صلاح جياد بين ديناميكية العمل الفني وصمت احياء الموروث التشكيلي

 

ثمة انعطاف نحو الداخل في اعماق الفنان صلاح جياد قد يجعلنا في توقع دائم لانبعاث مجهول … لشيء غير مرئي لحضور لا نعرف كيف نلتمس حدوده … وغياب أسر ويظهر في لحظة ما من وراء تلك الخطوط العشوائية الفائرة المنسوجة من مادة الصمت والعتمة … فيما تتجه تلك الاعمال في مجالها الى اقصاء فعل الذاكرة لتدع فعل الرؤية هو الاقوى .
هنا يزدوج ماهو ذهني بما هو تشكيلي في نص هو بالاحرى صفر في الدلالة … لان الفنان لا يحاول وضع الاسئلة دون اجوبة … بل يمارس اسقاط الحالة الراكدة ضمن رؤيا جديدة المعنى … فيبدو كمن يبحث عن فسحة عذراء في عالم مشحون بالاوضاع الضرورية والضدية … ليشعرنا من خلالها بلا معقولية الكثير من اشياء ذلك العالم … برغم ان لوحاته الهادئة شكلا … المكتظة بالحركة داخلا قد توحي بذلك فيما تلوح لنا بين الحين والاخر اطارات صور تظهر على السطح وكانها مرسومة بماء الوهم … كما تظل الابعاد فيها هي الوحدة التي تجمع بين الظهور والتدخل والتلاشي في ان واحد .
ولما كان الفنان صلاح جياد مأخوذا بالمعنى اولا وبتقنيات اللوحة ثانيا … فان حبكة خطوطه المرئية في هذا الغبش الليلي … انما تمثل الجانب الغالب المغمور في ذلك النص الذي يفرض وجوده كحالة فنية على المشاهد … وهو ما يمكن ان يخفي اطراف المنطق الجمالي … ويرفع من دلالات المعنى بما يمنح العمل الفني شرعية وجوده .
يتميز الفنان بموهبة نادرة في الرسم ومن بين الرسامين المعاصرين اينما كانوا … تبرز في قدرته على التعامل مع الالوان بعفوية ورفاهة … مع حساسية للضوء والشكل تؤكد حبه لما يقع عليه العين من مشهد … مهما كان وفي رسومه الزيتية دائما اشراقة فسيحة وايحاء بالفضاء يجعلنا نستمد من كل لوحة شيئا من تلك الدهشة وذلك الحب اللذين يحركان فيه … حتى عندما يتقصد الرسم منمقة بحجم الكف او اصغر يملاها بجزئيات تعجب لدقتها المتناهية .

وحين يتعامل مع الالوان الزيتية او الاكريليك فانه لا يجازف فقط باتساع قماشته … بل بموضوعه الانساني ايضا … حين تتعاون التفاصيل كلها … وقد رسمها بواقعية سحرية … في خلق جو ساحر قلق يبرع الفنان في تصويره، هذه الواقعية السحرية تصيب المشاهد احيانا بهوس جميل بدفعة الى التمعن فيها واعادة النظر اليها، باتت وكانها تجربة جديدة ولا تنتهي تجدد ايحاءاتها .
ويجد الفنان صلاح جياد نفسه مسؤولا في المعترك الفني عن ايجاد صيغة للتعامل مع الحياة بيد ديناميكية متفاعلة لتعطي للتجربة الفنية شخصيتها … وكتجربة يستدرك الفنان فيها دوره ووجوده في هذا الكون الواسع مع التناقض الواضح للاساليب الفنية .
يجد نفسه مسؤولا عن ايجاد علاقة جدلية للتوازن البيئي لكي تأخذ دورا في الابتكار والابداع … ان بدايات هذا الفنان الساحر والمبدع في الماضي وحتى يومنا هذا تحولت الى رمزية جميلة ورؤيا ساحرة ومبدعة اخذت من البيئة العراقية تنوعاتها وجماليتها لتكون اسلوبا فيه نوع من الرصانة الاكاديمية التي تاخذ في نظر الاعتبار اندماج الحضارات والتكوينات الجيلية (الاجيال) لتكون اسلوبا خاصا بهذا الفنان .
التجربة في حضور الخط الوهمي لانشائية اللوحة وغنائيتها الموسيقية في تشابك الالوان واستخلاص الاطر الفنية من تجربة الفنون الداخلية لبلاد وادي الرافدين بعكس كونية الاشكال وعراقة مخلصة وعشق متدفق اضجعته مرارة التمزق الداخلي والبيئي … الهدف في اغناء التجربة الفنية العراقية ومواصلة الارث الحضاري ووضع لبنة في صرح الرسم العراقي المعاصر .
ولا ننسى هذا الفنان الذي تحول عمله الى ادراك كل مقومات العمل الفني من خلال تكوينه واستيعابه للرؤيا الايحائية للاشكال والمدارس والمذاهب الديناميكية التكوينية ضمن سياق موسيقى واحد .

الفنان التشكيلي العراقي صلاح جياد ولد في البصرة عام 1947م تخرج من معهد الفنون الجميلة عام 1968م وعمل في مجال الصحافة وكان احد مؤسسي مجلة الف باء اضافة الى رسوماته الابداعية في “مجلتي ” غادر الى باريس سنة 1976م واصبح احد اركان معالمها الفنية والثقافية، توفي الفنان التشكيلي العراقي الاستاذ الكبير صلاح جياد يوم الاثنين 16/3/2020 في احدى مستشفيات العاصمة الفرنسية باريس عن عمر 73 عام .

لا تعليقات

اترك رد