فايروس الكورونا هو درس للبشرية

 

لقد غيّر الكورونا هذا الفايروس الصغير الذي يبلغ قطر الخلية 400 – 500 مايكرو نظرتنا للعالم، حيث أثبت بأن العالم مليء بالأسرار أظهر هذا للبشرية : كيف يطوي صفحات حياة البشر بثواني ، بما لديهم من حضارات بطولها وعرضها. فهو يتمكن، عبر تدخله بتفاصيل بسيطة تكاد لا تساوي شيئاً، من جعل البشر كالعصف المأكول والأوراق المهملة ورميهم جانباً وكأنهم ليسوا شيئا مذكوراً
على الإنسان أن يتعلم بأن هذا العالم مفعمٌ بالأسرار الكثيرة وأنه يسير في غار كبير ذي ألف باب وباب وباب ، يخرج من كل باب سراً من اسرار الكون يسير نحو غاية وساحل مقصود. لقد دلّ فايروس الكورونا أيضاً بأن المادة والمعنى مندمجان معا في هذا العالم الفسيح الروح والجسم متعانقان سوياً كما أن روحك القيمة متوقفة على جسم رخيص وبسيط كالفايروس الكورونا، ما يعلّمنا جيداَ بأن حراسة الروح رهن بالمحافظة على طهارة الجسد وحماية اجسدنا والمحافظة عليه .

لقد أحدث هذا الفايروس الكورونا تحولاً في علم المعرفة حيث أثبت أن هناك وقائع موجودة بالفعل في هذا العالم لا يمكن تجاهلها والمرور بها مرور الكرام ابدا ، بل يجب الوقوف عندها بتواضع وخشوع. ليأتوا ويروا بأن ليس كل شيء صنيعة أذهاننا، بل توجد وقائع اكبر واعظم تغلق علينا الطريق وتجبرنا على التعرف إليها. نعم، هو ذهننا المبدع من يجب عليه أن يخيط ثوباً لائقاً بقامة هذه الواقعيات، ولكنّه ليس ثوباً للا أحد وللاشيء!
نحن أسمينا هذا الفايروس الجميل والبديع
حيث قلب هذا الفايروس البديع القيم والأخلاق رأساً على عقب الكورونا داع عظيم للمساواة. لقد وضع مساواة البشر أمام أعيننا؛ الموت للجميع وبرهن الكورونا بأن الجميع متساوون أمام قانونه ولا تمايز لأحد على أحد؛ الحبر الأعظم كأبسط الرعية. يصرع الملك الظالم على الأرض نفسها التي عاش عليها المتسول ردحاً من الزمن الى زمن .
والأسمى من طلب المساواة هذا، لقد حوّل الكورونا الـ أنا إلى الـ نحن ودلّ بشكل قاطع بأن الناس ليسوا متساوين فقط، بل مندمجين معاً وأن مصير كل إنسان متداخل مع الإنسان الآخر في نسيج منسجم .وليس الأمر بأنّه إن استطاع أحد أو جمع ما أن يقلع شوكه بيده، سيتمكن من النجاة بنفسه ويأوي الى ركن شديد ويعيش حياته هانئاً في فقاعته المستقلة وجزيزته المعزولة فكلمته للبشرية: إمّا أن تعيشوا معاً أو تموتوا معاً! هذا درس الكورونا العظيم والجميل ، وبهذا الدرس يضع في أيدينا المفتاح الذهبي للأخلاق والقيم للبشرية : الإنتصار على محورية الأنا والأنانية والغدر والخيانة والظلم والجبروت ، ليكون نهاية هذا الدرس هو ((أحبب لغيرك ما تحب لنفسك، واكره له ما تكره لها)).

وأخيراً وليس اخرا ، يجب الإقرار بأن الكورونا هو مربي للبشرية ؛ يقبض قبضتك بقبضته ويرميك أرضاً لتقوم وتنهض صانعاً من الضعف قوّة ! يصيبك بمصيبته عدّة أيّام لتقاومه وتواجهه، تكتشف بهذه المعركة قدراتك الكبرى المجهولة ، سيرحل الكورونا ويعود ليدفن في التراب لتعيد إنتاج قوّتك وطاقتك المتجددة. فكانت هذه حيلته من الاول لتحقق رشدك وتكاملك . وهو سيعود في يوم من الأيام ليهاجمك باسم آخر وشكل آخر وقوة اكبر من الان ؛ يعود ليكسر هذا غرورك ويكسر جبروتك ، ليحطّم هذه القدرة الوهمية ويستخرج قدرتك الحقيقية من وجودك الحقيقي. فنعم هذا الفايروس المربي والصانع والمعلم فقد علم ويعلم درسا للبشرية على ضعفهم امام خلق الله سبحانه وتعالى .

المقال السابقالكورونا على اجنحة الفراشة
المقال التالى” كونتاجيون ” أو ” العدوى ” /2011
ايناس ليث علي.. ماجستير هندسة مواد – جامعة بابل اللغات الإنجليزية وكورية و العربية الاهتمامات قراءة كتب , وكتابة مقالات وروايات من كتاباتي 1- اطفال وجدت نفسها في الشوارع , فاين انسانيتك يا ابن ادم 2- عاشوراء الحسين (ع) هي ثورة خالدة و صرخة الحق ومدرسة للتضحية 3- الصمت في حياتنا 4- كن....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد