الإسراء والمعراج فى شعر المديح النبوي من البوصيري إلى عبد الله الخليلي

 

إذا كان النبى (صلى الله عليه وسلم) نفسه ، لم يقل الشعر وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ (يس : 69) ، فإنه لم يمتنع عن سماعه والإعجاب به ، بل واتخاذه وسيلة دفاع عن الدعوة الإسلامية ضد حملات المشركين ، فقد التف حوله ثلة من الشعراء ينافحون عنه وعن الدعوة الجديدة للرد على هؤلاء المشركين ، وتفنيد مزاعمهم ضد الإسلام ، على رأس هذه الثلة الكريمة الشعراء حسان بن ثابت ، وكعب بن مالك وعبدالله بن رواحة وغيرهم . وقد مدح هؤلاء الشعراء النبى (صلى الله عليه وسلم ) فى معرض دفاعهم عن الإسلام أو هجائهم للمشركين ، وهكذا اختلط المديح النبوى بالسياسة ، بيد أن أول قصيدة مدح خص بها النبى (صلى الله عليه وسلم ) كانت بداية لوجود غرض جديد فى الشعر العربى ، قصيدة كعب بن زهير المشهورة ‘‘ بانت سعاد ’’ والتى كافأه فيها النبى – لاستحسانه لها – ببردته الكريمة .
وبعد وفاة النبى (صلى الله عليه وسلم ) كاد يختفى هذا الغرض ، فظهر بين الحين والآخر فى بعض قصائد شعراء الشيعة فى القونين الثانى والثالث الهجريين ، ولكنه كان يأتى فى معرض مدح آل البيت ، ولذلك لم يلتفت نقاد الشعر إلى غرض المديح النبوى ربما لأن كبار الشعراء مثل البحترى وأبى تمام والمتنبى وأبى العلاء المعرى ، لم يظهر هذا الغرض فى شعرهم .
على أية حال يبقى لشعراء الشيعة فضل لا ينكر فى العودة إلى موضوع المديح النبوى ، حتى وإن كان ذلك الغرض يأتى عندهم تابعاً للحديث عن آل البيت ، ولهذا فإنهم هم الذين يمثلون استمرار هذا الموضوع ومواصلته حتى القرن السادس ،الذى يقبل فيه الشعراء من شيعة وأهل سنة على المديح النبوى بصورة بالغة الاتساع .
ففى القرن السادس الهجرى ، ساعدت عدة عوامل سياسية واجتماعية ودينية على انتشار الميح النبوى مختلطا ، ليستمر هذا الغرض على يد مجموعة من كبار الشعراء ليصبح من أهم فنون الشعر العربى ، كابن القارض والبوصيرى وابن نباتة وصفى الدين الحلى وغيرهم ، وليس من شأن هذا المقال البحث فى نشأة هذا الغرض ، ولكنه يبحث ظاهرة فنية بدت جلية فى قصائد شعراء المديح النبوى من البوصيرى إلى عصرنا الحاضر ألا وهى التعرض لمعجزات النبى (صلى الله عليه وسلم ) خاصة معجزة الإسراء والمعراج ، فليس من قصيدة تخلو من التعرض لهذه المعجزة ، وليختلف علماء الدين والمؤرخين فى إثبات أو إنكار هذه المعجزة ، أو هيئة حدوثها هل بالروح أم بالجسد ؟ وهل فى اليقظة أم فى المنام ؟ ليختلفوا فى كل هذا ، أما الشعراء فمؤمنون إيماناً راسخاً بحقيقة هذه المعجزة ، يستلهمون منها العظة والعبرة فى تصوير بديع وإيقاع محبب وسمو وجدانى يغزو كل قلب ولو شق من حجر .
1 – يتعرض البوصيرى فى بردته المشهورة إلى الإسراء والمعراج وكيف مضى الرسول (صلى الله عليه وسلم) من الحرم المكى إلى حرم بيت المقدس ، ثم معراجه فى السموات السبع حتى صار ‘‘ قاب قوسين أو أدنى ’’ وهناك أم الأنبياء وظهرت فضيلته على سائر الأنبياء :
سَرَيْتَ مِنْ حَرَمٍ لَيْلاً إلى حَرَمٍ           كَمَا سَرَى الْبَدْرُ فِي دَاجٍ مِنَ الظُّلمِ
وَبِتَّ تَرْقى إلى أنْ نِلْتَ مَنزِلَةً           من قَابِ قَوْسَيْنِ لَمْ تُدْرَكْ وَلمْ تُرَم
وقَدَّمَتْكَ جَميع الأنْبَياءِ بِهَا               وَالرُّسل تَقدِيمِ مَخْدُومٍ عَلَى خَدَمِ
وأنتَ تخترق السبعَ الطِّباقَ بهمْ         في مَوْكِبٍ كنْتَ فيهِ صاحِبَ العَلَمِ
حَتَّى إذَا لَمْ تَدَعْ شَأواً لِمُسْتَبِقٍ           مِنَ الذُّنُوّ ولا مَرْقَى لمستلم
لِمُسْتَنِمِ خَفَضْتَ كلَّ مَقامٍ بالإضافة إذْ    نُودِيتَ بالرَّفْعِ مِثْلَ المُفْرَدِ الْعَلم
كَيْما تَفُوزَ بِوَصْلٍ أيِّ مُسْتَتِرِ            عَنِ العُيُونِ وسِرٍّ أيِّ مُكْتَتَمِ
فَحُزْتَ كلَّ فَخَارٍ غَيْرَ مُشْتَرِكٍ          وجُزْتَ كلَّ مَقَامٍ غَيْرَ مُزْدحم
وجَلَّ مِقْدَارُ مَا ولّيتَ مِنْ رُتَبِ          وعَزَّ إدْرَاكُ ما أوليتَ مِنْ نِعَمِ
بُشْرَي لَنا مَعْشَرَ الإسْلامِ إنَّ            لَنا مِنَ العِنايَةِ رُكْناً غَيْرَ مُنْهَدِمِ
لما دعا اللهُ داعينا لطاعته              بأكرم الرسل كنّا أكرم الأممِ

والبوصيرى الذى تميز بثقافة دينية واسعة يصف فى الأبيات السابقة رحلة النبى (صلى الله عليه وسلم ) إسراء ومعراجاً موضحاً تميز النبى (صلى الله عليه وسلم ) عن سار الأنبياء وقيمة تكريم الله تعالى له ففى تكريمه (صلى الله عليه وسلم ) تكريم للأمة الإسلامية جمعاء ، وإذا كان هناك من يأخذ عليه – أى البوصيرى – التلاعب البعيد التوفيق بمصطلحات النحو فى البيت السادس ، فإن هذا لا يمنع من وضوح العاطفة الدينية بمصطلحات النحو فى البيت السادس ، فإن هذا لا يمنع من وضوح العاطفة الدينية الصادقة فى الأبيات ، بل وقوتها أيضاً ، فثمة جلال وتسام روحى يأخذان بمجامع القلوب ويتناسبان وجلال المعجزة وللبوصيرى مدائح أخرى فى مدح النبى (صلى الله عليه وسلم ) ، لعل أشهرها همزيته ، بيد أنها تبقى دون ‘‘ البردة ’’ شهرة ومنزلة .
ويشير ابن نباته المصرى ( 686 – 768 ) هـ إلى حادث الإسراء والمعراج فى مدائحه النبوية ، معتمدا أسلوبه الرمزى ، الذى عرف به بين شعراء عصره ، حيث يتلاعب بالألفاظ على سبيل التورية ، فيقول فى إحدى قصائده :
وحاز سهم المعالى حين كان له           من قاب قوسين تنويه وتنويل
لسدرة المنتهى يا منتهى طلبى            ما مثله يا ختام الرسل تحويل
وسيطول بنا الأمر لو توقفنا عند شعراء العصر المملوكى ، حيث غدا المديح النبوى غرضا رئيساً فى ديوان كل شاعر ، فليس ثمة شاعر فى هذا العصر لم يتعرض إلى مدح النبى (صلى الله عليه وسلم ) ، فيتناول معجزتى الإسراء والمعراج . بل لقد ظهر لأول مرة فى الشعر العربى غرض جديد ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالمديح النبوى ، عرف هذا اللون من الشعر أو الغرض باسم ’’ البديعيات ’’ وهو فن يوظف المديح النبوى لخدمة علم البديع ، أحد فروع البلاغة الثلاثة . و” البديعية ” قصيدة طويلة فى مدح النبى محمد ( صلى الله عليه وسلم ) على بحر البسيط ، وروى الميم المكسورة ، يتضمن كل بيت من أبياتها نوعا من أنواع البديع ، يكون هذا البيت شاهداً عليه وربما ورى باسم النوع البديعى فى البيت نفسه ، فى بعض القصائد ’’
وإذا اختلف الباحثون فى تحديد أول من ألف فى هذا الفن ، فإن الكثرة منهم تجمع على أن البداية الحقيقية له كانت على يد صفى الدين الحلى ( 750 هـ ) فى بديعيته التى عارض فيها البوصيرى ، وهى تقع فى 145 بيتا فى كل بيت منها محسن بديعى أو أكثر من محسنات البديع . وقد أتى بعد صفى الدين الحلى شعراء آخرون جعلوا من المديح النبوى غرضا ثانوياً فى بديعياتهم . ولكن تبقى بديعية مشهورة – يحسن أن نتوقف عندها – عرفت فى تاريخ البلاغة باسم ‘‘ بديعية العميان ’’ لابن جابر الأندلسى ( 698 – 780 هـ) ، يبدأها الشاعر بمقدمة يصور فيها شوقه لزيارة الأماكن المقدسة ، ويمضى مباشرة إلى مديح النبى ( صلى الله عليه وسلم ) ، فيتحدث عن شمائله ، ويذكر فضله على سائر الأنبياء ، ويتتبع ما نسب إليه من معجزات ، ويتحدث عن غزواته ، ثم يتحدث عن فضائل صحابته ، وينهى القصيدة بطلب الشفاعة و التوسل بالنبى ( صلى الله عليه وسلم ) لغفران ذنوبه . على أن أجود أبياته ما قاله فى خبر الإسراء والمعراج ، حيث اقتبس من ألفاظ القرآن الكريم ، وضمنها ألفاظ الحديث النبوى الشريف :
ذو مرة فاستوى حتى دنا فرأى          وقيل سل تعط قد خيرت فاحتكم
وكان آدم إذ كانت نبوته                  ما بين ماء وطين غير ملتئم
قد أقسم الله فى الذكر ليحكم به         فقال : والنجم ، هذا أوفر السقم
ما بين منبره السامى وحجرته          روض من الخلد ، نقل غير متهم

وإذ تتخطى عصر انحطاط الأدب شعراً ونثراً فى العصر العثمانى ،يجب أن نتوقف عن أمير الشعراء أحمد شوقى فى العصر الحديث ، حيث له أكثر من قصيدة فى مدح النبى (صلى الله عليه وسلم ) ، لعل أشهرها ، نهج البردة التى ترسم فيها خطى البوصيرى فى بردته المعروفة ، وأثنى عليه وأشار فى تواضع صادق أنه لن يبلغ شاوه ، و ليقل شوقى ما يقول ، وليتواضع على قدر ما يريد من تواضع أمام البوصيرى ، فإن مدائحه النبوية عامة وما قاله فى الإسراء والمعراج خاصة يتجاوز فيه أستاذه البوصيرى ولا عجب فى ذلك ؟
يقول فى حادث الإسراء والمعراج :
وَالرُسلُ في المَسجِدِ الأَقصى عَلى قَدَمِ      أَسرى بِكَ اللَهُ لَيلاً إِذ مَلائِكُهُ
كَالشُهبِ بِالبَدرِ أَو كَالجُندِ بِالعَلَمِ             لَمّا خَطَرتَ بِهِ اِلتَفّوا بِسَيِّدِهِمْ
وَمَن يَفُز بِحَبيبِ اللهِ يَأتَمِمِ                  صَلّى وَراءَكَ مِنهُمْ كُلُّ ذي خَطَرٍ
عَلى مُنَوَّرَةٍ دُرِّيَّةِ اللُجُم                     جُبتَ السَماواتِ أَو ما فَوقَهُنَّ بِهِمْ
رَكوبَةً لَكَ مِن عِزٍّ وَمِن شَرَفٍ             لا في الجِيادِ وَلا في الأَينُقِ الرُسُمِ
وَقُدرَةُ اللهِ فَوقَ الشَكِّ وَالتُهَمِ               مَشيئَةُ الخالِقِ الباري وَصَنعَتُهُ
حتى بلغتَ سماءً لا يُطارُ لها              على جَناحٍ، ولا يُسْعَى على قَدمِ
وقيل: كلُّ نبيٍّ عند رتبتِه                   ويا محمدُ، هذا العرشُ فاستلمِ
خطَطت للدين والدنيا علومَهما             يا قارئَ اللوح، بل يا لامِسَ القَلمِ
أَحطْتَ بينهما بالسرِّ، وانكشفتْ            لك الخزائنُ من عِلْم، ومن حِكمِ
وضاعَفَ القُربُ ما قُلِّدْتَ من مِنَنٍ         بلا عِدادٍ، وما طُوِّقتَ من نِعمِ

واذا تأملنا أبيات شوقى وجدناه يتعرض لنفى التهمة والشك عن معجزة الإسراء والمعراج فى البيت الخامس ، وكأنه يرد على منكرى هذه المعجزة فى عصره ، وكانوا كثراً ويشير فى البيتين الأخيرين إلى الحكمة من الإسراء والمعراج ، مما يدل على عمق ثقافته الدينية . غير أنه يجارى العامة من الناس فى الاعتقاد بأن معراج النبى كان بواسطة البراق ، فإنه يقصد بالمنورة الدرية اللجم البراق .
ومن شعراء عمان ، تقف عند أبرز شعرائها المعاصرين ، الشاعر الكبير عبدالله بن على الخليلى ( 1922 – 2000 م ) وديوانه “وحى العبقرية ” حيث خص الشاعر القسم الثانى من الديوان بالمديح النبوى فكتب ثلاث قصائد هى على الترتيب : مجلى الأنوار – علم النبيين (( صلى الله عليه وسلم ) – بين القبر والمنبر ، تعرض فى الأولى والثالثة فى اقتضاب – إلى حادثة الاسراء والمعراج .
فى قصيدة ( مجلة الأنوار ) يشير إلى معجزة الإسراء والمعراج مؤكداً على صفة العبد للنى محمد (صلى الله عليه وسلم ) بوصفها تكريماً للنبى (صلى الله عليه وسلم) وفى ذات الوقت أحد الأدلة العقلية على أن الإسراء تم بالروح والجسد “سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ “(الإسراء : 1) ويلمح إلى مكانة النبى (( صلى الله عليه وسلم ) وقربه من الله سبحانه ، فيقول :
أنت أنت العبد الذى خصه                 السيد قربا وقربه إعلاء
مقعد دونه الملائك حسرى                 والنبيون أنت فيه السواء
أنت فيه من نقطة الباء نور                منه كل الأنوار والأضواء
أنت إنسانه وناموسه الأكبر                واللمعة التى تستضاء

وعلى الرغم من توسع الخليلى فى قصيدته الثانية ‘‘ علم النبيين ’’ و تقسيمها إلى فصول على نهج البوصيرى ، فإنه لم يشر فيها إلى الإسراء والمعراج ، ولا نعرف إن كان ذلك عن عمد أم لا ؟
أما قصديته الثالثة ، فكانت الإشارة فيها إلى الإسراء والمعراج أكثر اقتضاباً من قصيدته الأولى ، فلا يوجد سوى هذين البيتين :
عرفت أنك عبد الله أرسله                    بدينه الحق بين الخلق كلهم
وأنك العبد من قوسين سيده                   أدناه والقرب إعلاء لمحترم
فأين مدحى من علياك مبلغه                   وأين من قدر طه مبلغ العظم
وإذا ما أمعنا النظر فى البيت الثانى وجدنا الشاعر حريصاً على إلصاق صفة العبد بالنبى ( صلى الله عليه وسلم ) وكأنه يؤكد أن الاسراء والمعراج بوصفهما معجزة لم تخرج النبى (( صلى الله عليه وسلم ) عن بشريته وكما قال البوصيرى :
فَمَبْلَغُ العِلْمِ فِيهِ أَنَّهُ بَشَرٌ – وَأَنَّهُ خَيْرُ خَلْقِ اللهِ كُلِّهِمِ .

1 تعليقك

  1. Avatar محمود حنفى محمود

    ربنا يبارك فى حضرتك الكاتب والاديب العظيم استاذنا وقائدنا دكتور محمد

اترك رد