كورونا … من جُرذان وَهران إِلى خَفافيش وُوْهان

 

تبدأُ رواية “الطاعون” لأَلبير كامو (1947) من جرذونٍ واحدٍ ظهر في أَحد شوارع وهران الجزائرية ثم تكاثرَت الجرذان فانتشر الوباء وعَزَلَ وَهْران داخليًّا عن الجزائر ثم خارجيًّا عن العالم. وكان يمكن تفادي الوباء لو كانت شروطُ الصحة وظُروف النظافة والإِجراءاتُ الوقائية الـمُسْبَقَة متوفِّرة في المدينة. وبين وَهْران الأَمس في الجزائر وَوُوْهان اليوم في الصين، ومن جُرذان وَهران إِلى خَفافيش وُوْهان، يَعزِل البشريةَ اليوم مُجددًّا وَباءٌ أَسوأُ ما فيه فَضْحُهُ التقصيرَ في استباق الأَخطار قبل حدوثها ، إنه كورونا المستجد Covid 19 .

في روايته الشهيرة “الطاعون” بنى الأديب الفرنسي ألبير كامو الأحداث بطريقة التورية والرمزيات المخبأة بإحكام بين السطور، ويقول النقاد إن الرواية التي أهلت كاتبها لنيل نوبل للأدب- يمكن أن تقرأ على عدة طبقات وتعكس مفاهيم إنسانية عميقة وجدلا فلسفيا يتدرج من الوجودية إلى العبثية وتتعرض لموضوعات تتجاوز أحداثها الظاهرة.

ولاحظ اللغويان جورج لاكوف ومارك جونسون ذات مرة أننا نستخدم في حياتنا المجاز أو الرمز ليتحكم في طرائق تفكيرنا، وتجاربنا وتصرفاتنا. فنحن لا نعيش بالمجاز أو الاستعارة والرمز بل نموت بها أيضا.

وفي وقت نشر رواية “الطاعون” عام 1947، كان كامو قد نال سمعة عالمية بسبب روايته “الغريب” وكتابه الفلسفي بعنوان “أسطورة سيزيف”. وكلتا الروايتين نشرتا أثناء الاحتلال الألماني لفرنسا وكان لهما الفضل في إرساء سمعته لفترة ما بعد الحرب الكونية الثانية باعتباره كاتبا وجوديا، وهي صفة طالما رفضها.

ويسرد الراوي الأفعال التي كان يقوم بها حفنة من الرجال عندما اجتاح وباء الطاعون مدينة وهران الجزائرية، لم يكن ذلك الراوي سوى الطبيب برنار ريو، وجان تارو الغريب الذي استغرق في تأملاته الأخلاقية، وكلاهما قادا فرق الإصحاح البيئي الطوعية التي كانت تنقل الجثث وتعزل المرضى مما ساعد في حماية الأصحاء من السكان.

بيد أن فداحة الوباء تضاءلت أمامها كل تلك الجهود، فرغم محاولات تلك الفرق، استجمع وباء الطاعون قواه وبدأ يصرع الرجال والنساء والأطفال دون تمييز، ولم يكن لجهود أبطال الرواية أي تأثير يذكر، ومع ذلك ظل الرجال مفعمين بالعزيمة وسلامة القصد، وهما غايتان سعى كامو لهما لكنه لم يعثر عليهما في أعماله السابقة.

فهل بالإمكان العثور على مغزى وقواعد أخلاقية معا -شيء يشبه الأخلاق المعيارية- بهذه الرواية؟ إن أي محاولة من هذا القبيل لهي أمر معقد، ذلك أن كامو كتب عملا من وحي الخيال قبل كل شيء وليس أطروحة أخلاقية.

اللافت أن معظم هذه الأوبئة اجتاحت عالم الأدب والفن ولا سيما الرواية التي بدت مؤهلة لاستيعاب مثل هذه الكوارث بصفتها مادة سردية غنية في وقائعها ومآسيها. ولا تحصى فعلاً الروايات التي تناولت أوبئة مثل الطاعون والكوليرا والسل والإيدز والإيبولا… الكاتب الفرنسي المولود في الجزائر ألبير كامو وضع رواية حملت عنوان “الطاعون” وعرفت نجاحاً فرنسياً وعالمياً منذ صدورها العام1947. اختار كامو مدينة وهران الجزائرية في فترة الأربعينيات عندما كانت تحت نير الاستعمار الفرنسي، موقعاً لأحداث الرواية الواقعية وشبه المتخيلة في آن. فمدينة وهران بحسب المراجع الطبية والاستشفائية لم تشهد هذا المرض الذي يسميه كامو “الطاعون المحرِّر” في تلك السنوات بل عدوى أخرى كانت انتقلت من العاصمة الجزائرية. ومعروف أن وهران اجتاحها الطاعون في القرن الثامن عشر خلال الاحتلال الإسباني. وبحسب الرواية، كانت مدينة وهران بدأت تشهد انتشار وباء الطاعون الذي ضربها وأوقع فيها ضحايا كثراً وعزلها عن الجوار.

يكتشف الدكتور برنار ريو، أحد أبطال الرواية، أن حارس المبنى الذي يقطنه أصيب بمرض لم يلبث أن قضى عليه. ثم يفاجأ الدكتور بشخص يدعى جوزف غران يزوره في عيادته ليعلمه بأن أعداداً كبيرة من الجرذان تنفق في الشوارع. وغران هذا يعمل في البلدية ويحاول أن ينجز كتاباً، لكنه متوقف عند الجملة الأولى، وهو أول شخص يشفى من الطاعون بعد إيجاد دواء له. على أثر هذه الظاهرة تقرر السلطات، بعد تردد، إغلاق المدينة وعزلها من أجل منع الوباء من التفشي. وعندما يسود الهلع يقرر الصحافي الفرنسي الذي يدعى ريمون رامبر، مغادرة وهران إلى باريس. أما كوتار فيجد حافزاً للبقاء ليواصل نشاطه غير القانوني في مثل هذا الجو المبهم، ويصاب في الختام بالجنون. وبعدما أحدث المرض حالاً من الخراب المادي والاجتماعي في المدينة يتم اكتشاف اللقاح الملائم. الرواية شاءها ألبير كامو رمزية وذات بعد سياسي، فالطاعون هنا إنما يرمز إلى النازية التي كانت بدأت تنتشر، وليست مقاومة المرض سوى مقاومة لهذا الوباء الهتلري المتفشي في ألمانيا وأوروبا. ويقول كامو في رد على مقال كتبه الناقد رولان بارت عن الرواية: “رواية الطاعون، التي شئت أن تُقرأ على مستويات عدة، تحوي مضموناً واضحاً هو معركة المقاومة الأوروبية ضد النازية”.

ننتقل إلى وباء آخر كان له حضوره في أعمال روائية عدة، لا بد من التوقف عند مرض الكوليرا الذي يرد في رواية بديعة هي “موت في البندقية” للكاتب الألماني توماس مان وقد صدرت في العام 1922 ونقلها المخرج الإيطالي لوتشيانو فيسكونتي إلى السينما في فيلم بديع يحمل العنوان نفسه. بطل الرواية غوستاف فون أشينباخ كاتب ألماني معروف من ميونخ، في الخمسين من عمره، يقوم برحلة بعد إصابته بحال من الاضطراب، إلى الشاطئ الأدرياتيكي، تنتهي به في البندقية، المدينة التي لم يشعر يوماً بارتياح إزاءها. في فندق ليدو يكتشف الكاتب الخمسيني الفتى تادزيو، فتى بولوني يجذبه بل يفتنه بجماله النضر. يتكتم الكاتب عن حبه المثالي هذا، لكنه لا يلبث أن يسعى وراء الفتى ومطاردته سراً في شوارع البندقية. وبينما يتفشى في المدينة مرض الكوليرا، يصاب أشينباخ بحال من الكآبة ثم تعتريه الحرارة ولا يلبث أن يموت جراء إصابته بوباء الكوليرا. يموت على الشاطئ محدقاً بعينين رقيقتين إلى الفتى، رمز الجمال المثالي، في مشهد رائع وظفه فيسكونتي في فيلمه توظيفاً جمالياً فائقاً. وباء الكوليرا هنا هو حافز على الموت بصفته مادة إغراء وخلود، بل بصفته رغبة في الموت.

ويحضر وباء الكوليرا في رواية غبريال غارثيا ماركيز “الحب في زمن الكوليرا”. فوباء الكوليرا لم يكن إلا خدعة أو حيلة اعتمدها بطل الرواية ليستفرد بحبيبته على متن سفينة نهرية ، بعدما طاردها لسنوات وعقود، وقد بلغ كلاهما سن الشيخوخة. إنها رواية حب بين فلورينتيو وفرمينا تبدأ منذ المراهقة، وتستمر إلى ما بعد بلوغهما السبعين، وتسرد ما دار من حروب أهليه في منطقة الكاريبي وما طرأ من تحولات في الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا والحياة عموماً.

في نهاية القرن التاسع عشر في قرية صغيرة في الكاريبي، يتفق عامل تلغراف فقير وتلميذة جميلة على الحب مدى الحياة والزواج من ثم… لكن الحبيبة تخون الوعد وتتزوج من طبيب. يحافظ العاشق المهزوم على حبه ويسعى إلى تكوين ثروة حتى يكون جديراً بحبيبته، التي لم يكف عن حبها طوال تلك الأعوام. يصر فلورنتينو على تحقيق هدفه في الزواج من فرمينا أياً يكن الثمن. وبعد وفاة زوجها الطبيب وكان كلاهما قد بلغا السبعين، يكتب لها رسائل تتحدث عن الحب والحياة والزواج والشيخوخة فتنال رضاها وتساعدها على تقبل فكرة الشيخوخة والموت. أما هو فظل يرى فيها الحبيبة على الرغم مما فعل بها العمر.

المشاهد الأخيرة في الرواية تدور خلال رحلة في سفينة نهرية يملكها فلورنتينو كان دعا إليها حبيبته فوافقت، وهنا يقترب منها أكثر وتدرك بأنها تحبه فعلاً على الرغم من شعورها بأن عمرها الذي ناهز السبعين لم يعد صالحاً للحب. ومن أجل الانفراد بها وعيش لحظات جميلة من الحب يريدها طويلة ولا نهاية، يتخلص من المسافرين على متن السفينة معتمداً خدعة أن السفينة تحوي وباء الكوليرا. تمضي

السفينة في عبور النهر ذهاباً وجيئة رافعة علم الوباء الأصفر ولا ترسو إلا للتزود بالوقود. لكن خدعة الكوليرا لن تمر بسهولة بل أحدثت حالاً من الذعر في المدينة.

أما الكاتب البرتغالي جوزيه ساراماغو فقد جعل ” العمى ” مرضا وبائيا ينتشر بسرعة في البلاد. يجد أحد الأشخاص نفسه أعمى فجأة داخل سيارته، ثم يصاب سارق سيارته ثم الطبيب الذي فحصه في عيادته. لا تلبث العدوى أن تنقتل إلى جميع السكان، فيصابون بالعمى ولا تنجو سوى امرأة وحيدة، من هذا المرض الذي يسميه ساراماغو “البياض المشع”.

وجراء هذه الكارثة تبادر الدولة إلى حجر المرضى، لكن الفوضى واللامبالاة تزيدان من انتشار الوبا ء، ويضطر الحراس إلى تهديد المصابين بالقتل فوراً إذا حاولوا الفرار من محاجرهم . الرواية شاءها ساراماغو مجازية ، في المفهوم السياسي والاجتماعي ، فهو لم يحدد البلاد التي تصاب بالوباء وجعل الناس كلهم في صفوف الضحايا ما عدا امرأة واحدة هي زوجة الطبيب، وهي تطرح على نفسها سؤالاً وجودياً: “ماذا يعني أن يكون للإنسان عينان في عالم كل الآخرين فيه عميان؟”. وقد يكون هذا السؤال خير مدخل لقراءة أبعاد هذه الرواية البديعة والغريبة تماماً إلى حد الغرائبية.

جاء الكورونا ليكشِف عورات الصحة في اعتلالات رباعية : الصحة الجسدية، الصحة العقلية، الصحة النفسية، والصحة الاجتماعية. ويواجه المواطنون هذه الأَربعة كأَنهم يواجهونها حديثًا مع أَن كلًّا منها بديهيُّ الوقاية في الزمن العادي.

يقول أحد المفكرين : ” لا أَغلى كلْفةً من المرض إِلَّا الموت. أَهمية الأُمم بثروتها البشرية، وأَحرى بها العنايةُ الـمُسْبَقة بثروتها قبل الانحلال ” وما يجري اليوم من ارتباك وارتعاد وضياع لأَن الوعي بأهمية الوقاية الاستباقية من كورونا . واستفاقة الحكومات المحلية على تعقيم الشوارع متأَخِّرة وضئيلة وثانوية لأَن الأَهم ليس “تعقيم بعض الشوارع، بل تشكيل هيئة طوارئ وطنية للصحة العامة في المرافق العامة والأَماكن العامة والسياسة الصحية العامة ، لا اتخاذ قرارات تنظيرية على الورق بل تنفيذ إِجراءات ميدانية عاجلة في كل بلدان الشرق الأوسط لوقْف هذا الغول الـمُرعب الزاحف إلينا .

وإِذا كان الوباء غير مَرئيٍّ ودخولُه الجسمَ غيرَ مرئي، فتَرَدُّداتُه الإِنسانية فرديًا ومجتمعيًّا مرئيَّةٌ في مبالغاتٍ يجدر التفاعل بها ومعها من دون مبالغةٍ في الظروف العادية فلا ضرورة عندها في البيوت والمدارس والأَماكن العامة لوقاياتِ نظافةٍ إِرشادية استثنائية محصورة فقط في ظرف استثنائي متعلق بكورونا . و الدرس الذي نتعلمه للنهوض هو يجب أن يصبح الاستثنائي سلوكا عاديا .

يقال أن الصين في ووهان قد سيطرت على الوباء لكنه كالمارد خرج من قمقمه وانتشر بين البشر انتشار النار في الهشيم .

لا تعليقات

اترك رد