الإصغاء إلى الكلمة سبيل لاسترداد الذّات

 

“القصيدة الّتي لا تكتب شاعرها لا تستطيع الإنجاب” (الشّاعر التّونسيّ يوسف الهمّامّي)
فهل كتبت القصيدة الشّاعر محسن العبيدي لتنجب ديواناً صيغ بحبر الوجع. وهو غير ذلك الّذي يبتغي الازدياد من الحزن والأسى، وإنّما هو الوجع الّذي أنضجته التّجربة والذّكرى والحنين. فأتى نشيداً تصاعدت نغماته بما توافق وانفعالات الشّاعر، وانسكبت في قالب شعريّ وظّف فيه الشّاعر أشكال الشّعر المتنوّعة. كما عبّر عن اتّساع معرفيّ دعمته الصّور الأدبيّة المختلفة. لتجتمع في النّشيد أصوات الشّاعر المتماهيّة في عمقه.
ينشد الشّاعر القصيدة الّتي كتَبتْه، ولكنّه يحتاج أن يغترب ليصغيَ إلى الكلمة، ويستردّ منها ما ضاع منه، وتاه عنه. ولتتآلف في الشّعر كلّ العناصر الكونيّة لتبني أنشودة تلتحم فيها أشكال الوجع/ الهمّ الإنسانيّ فتبلسم من جهة ألم الشّاعر، وتداوي من جهة أخرى وجع الإنسان. (سأغْفُو طويلا لكيْ أسْتردّ الكلام).
يتماهى الشّاعر وقصائده حدّ الالتحام، فتطوّعه ويطوّعها، تكتبه ويكتبها، ويتداخل الإحساس الشّعريّ المتدفّق في قلبه حتّى يتجلّى النّشيد مبدّلاً أمل الشّاعر في مداواة الوجع الإنسانيّ ليبقى عند حافّة الجماليّات الشّعريّة. فلعلّ الهمّ الإنسانيّ أقوى من الجمال، والوجع أقسى من أن يقاومه الشّعر:
وحين بدأتُ أُغنِّي.. تغيّر لوْنُ الكلام وشكْلُ الكلام..
وكان المساء ثقيلاً يمرُّ .. وكنتُ وَعَدْتُ نديمي بأنْ أُولج ليْل الضّياع بفجر عسيرْ ..
وكنتُ أفتِّشُ عن أهلنا إذْ يُسَاوون بين الرّغيف وبين القصيد وبين العبيرْ .
يتثاقل وجع الشّاعر إذ يتأمّله في كلّ حدث ماضٍ وحاضر، فيكون امتداداً لأوجاع شتّى تتغلغل في الدّيوان لتوقظ الألم المعشّش في النّفس لحال الوطن الأمّ، والوطن ككلّ، ويجنح إلى التّعبير عن يأس وسأم من النّفاق والتّظاهر والادّعاءات الكاذبة. بل يذهب الشّاعر إلى وخز الضّمير الإنسانيّ المنقاد إلى استسلامه، وخنوعه، وتشبّثه بعبوديّته.
سيَحْيَ فوْق جمَاجِمكم
يُعبِّد لكُم طُرُق التدنِّي والخَرابْ
كمْ تلذذ بالوَضَاعَةِ والخُضُوع
الآن..
أرَى بيْن جمَاجِمِكُم شيْخًا
يَلْتَفُّ بالنذالةِ ..
يشْهَقُ ..
“يحْيَ المَلكْ …”
ولعلّ الوجع الأكبر هو ذاك الّذي يسكبه الحبّ في القلب، فيرنو الشّاعر إليه كحالة إنسانيّة اجتمعت فيها كلّ الآلام الّتي تتمرّس في الإنسان حتّى تصل به إلى الموت. فإمّا يموت حبّاً وإمّا يموت حزناً.
“الغدر يجرحنا والدّمع يفضحُنا
والهمُّ يلفحُنا لوْ مرّ أبْكانا
يا آل عيسى لماذا الحبُّ يقتُلنا
لما نُحبُّ نعيش الدّهر إدْمانا
هذا الشِّتاء يعود العشق يغمُرنا
كالثّلج حينًا وكالنِّيران أحيانا”
يتصاعد الوجع ليقود الشّاعر إلى غربة شبه تامّة، ينفصل فيها عن الواقع إمّا هروباً وإمّا تأمّلاً بالأسقام المحيطة. هي ليست غربة اختياريّة بل قسريّة، أي أنّه أُبعد عنوة عن الواقع بفعل الحزن والألم، ويلجأ للوحدة والغربة غارقاً في المزيد من الأسى والوحدة. ليكون الشّاعر الحامل الوعي الموجع الّذي يحفر في النّفس عميقاً. تجرّه الأحزان بأغلالها السّقيمة.
إذا كانت القصيدة قد كتبت شاعرنا، فالوجع كذلك خطّه شعراً على صفحات الألم الإنسانيّ، واصطفاه صوتاً يرتدّ في العمق الإنسانيّ ليعبّر عنه، ويجسّد همومه وهواجسه دون أن يمدّ له العون. فالقصيد وخز يحرّك في النّفس مياهاً راكدة. بيد أنّه على القارئ أن يقترب من عالم الشّاعر ليعيَ كيفيّة النّهوض من الوجع ليبحث عن سبل النّجاة.

لا تعليقات

اترك رد