وكأن كل ما حصل لا يعني القوى المتنفذّة من قريب أو بعيد، بما فيها الحشود التي تندّد بالفساد وتطالب بمساءلة الفاسدين.
في ظل هذه الإشكاليات الثلاث: يُعاد طرح السؤال مجدداً: هل هناك إمكانية للخروج من المأزق؟ وكيف؟ ومن بيده القدرة على ذلك؟ وإذا كان الشارع قد هيمن عليه مقتدى الصدر، فإن ضغوطاً مباشرة وغير مباشرة تُمارسُ عليه، أهمّها إيران التي استضافته على عجل بعد إعلان اعتكافه لمدة شهرين، ومن جهة أخرى إذا استمر الاستعصاء، فهناك من يلوّح بتعطيل الدستور وحلّ البرلمان والإتيان بحكومة إنقاذ وطني قد تستطيع تأجيل الانفجار أو لا تستطيع، بما في ذلك الدعوة إلى إجراء انتخابات مبكرة.

إن ما هو ظاهر حتى الآن أن المشهد العراقي سائر إلى المزيد من التشظي، لا سيّما بغياب الثقة بين الجماعات المؤتلفة ـ المختلفة، ناهيك عن أن مواجهة داعش التي تعتبر أولوية للتحالف الدولي، هي ليست أولوية للقوى السياسية، التي تريد الاستمرار في إطار نظام الزبائنية والتقاسم الطائفي ـ الإثني، السبب في وصول الدولة العراقية إلى الفشل فحسب، بل إلى التعويم وربما إلى التفكّك أو التّفتيت، خصوصاً باستمرار الصراع بين إربيل وبغداد، والانقسامات الحادّة بين الكتل والجماعات السياسية، وهو ما أوصل داعش قبل ذلك إلى مشارف بغداد.

لا تعليقات

اترك رد