هل نرى ميلاد نظام نفطي جديد؟

 

تأسست منظمة أوبك في بغداد عام 1960 وكانت تضم كلا من المؤسسين السعودية وإيران والعراق والكويت وفنزويلا، وأصبح عدد أعضاء أوبك من يناير 2019 نحو 11 عضوا شكلت 73 في المائة من احتياطيات النفط المثبتة في العالم هناك إحصاءات ترى أن النسبة تصل إلى 82 في المائة وأكثر من 65 في المائة منها في الدول الست في الشرق الأوسط، وبإنتاج إجمالي للمنظمة 42 في المائة من الإنتاج العالمي.
دخلت المنظمة حرب أسعار حفاظا على الحصص السوقية للمرة الثالثة بعدما رفضت روسيا الموافقة على تخفيض إنتاج النفط 1.6 مليون برميل بعد تحالف استمر ثلاث سنوات، وترى السعودية أنها تحملت معظم التخفيض في ديسمبر 2019 والبالغ 2.1 مليون برميل يوميا، وهي ليست المرة الأولى التي تدخل المنظمة في حرب أسعار مع الدول المنتجة من خارج أوبك بل هي المرة الثالثة عبر تاريخها كانت المرة الأولى عام 1985 انهارت الأسعار نتيجة زيادة الإنتاج من خارج المنظمة، وكانت حرب الأسعار الثانية عام 2014 حيث أدت الأسعار العالية بين 2011 و 2014 إلى تضخم الإنتاج من خارج أوبك مع تباطؤ الطلب في 2014.
بعد تلاشي الآمال بالتوصل إلى اتفاق بين أوبك وروسيا وبسبب فيروس كورونا فإن الضبابية تصبح أكبر، ما جعل الرئيس الأمريكي يقدم إعانات مالية لشركات النفط الصخري في إطار عملية تحفيز ضخمة للتخفيف من آثار فيروس كرونا في الاقتصاد الأمريكي أوقفت أمريكا بيع الاحتياطي الاستراتيجي النفطي التي أقرها الكونغرس لأمور تتعلق بالموازنة.
الصدمة النفطية السعودية بعدما وجدت السعودية أن المنتجين من خارج أوبك ليسوا حريصين على استقرار أسواق النفط، أظهرت عندها الرياض قوتها الحقيقية في مجال الطاقة انضمت إليها دولة الإمارات واتجهت نحو رفع إنتاجها، جعلت هناك أصوات أميركية تنادي بقيام حكومة ترمب بشراء النفط الرخيص وملئ الاستراتيجي كما تفعل الصين، ما يعني أننا أمام مفترق طرق جديدة في سوق النفط، وهناك رسالة موقعة من 13 عضوا جمهوريا بمجلس الشيوخ في الكونغرس الأمريكي موجهة لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يطلبون فيها تدخل السعودية لوقف انهيار أسعار النفط نشرتها صحيفة بوليتيكون الأميركية حيث أن شركات النفط الصخري زادت من إنتاجها النفطي الصخري في العامين الماضيين بفائض معروض يتجاوز المليوني برميل يوميا، وطالب بعض المعلقين بانضمام شركات النفط الصخري الأميركية أولا إلى أوبك + واتفاقها لتوازن السوق بل تحميل السعودية عبء ضبط العرض والطلب وحدها لكن حتى الآن لا توجد تغيير في السياسة النفطية السعودية التي تصدر عن أرامكو.
السعودية ليست في عجلة من أمرها حيث أنها سارعت إلى زيادة إنتاجها حفاظا على حصصها خصوصا وأن فنزويلا وليبيا والعراق وإيران دول ستزيد من إنتاجها مستقبلا بعد خروجها من أزماتها، وفي نفس الوقت تقوم السعودية باختبار طاقتها الإنتاجية الكاملة خصوصا بعد عودة الإنتاج إلى المنطقة المقسومة.
وهذه المرة لن تكون عودة روسيا بمفردها مرضية للسعودية، فالوضع الحالي يعطي السعودية قوة طاغية يمكن معها تحصيل استحقاقات متأخرة منها مثل إلزام دول في أوبك الالتزام بتخفيض الإنتاج لأن السعودية هدفها الحفاظ على أسعار البرميل عند 60 – 65 دولارا وفقا لاستراتيجية بعيدة المدى للحفاظ على استقرار أسواق النفط وأن يستفيد الجميع.
اتخذت السعودية استراتيجية قوية ولكنها ذكية بعد رفض روسيا الاتفاق بضخ كميات أكبر من النفط وخصم قوي جدا يصل على 8 في المائة من قيمة البرميل لمن يشتري النفط السعودي، ومع هذا بجانب فشل قرار أوبك + وضعف الاقتصاد العالمي بسبب كورونا هبطت السعار 30 في المائة بأعلى هبوط يومي خلال 30 عاما وإن تعافت في الجلسة التالية ارتفع فيها سعر النفط بنحو 8 في المائة، ما يعني أن السعودية تستحوذ على حصة روسيا والولايات المتحدة من السوق مما يعيد السعودية إلى السوق بقوة وعندما تصل الأسعار إلى أقل من 30 دولار للبرميل سيخرج المنافس الأمريكي الصخري ومنها سيسقط أسعار أسهمه.
أيضا لم تتوقع روسيا ما أقدمت عليه السعودية هي الأخرى في مأزق وليست هناك أسباب سياسية بل السعودية تريد روسيا وأمريكا قويتان في سوريا لإخراج إيران وتركيا، قد تكون روسيا انزعجت من كشف السفارة الأميركية في دمشق في فبراير 2020 عن موقف مشترك مع السعودية في دعمها المعارضة وكانت نقاشات بين الجانبين حول الهجوم العسكري ضد إدلب من قبل النظام السوري وإيران وروسيا والبحث عن الحل السياسي في سوريا لتطبيق قرار مجلس الأمن 2245.
روسيا لا تستطيع البقاء في سوق سعر البرميل 30 دولار للبرميل فسيؤثر على خططها التوسعية في سوريا وفي المنطقة خصوصا وأنها تعاني عقوبات أمريكية كما تراهن روسيا على وصول خط أنابيب شرقي سيبيريا والمحيط الهادئ أيبسوا ESPO إلى طاقة تشغيلية كاملة تبلغ 1.6 مليون برميل يوميا، ولن تستطيع روسيا منافسة الدور السعودي في هيمنته على النفط، قد تهيمن روسيا على سوق الغاز، لكنها لن تستطيع الهيمنة أيضا على سوق النفط بسبب أن السعودية تمتلك أوراق أقوى وأوسع من الأوراق التي تمتلكها روسيا.
صحيح أن انخفاض أسعار النفط سيؤثر على إيرادات السعودية لكنها ستعوض هذه الخسائر من خلال زيادة الإنتاج وفي نفس الوقت طلبت خفض الإنفاق الحكومي إلى الربع في كافة القطاعات وتأخير إنجاز بعض المشروعات ريثما تجلس الدول على الطاولة للوصول إلى تفاهمات تصب في مصلحة المنتجين والمستهلكين ولم يكن هدف السعودية إغراق السوق بالنفط الرخيص كما يروج البعض ما جعل وزير الطاقة الروسي يصرح أن بلاده لم تغلق باب المفاوضات لكن السعودية تريد خطوات عملية.
السوق النفطية تعاني انكماش في الطلب وبالتالي زيادة الإنتاج لن تصل إلى المستهلك النهائي بل إلى المخزونات الاستراتيجية رغم أن مستويات المخزونات مرتفعة، ما يعني أن الكل في صناعة النفط يعاني بدلا من ترك طرف واحد يعاني وهي السعودية، ولن تستمر السعودية المرجح بشكل مستمر.
هذه الأجواء ستجبر الجميع إلى إجراء مفاوضات للخروج من هذا المستنقع على أسس مهنية وعلمية عادلة، وكما ترى السعودية أنه لا حاجة لعقد اجتماع لمجموعة أوبك + في الفترة من مايو إلى يونيو 2020 في غياب اتفاق على الإجراءات التي يجب اتخاذها للتعامل مع أثر فيروس كورنا على الطلب والأسعار، ما جعل وزير الطاقة الروسي يصرح أن تخفيضات الأسعار التي قدمتها أرامكو السعودية أدت إلى ذعر في السوق، ما يعني أن الفترة المقبلة القريبة لن تشهد توافقا حتى تعاني الدول ضررا بالغا يجبرها على الجلوس على طاولة المفاوضات للتوصل إلى اتفاق يخدم جميع الأطراف.

لا تعليقات

اترك رد