أنشودة الحياة الجزء العاشر نص مفتوح ماغوط، حزنكَ ينبعُ من آهاتِ البشرِ

 
اللوحة للفنان صبري يوسف

إهداء: إلى روحِ الأديبِ المبدع محمَّد الماغوط

191 … …. ……..
غدرٌ على مدى العمرِ
بكاءٌ لا يفارقُ حتَّى خفايا الحلمِ
غوصٌ مريرٌ في قاعِ الكآباتِ
أينَ المفرُّ مِنْ كآباتِ الغدِ الآتي؟
غدٍ مكتظٍّ بالآهاتِ
مستفحلٍ بجنونِ القارّاتِ

كنّا يوماً أمَّ الحضاراتِ
وها نحنُ نزدادُ توغُّلاً في شُروخِ المتاهاتِ!
قارّات تنطحُ جبينَ العهدِ
عهدِ الطُّفولةِ
عهدِ المحبّةِ
عهدِ بناءِ الإنسانِ
عهدِ الاعوجاجاتِ تفشَّى
في أقدمِ مُدنِ الكونِ
عهدٍ ملفَّحٍ بروثِ البقرِ
أَمَا كانَ عهدُ البداوةِ وركوبِ الخيلِ
أكثرَ صفاءً وأقلَّ ضجراً
مِنْ عُهُودِ غزوِ الفضاءِ؟!

لا أرى على وجهِ الدُّنيا
حضارةً
تناسبُ أبجدياتِ العصرِ
لا أرى سوى غزو براءةِ الأطفالِ
لا أرى سوى دمارٍ
محيقٍ فوقَ جماجمِ الفقراءِ!

وجهٌ مشروخُ الرُّؤيةِ
طفولةٌ خاويةٌ
أمومةٌ معفَّرةٌ بالرَّمادِ
كهولةٌ تقبعُ تحتَ لهيبِ السِّياطِ!

وطنٌ يتأرجحُ على كُفوفِ العفاريتِ
على تسميمِ الهواءِ!

يصنعونَ ملوكاً وسلاطينَ وقادةً
على مقاساتِ حروبهم
فجأةً يملُّونَ مِنَ الملوكِ
ومِنْ تَماثيلهم العالية
يحطِّمون التَّماثيلَ ويعلِّقونَ
مشانقَ قادةٍ مِنْ صُنْعِ أيديهم
يبيدون الأخضرَ واليابسَ
على حسابِ تفاقمِ جوعِ الفقراءِ
يتصارعونَ بكلِّ طيشٍ
على حسابِ جماجمِ الأطفالِ
ينافسُ بعضُهم بعضاً
على تفشِّي نيرانِ الجحيمِ

ماغوط
لغةٌ مِنْ تبرِ النَّيازكِ
مِنْ تبرِ البراري
مِنْ حنينِ الغيومِ
لغةٌ مفهرسةٌ بالأملِ
بحفيفِ أغصانِ التُّوتِ
لغةٌ مستفيضةٌ بعذوبةِ الماءِ!

تنسابُ مثلَ نسائمِ الرَّبيعِ
مثلَ غمائمِ الدِّفءِ الحميمِ
لغةٌ مزدانةٌ برذاذِ الموجِ
تغفو بكلِّ اِنتعاشٍ
بينَ جفونِ المساءِ!

ماغوط يا فارسَ الكلماتِ
يا صديقَ الأزقّة القديمة
يا نبيذاً هائماً بينَ خيوطِ الضّياءِ!

كَمْ مِنْ اللَّيالي نِمْتَ جائعاً
تائهاً بينَ بحورِ الحرفِ
بينَ أركانِ الحرائقِ!
كَمْ مِنَ البردِ
كَمْ مِنَ الأحلامِ
حتّى اِكفهَرَّتْ خدودُ السَّماءِ!

عبَرْتَ عوالمَ الحرفِ
حاملاً مشعلاً مِنْ ذهب
تحرقُ شوائبَ مزدانة بالشَّوكِ
كَمْ مرّةً غفوتَ على أرصفةِ بيروتَ
كَمْ مرّةً اِحتسيتَ خمرةَ الانعتاقِ
مِنْ جلاوزةِ العصرِ!

انعتاقِ الرُّوحِ مِنَ السَّلاسلِ المستكينة
فوقَ رحابِ الحرفِ!
انعتاقِ القلبِ مِنْ لظى النِّيرانِ
المستفحلة في خدودِ الصَّباحِ
انعتاقِ الرُّؤى مِنْ سياطِ السَّلاطينِ
مِنْ بؤرةِ الشُّرورِ
مِنْ علوِّ فقاعاتِ المجانينِ!
اِنعتاقِ الحلمِ
مِنْ هولِ الشَّظايا
مِنْ اِكتظاظِ الطِّينِ
مِنْ خفايا النَّارِ!

اِنعتاقِ الحرفِ مِنْ قبَّعاتِ العَسَسِ
مِنْ قيحِ الشَّرانقِ
مِنْ مستنقعاتِ العارِ!

أيّها الوعلُ الجامحُ
في بحارِ الكلماتِ ..
تنهالُ مثلَ الجمرِ
على بيادرِ الغدرِ
على طيشِ البلداءِ!

تنقشُ حسرةَ العمرِ
فوقَ دربِ الانكسارِ
تزهو الرُّوحُ عالياً
مِنْ ألقِ تجلِّياتِ الشِّعرِ
تسمو فوقَ بخورِ الشُّموعِ
فوقَ أجنحةِ الكبرياءِ!
….. … … … …..!

المقال السابققراءات نقدية وتحديات مستقبلية
المقال التالىالخيانة الزوجية
أديب وتشكيلي سوري، محرّر مجلة السَّلام الدولية، أصدر أكثر من 40 كتابٍ ما بين دواوين شعرية، ومجاميع قصصية، وثلاث روايات، وحوارات ودراسات أدبية ونصوص أدبية ومقالات حول مواضيع عديدة، كما رسم أكثر من 300 لوحة فنية وأقام خمس معارض فردية والعديد من المعارض الجماعية في ستوكهوم، مقيم في السويد ـ ستوكهولم م....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد