الحزن … وباء عالمي

 

هل القدر يتغيّر؟!
يسألني الذات في ارتعابه الأخير.
القدر يصبح مرّات كثيرة جرثومة، تتفشّى في أرواحنا.
أجبته، دون تفكير بما يقصده من سؤاله.

ها هو ذا الربّ العليل يصحو من غيبوبته، ينفض عن نفسه شهوة تعذيبنا. يحدّق في دمي المتدفّق في رعبه الجديد، يسألني هو أيضاً:
هل وباء «كورونا» قرّبكم مني، أم أبعدكم عني؟
هل زدتم إيماناً بي، أم لا زلتم تائهين بين حماقاتكم المرتخية وترّهاتكم المتوارثة؟
لقد قرأت على الصفحات السوداء أنه انخفض عدد القبلات عالمياً، ولأول مرّة في التاريخ!

شرد قليلاً في جوابي المتهالك، فيما أنا كنت واقعاً في بئر كبير من التفكير العميق، أكلّما شعرت بنوبة حمّى أو سعال، أو وخزة صداع، كانت دليلاً على أنني مصاب بهذا الفيروس التافه اللعين، أو أنني سأصاب به؟!

فجأة! ودون سابق إنذار، يباغتني الذات مجدّداً، بسؤال بلّني فزعاً:
اعلمْ أنه أصغر كائن في العالم، يقدّر حجمه بمثقال ذرّة، لا يرى ولا يتكلّم، لا يخون ولا يبيع الوطنيات، زرع في كلّ مكان ما لم تقدِر الحرب على زرعه، لكن أيّ تجارة رابحة في هذه الأيّام؟!
تجارة الخوف… نعم! تجارة الخوف؛ إنها أربح تجارة.
مجدّداً أجيبه بطريقة مصابة بعفويتها، لا تأمّل فيها ولا تحيُّر.

اسمعْ ما سيقوله ذاتك لك، فأنا المقيم فيك منذ ولادتك، قد لعنتك منذ تلك الولادة آلاف المرّات، دائماً ما كنّا نتحاور ونتشاكس ونتشاتم، لكن، هذه المرّة اسمعْ، وخذْ العبرة:
هناك قانون يلبس دناءات الدنيا كلّها، قانون يعبده تجّار الخوف، ترفع إحدى مواده رأسه إلى السماء: «سيرتفع أرباحنا، عندما يهبط آمال الناس، فليمت المزيد منهم إذاً…».
ليس همّهم كسب الملايين، فصغارهم يفكّرون بكسب المليارات، وفحولهم يرسمون حروباً راقية لكسب التريليونات. لهم علماؤهم وخبراؤهم، يستفسرون منهم طوال الوقت عن ساعة إرسال المصل إلى الناس، لكن في شريعتهم لا مكان للإنسانية، للرحمة، للأمل، بل هناك مكان مفتوح على مصراعيه للألم، للخوف، للموت…

يضحكون
يُنكِّتُون
يغنّون
يَنخبون…،
وكؤوس الرُّم تصنع صخباً على الطاولات والكراسي المرصّعة بالذهب والألماس والفضّة، وهم يشاهدون العالم يلبس خراباً أسود، واحد يقول «خوف قليل يُحضر 460 مليون دولار»، وآخر يصرخ ورذاذ الشراب يسيل من بين شفتيه المترهّلتين «كم مليوناً من الآلهة تحكم الهند؟»، تجيبه امرأة تغازل جدائلها البيضاء بباطن كفّها الأيسر، تشمّ حرير الخزائن «هل الناس يؤمنون بها إيماناً كبيراً؟ وهل هناك أيّ إله قادر على حماية الناس من فيروسنا اللذيذ الجديد؟»، فيما كبير تلك الطاولة يضحك ويقول «انظروا أصدقائي… انظروا إلى نبض بكين، وبرلين، وروما، وطهران وبغداد… انظروا إلى أنباضهم كيف تلهث!».

كفاكما!
كفاكما استهتاراً!
اسمعْ أيّها الذات الحقيرة،
واسمعْ أكثر أيّها الربّ العليل:
من الحمض النووي للزهور
للنور
للقهر
وللمطر
والريح
والربيع… سأصنع مصلاً، فالأمل يأتي في المكان المناسب والوقت المناسب، وهذا الفيروس لا يجب أن يكون الربّ، ولا الجحيم، ولا القيامة، فمنذ ولادة الأرض، والحزن وباء عالمي، فاطمئنا، فوباء تجّار الخوف زائل، زائل لا محال.

بعد هذا التوبيخ والتنديد، لذاتي المتعصّبة، ولذاك الربّ المتطرّف المتطفّل، أشاهد صفير ريح ما يقفز من نافذة إلى أخرى، يطرق باب سيّالتي العصبية بهمسات متعصّبة. لا… إنه ليس صفير الريح، بل إنها «ديلان»، إنها هي، أعرفها جيّداً، أعرفها من بين آلاف الزهور الشقراء، هي وحدها من بينهنّ يسيل من عينيها بكاء الأمّهات وقهر الآباء.
توجّه «ديلان» كلامها لذاتي والربّ معاً، وهي الخائفة من جهل مستقبل مجهول:
بالفعل… الحزن وباء عالمي.
نشرُ الفزع بين الناس، وبهذه الطريقة المهزلية، يمكن وصفه بالإرهاب المتحضّر والذكي، فلا فرق بينه وبين الإرهاب الشنيع والعلني، «كورونا» مثله مثل أيّ مخطّط سياسي تمّ، ونجح في نشر الخوف.
نعم! الحزن وباء عالمي، ووباء تجّار الخوف زائل، زائل لا محال.

لا تعليقات

اترك رد