العد التنازلي للتدمير الذاتي … الخوف

 

يحترف البعض القيام بأدوار تتطلب شجاعة كبرى، لا تتوافر إلا لفئة قليلة نادرة؛ فهناك من احترف القيام بدور بديل لممثلين سينمائيين في أفلام تتطلب تأدية مشاهد خطيرة. ومن ثم نجد هذا البديل لا يتورع أن يرمي بنفسه من فوق ناطحة سحاب أو من على متن طائرة، أو أن يقود سيارة بسرعة جنونية في مطاردة ربما يستحيل حدوثها على أرض الواقع. أما أغرب عمل جنوني على الإطلاق فهو احتراف تصوير البراكين وقت اندلاع الحمم البركانية. ومما يثر العجب هو سير المصور بين الحمم التي تتساقط في كل مكان غير آبه بالنيران والمعادن المنصهرة المتفجرة، بل على العكس، نشهده يسير وسط الحمم بكل أريحية مستكشفاً، كما لو كان في نزهة ممتعة. تلك المهن الغريبة تجعل الجميع تنتابهم حالة من الحيرة؛ فهم لا يستطيعون تصنيف محترفي الأخطار، فالآراء منقسمة بين وصفهم بأفراد يمتلكون شجاعة منقطعة النظير، أو أفراد يعانون من خلل نفسي يجعلهم لا يشعرون بمدى المهالك التي يزجون أنفسهم بها.
ولكن، فيما يبدو أن محترفي الأخطار ما يموج بداخلهم لا يشابه الصورة التي يحاولون الظهور بها أمام الجميع. التفسير العلمي المنطقي الوحيد لتأويل تصرفات هؤلاء، هو أنهم بالفعل أفراد يشعرون “بالخوف”، وهذا الشعور بالخوف يسيطر عليهم لدرجة أنهم يتصرفون عكس ذلك تماماً؛ لأن تلك هي آلية الدفاع الوحيدة المتوافرة لديهم، والتي يصدرونها للعالم لإخفاء الشعور بالخوف الشديد الذي يجعل أحشائهم تضطرب. والدليل العلمي على ذلك، لو حدث وإن صرخت بجانب أحدهم فجأة، أو دغدغته على غفلة منه، فأول ردة فعل تصدر منه قد تكون صرخة يتبعها ضرب، أو ركل، أو دفع من تسبب بفزعه. ويفسر علماء الطب النفسي ردات الفعل العنيفة تلك باستراتيجية “القتال أو القتال”. فعندما يشعر الكائن الحي بالرهبة والخوف، لا يتوارد إلى ذهنه إلا فكرة واحدة: إما القتال حتى الموت لأنجو بنفسي، أو الخنوع التام والاستسلام. وبناء على ذلك، نجد الحيوانات في الغابة تقاتل بعضها البعض بدون سبب، أو تتخذ من الهروب المستمر وسيلة مستمرة لمواصلة الحياة على سطح هذا الكوكب. وبنفس الطريقة، لو تجابه إنسان وحيوان في غابة، فقد يهاجمه الحيوان دون أدنى سبب يذكر. وعلى النقيض، قد يدعي الحيوان الموت لينجو من خطر الإنسان، مثلما يفعل الثعلب تماماً عندما تواجهه الأخطار.
فالشعور بالرهبة الشديدة يولد شعور بالكآبة تستمر نوباتها لفترات أطول من الخوف. وغالباً ما يكون السبب الرئيسي لهذا الشعور بالرهبة غير محدد، لكنه يسبب يخلل نفسي يفضي إلى الشعور بنوبات من الخوف والعصبية الزائدة. لكن على كل الأحوال، المصدر الرئيسي للشعور بالخوف والرهبة هو الإحساس بوجود تهديداً ما. وقد يلجأ الشخص الذي يتملكه الشعور بالخوف والرهبة لحيلة نفسية ليواري هذا الشعور ويتصرف كشخص طبيعي، وتسمى تلك الحيلة ب “التنظيم العاطفي” Emotion Regulation والتي من خلالها يحاول التغلب على ما يشعر به من مخاوف عن طريق عمل ما يشبه الكتالوج لردات الأفعال في المواقف المختلفة التي يتعرض فيها لنوبات من الخوف، وكيفية التصرف حيال أي مواقف شبيه في المستقبل. وهذا ما قد يفعله أي شخص يريد أن يحيا حياة طبيعية بين البشر.
ولكن على حين غرة، هبط فيروس الكورونا COVID-19 على دول العالم أجمعين؛ ليغيير مفاهيم كثيرة لدى البشر، وليجرد من يدعون الشجاعة التامة من أي ستار نفسي يحتمون وراءه. فهؤلاء الرافضين للانصياع للإرشادات العالمية التي تنصح بوجوب ملازمة المنزل، ليسوا جميعاً فريقاً واحد. فتلك اللامبالاة ورائها إما شعور بخوف شديد، أو محاولة للانتحار بشكل غير ملحوظ، أو ارتعاد شديد من هيبة الموقف، فيحاول الفرد أن يقاوم شعوره بإظهار شجاعة لا أساس لها من الصحة. وحتى من طوروا لأنفسهم كتالوج للتصرف المحمود داخل المجتمع، وجدوا أن تفشي هذا الوباء عالمياً بصورة هستيرية قد ضرب بأساس نماذج التصرف المتوافرة لديهم. أضف إلى ذلك، فالوضع في إيطاليا يسبب بالفعل ذعراً لا مثيل له على الصعيد العالمي. ومن لا يعترف بذلك، فهو بالفعل قد وصل لمرحلة من الخوف كبيرة تشابه من وصلت به الحمى ذروتها فتجعله يشعر بالبرودة الشديدة، لدرجة أنه يرتعد من البرد.
ومن أهم الأدلة على شدة الخوف – حتى ولو حاول الأفراد إخفاءه – هو تكالب الأفراد على الساحة العالمية على شراء المنتجات التموينية بطريقة باتت جنونية. فأغلب الأفراد تحولت منازلهم إلى سوبر ماركت يعج بالمنتجات التموينية، وللأسف، لا يستكفون بما اشترونه فيما سبق، فهم دائماً يحاولون شراء المزيد. ولكم يحزنني رؤية الأسواق قد فرغت من العديد من الأصناف. وأما الطامة الكبرى فكانت أسواق المملكة المتحدة التي خلت تماماً من جميع المنتجات، بما في ذلك الخبز. فمن استطاع أن يوفر لنفسه علبة أو اثنين من المعلبات يعد ذلك انتصاراً. وفي هذا المناح، صار وجود ورق الحمام والمطهرات والكحول شحيحاً أو، غير متوافراً. وللأسف، السبب في ذلك هو تكالب البعض من المرتعدين لاحتكار وتخزين جميع المنتجات الغذائية والتموينية. علماً بأنه من الصعب توفير بديل سريع لتلك الكميات المسحوبة في ظل الأحوال العادية، وأما في ظل الظروف الراهنة، وبعد غلق أسواق الاستيراد والتصدير، صار توفير البديل السريع ضرباً من ضروب الخيال.
وعلى الصعيد الآخر، نجد أن التجار قد تملك منهم الجشع، واتخذوا من الأزمة وسيلة لزيادة أرباحهم، خوفاً من عدم انتهازالأزمة، والتحسر على عدم قدرتهم في استغلال البشر لتحقيق ثراء واسع وسريع. فالخوف من المجهول هو سر التصرفات الغير مبررة حيال تفشي وباء كورونا. ولكن، لا يمكن الربت على أكتاف من يخزنون المواد الغذائية، ولا على أكتاف التجار الجشعين، أو حتى التماس العذر لهم؛ لأنهم يفعلون ذلك بدافع الخوف. فمثل هؤلاء ما هم إلا مجرمون، وقد يتسببون في عمل مجاعة عالمية ينجم عنها مقتل الملايين على المستوى العالمي بسبب الجوع. وعند ذلك، لن يفيد تخزين الأموال أي من الأطراف الجشعة شيئاً. ولنا مثالأ في الشدة المستنصرية التي ضربت مصر لمدة سبع سنوات في مستهل النصف الثاني من القرن الخامس الهجري في عصر الدولة الفاطمية. ففي وقت الشدة المستنصرية، فقدت النقود قيمتها، وكان ثمن رغيف خبز واحد أغلى من ثمن داراً بأكملها. وعندما بلغت المجاعة مبلغها، وبعد انتهاء وجود القطط والكلاب بسبب إلتهامها جميعاًمن قبل البشر الجائعين، بدأ البشر في اصطياد بعضهم البعض للتغذي عليهم، حتى بدون أن يطهوا لحمهم (أرجو مراجعة كتاب المقريزي، وابن تغري بردي، وابن إياس في هذا الشأن). لقد تحول البشر في وقت الشدة المستنصرية إلى آكلي لحوم بشر، وكان السبب هو جشع التجار، وأنانية ذوي الأموال الذين لم يضعوا في الحسبان ما سوف يحل بالآخرين، حينما كانوا يستميتون على تأمين مصالحهم الشخصية. رفع شعار “نفسي نفسي” من قبل الكثيرين في خضم أزمة الوباء العالمي “كورونا” COVID-19 هو ليس بحيلة للنجاة، بل وسيلة لتدمير الذات قبل تدمير البشر أجمعين.
وأتعشم أن يتعقل البشر، ويخرجون من غمار نوبات الخوف التي تسيطر عليهم تلك بالانصياع لارشادات القائمين على الأمور على الصعيد العالمي، والذين توحدت إرشاداتهم عندما يطالبون بأهمية ملازمة المنزل حتى لا يتفشى الوباء، وكذلك عدم التكالب على شراء المواد التموينية وتخزينها، و عدم المغالاة في أسعار البيع. لكن الأنانية الناجمة من الخوف والرهبة تجعل الناس يصمون آذانهم. ولو استمر الوضع هكذا، لسوف يزهق وباء الكورونا الأرواح من ناحية، وتعصف المجاعة بالعالم، من ناحية أخرى. ومن ثم، لسوف يكون من دمر الكوكب ليس بإعصار، أو زلزال، أو انهيار جليدي، أو حتى هجوم من مخلوقات فضائية، كما كان يتوقع العلماء، بل أنانية وغباء البشر، مما سوف يفضي إلى تدمير ما توصل إليه أسلافهم من تقدم ورخاء. استفيقوا يرحمكم الله.

لا تعليقات

اترك رد