القيروان : مرحبا رمضان


 
مرحبا رمضان

بُوركت يا رمضان يا شهر التّوبة والصّيام يا موعد الشّهوة والقيام …رمضان في تونس كما في سائر بلاد العرب والمسلمين وربّما أغلب أقطاب الدّنيا له نكهة خاصّة وأعراف ونواميس..

إذ تستنفر الأرواح باغية ربّها فتتأجّج أفعال الدّين وتنتشر في كلّ مكان فتتربّع المصاحف صدور المقامات وتلهج الحلوق بآي القرآن الكريم بكرة وأصيلا..وتُستقدم السّجّادات بعد راحة الشّتاء هذا إن لم تُقتنى أخرى احتفاء بالتّعبّد في شهر العبادة..

وتضحي الأيادي أكثر سخاءً بمدينة القيروان التي تنتشر فيها المساجد والجوامع وأضرحة الصّالحين والزّوايا والكتاتيب كما لم تنتشر في غيرها من مدن الدّنيا فلا تكاد تعقل مداخلها ولا مخارجها إلاّ وأنت تمرّ بها بعد الإفطار وقد تسابقت إليها السّوق والأرجل لتقيم صلاة التّراويح فتتعالى منها التّمتمات والتّكبيرات وترتيل منغّم للقرآن..

ويميل الرّجال في القيروان إلى أبهى حللهم التّقليدية من جبّة “سواكي” أو “سكرودة” أو”القمراية ” أو”الخمري” أو”الصّوف” أو “الحرير” أو “المَلْف” وغيرها وتتفاوت أقمشتها وفق مقامات أهلها وطبقاتهم ووظائفهم ..

وتمسي كلّ الصّلوات لازمة الحضور بالمسجد الجامع سيما الجامع الكبير جامع عقبة بن نافع ومقام أبي زمعة البلوي والمساجد بالقيروان شديدة الكثرة يعسر عدّها.. وتكثر التّعويذات والتّمائم والأدعية الجهرية ولطيف الأماني فكلّ يأمل “شهيّة طيّبة” لجاره وقريبه وغريبه وغريمه.

elsadaramadantunisone

فشهر رمضان موعد لنثر الخير والتّآزر وصلة ذي القربى وإعالة المسكين ،والتبسّط بالكرم أيّما تبسّط..وتطلى القباب والمساجد وتتجدّد بُسطها وتكثر بها المصاحف ويدخل عليها التّكييف لتتحمّل الجماهير الغفيرة من المصلّين التي ستغصّ بها ويُقام اللّيلُ ويحرص كلّ فرد على ختم القرآن الكريم لمرّة وقد يباهي من ضاعف الختم..
وتلين النّفوس وتلطف الأمزجة ..فيسود الوئام سكّان المدينة إلاّ من خلافات سطحيّة يسهل فكّ الاشتباك فيها باللّين والموعظة الحسنة..

القيروان : مرحبا رمضان

نعم شهر رمضان شهر ازدهار العناية بالعبادات ولطيف المعاملات هذا ما تتوقّف عليه النّظرة العجلى بعد أن تمرّ بالأسواق العبقة بخورا وأصالة.. ولا يفوت الأبكار من العابرات فرصة اقتناء جواهر القيروان من النّحاس وقد حوّلها أهل المهنة في سوق النّحايسية تحفا تزين البيوتات وتكوى بها عيون الأحماء والمنافسات في الزّواج ..

elsadaramadantunisothree

كما أنّهنّ لا يغفلن عن اقتناء قطع الزّرابيّ مفخرة القيروان والقيروانيات ينسجنها نقطة نقطة إلى أن تنتهي مفرشا بديعا منمّقا ينشر للمبجّل من الأضياف والمحتفى بهنّ من فارغات العين و”عجائز السّتوت”..
elsadaramadantunisofour

أمّا حلوى القيروان الشّهيرة في أصقاع البلد كلّه فهي قطع “المقروض” ذائع الصّيت والهدية المشتهاة من كلّ قيرواني وقيروانية .وللمقروض صنوف شتّى تستجيب للرّغبات المختلفة والأهواء جميعها.

elsadaramadantunisofive

ولا يفوت الزوّار المرور بفسقية الأغالبة أحجية القيروان ومعجزتها وقد طفحت بها أمواه كانت ملجأ الأجداد للشّرب وتحدّي جفاف المُناخ الضنّين.
elsadaramadantunisofisix

وتستقرّ بقلب القيروان بئر روطة ذات الجمل الحبيس معصوب العينين يأتي بدوراته السّيزيفية ما لا تأتيه أحرار القوائم فتدلق الجرّة ماءها في أخرى حول إسطوانة عظيمة إلى أن يؤول الماء عذبا إلى السطح في متناول الضمآن يرويه وينعشه..
elsadaramadantunisofiseven

لكن يكمن خلف هذا المظهر مخابر ومخابر ،سنحاول أن نجلو بعضها في حلقاتنا القادمة…

المقال السابققطايف مسلاسلات رمضان
المقال التالىانفصال روحي
عمار التيمومي : ولد في 05 مارس 1969 بنصرالله. وهوأصيل بني جلاص يسكن بمنزل المهيري-القيروان أستاذ أول مميّز درجة استثنائية للتعليم الثّانوي حاصل على الأستاذية من كلّية الآداب بمنّوبة والماجستير من كلّية الآداب بالقيروان بتقدير حسن جدّا. ويعدّ رسالة دكتوراه في الخَطابة بكلية العلوم الإنسانية والاج....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد