فيروس كورونا يضرب الهيبة والسياسة العالمية !

 

في أعقاب انتشار فيروس كورونا في الصين , بدأ هذا الملعون يتمدد ٍالى كل أنحاء العالم وينتشر بشكل سريع ومفاجئ , حتى أن بعض الدول لم تحسب له حساب ولم تتخذ ٍاحتياطاتها على أمل أن تنجو منه , ٍالا أنه تحول ٍالى وباء عالمي يشكل تهديدا متعاظما للبشرية وهو الأخطر على امتداد قرن من الزمان , وتحديا كبيرا للعلماء والخبراء المختصين .
لقد أصاب معظم دول العالم منها أوروبا وأمريكا ودول افريقيا ولاسيما دول شمال افريقيا , وكذلك جميع دول الشرق الأوسط , فحصد آلاف الأرواح ويوما بعد يوم يزداد وحشية ويستمر في مساعيه التوسعية مصيبا ٍاصابات جديدة , مما أدى ٍالى حالة رعب تجتاح شتى أنحاء العالم . واثرهاأعلنت منظمة الصحة العالمية حالة طوارئ صحية , داعية كافة البلدان للتحرك من أجل احتواء الوباء وعدم الٍاكتفاء بتخفيف حدة تداعياته ومشددة على تعزيز نظام المراقبة وحماية مراكز الاستشفاء وعدم التوقف عن رصد حالات الٍاصابة وتعقب المخالطين للمصابين بهدف وقف تفشي الفيروس , محذرة في الوقت ذاته أنه من المستحيل معرفة توقيت بلوغ ذ روة الفيروس على المستوى العالمي .
من ثم تسارعت أغلب الحكومات في أخذ التدابير والٍاجراءات الٍاحترازية , وأنتشرت فرق الطوارئ لدعوة الناس الى البقاء في منازلهم و ٍاغلاق كل المؤسسات التعليمية والمقاهي والمطاعم و ٍالغاء النشاطات الثقافية وتعليق الرحلات التى تنظمها شركات الطيران . فتعطلت حركة عجلة الحياة جزئيا وتوقفت المطارات وتعطل العمل في العديد من القطاعات العامة والخاصة وأغلقت دور العبادة ومراكز التسوق وفرض الحجر الصحي على أعداد كبيرة من القادمين من خارج هذه الدول لمدة أسبوعين من أجل منع ٍانتشار العدوى . ٍالا أن الردود على الفيروس اختلفت من دولة الى أخرى .
ولاشك أن هذا الفيروس المميت كبد وسيكبد العالم خسائر كبرى وحادة وسيشهد أزمة اقتصادية واجتماعية وعمالية وحتى سياسية فادحة . لهذا أمام ٍانتشاره السريع وعدم تمكن العلماء من الوصول الى منشأ الفيروس , برزت نظريات المؤامرة وتوجيه الأصابع الى بعض القوى العظمى بتطوير الفيروس عمدا في ٍاطار الحرب التجارية بينها , وليس خفيا عن العالم الحرب الٍاقتصادية بين واشنطن وبيكين , كما اتهم البعض الآخر كبرى الشركات الأدوية بالوقوف وراء الفيروس باعتباره مخلقا صناعيا . وبالتالي العديد من التساؤلات تطرح نفسها حول هل أن كورونا هو فيروس طبيعي أم صناعي ؟ وهل هو كارثة طبيعية أم حرب بيولوجية ؟ وهل حقا تطور بعض الدول أسلحة بيولوجية ؟ واذا كانت هناك اتفاقيات دولية تمنع انتشار الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل , فأين هي الاجراءات الدولية لكبح صناعة أسلحة أكثر فتكا بالبشرية ؟
وفي انتظار ما سيكشفه المستقبل القادم من حتمية هذه الاتهامات أو دحضها , فٍان هذا الفيروس الصغير الغادر تمكن من هيبة الٍانسان والشعوب ومجتمعاتها وحكوماتها في عصر اتسم بالتقدم العلمي والتكنولوجي المذهل , وبدت كل الدول ولاسيما الدول العظمى وقاداتها في حالة ارتباك وذهول وضعف غير قادرة على مواجهة هذا العدو غير المرئي والسيطرة عليه , مما أصاب المجتمعات بعدم الأمان والخوف والتشرذم , واكتشفت الٍانسانية جمعاءحقيقة لباسها ومظهرها الخادع لقدرتها على السيطرة ومدى محدودية مناعة مؤسساتها العلمية والتكنولوجية .
لقد أظهرت هذه الجائحة لكافة الناس عن محدودية الكفاءة والقدرة على اتخاذ القرارات عند بعض الحكام والنخب السياسية والٍاعلامية , وعن هشاشة طريقة ٍادارة الأزمة في العديد من دول العالم بما فيها الدول المتقدمة وعدم قدرة منظوماتها الصحية لمواجهة الفيروس , وتبين بوضوح أن الصحة العامة ضعيفة ومحدودة وأنها لم تكن هدفا وأولوية كل هذه الأنظمة السياسية . كما ثبت للعديد من دول العالم أن عليها أن تعتمد على نفسها ولا تنتظر مساعدة من أي دولة أو من المجتمع الدولي , وكل من كان يراهن على مساعدته في هذه المحنة من طرف دول كانت تعد حليفة أو صديقة أو شريكة , أدرك أنه لن ينجده أحدا ما عدا الصين التي قدمت بعض المساعدات . ومن ثم بات هذا النظام الدولي القائم على التعاون بين الدول يشكو من عيوب , حيث أثبتت أزمة كورونا للجميع أن ما يسمى “التضامن العالمي ” فعليا غير موجود وحتى التضامن بين الشركاء والحلفاء هي قصة خرافية على الورق في هذا الظرف الصعب ! وهذا ان دل على شيء فانما يدل على أن العلاقات الدولية تقوم على “قاعدة المصلحة ” التي جعلت الأقوياء يكتسحون الضعفاء ويصارعون من أجل التفوق والتقدم والسيطرة والنفوذ على حساب حقوق ومصالح الآخرين ولابد من استخلاص الدروس من زمن كورونا .
ومما لا ريب فيه أن فيروس كورونا يضرب اليوم هيبة الدول وحكامها والاقتصاد والأسواق ويقتل الناس ويلزمهم بيوتهم , وستكون له حتما تداعيات على التكتلات والتحالفات الاقتصادية والسياسة الدولية وعلى انعطاف ملامح العولمة في الفترة القادمة وسيحمل دول العالم على مراقبة أولوياتها ووجوه انفاقها وسيتعلم البعض الدروس من هذا الزمن المرعب . فالمؤكد أنه انتصر على تكنولوجيا الأسلحة والٍاتصالات ولوحات الأزرار النووية التي وقفت عاجزة أمامه وأن التطور التكنولوجي ما هو ٍالا وهم . لهذا فٍان العالم بعد زمن كورونا لن يكون نفس العالم وسيشهد تغيرات كبرى ومرحلة جديدة للعلاقات الدولية السياسية والاقتصادية , وسينشأ نظام دولي جديد متعدد الأقطاب بعيدا عن الاحتلال والتعصب والاستغلال ويقوم أكثر على التنمية المستدامة لمصلحة البشرية وعلى المحافظة على هذا الكوكب . كما أن الأزمات الكبيرة والأوبئة تعيد دوما صياغة الشعوب وتنمي التفكير بتجنبها , وتكشف أحوالها وحقيقة حكوماتها والمؤتمنين على مستقبلها . وبالتالي أغلبها ستتعلم الدروس وبالخصوص دول العالم الثالث ولاسيما العالم العربي ستعمل على ٍاعادة ترتيب أولوياتها وتستعد لأزمات الغد وتعتمد على نفسها وذلك بالاهتمام بالمنظومة التعليمية والتسلح أكثر بالعلم والمعرفة والتشجيع على البحث العلمي وجعل المنظومة الصحية وصحة المواطن غاية كل نظام سياسي . فالعالم سيتغير جميعا بعد كورونا والعرب لن يكونوا كما قبل كورونا والأهم أن يتعلم من الأزمة ويعيد ترتيب بيته وعلاقاته ويعلم أن من لم يستطع حماية شعبه , فكيف به أن يساعد غيره وينتظر منه خيرا؟؟!.

لا تعليقات

اترك رد