ورم مشاكس يؤنس وحدتي – 3

 

في مرقدي، وبينما أُروِّض ألمي، يأخذني السير لأماكن بعيدة لم تطأها قدماي، وربما لم أُشاهد لها صورة على شاشة موبايل أو صفحة مجلة.. أسير تحت أشجار الكوكا فى جبال الأنديز. أُمدِّد جسدي على العُشب في ظل شجرة، تتساقط الأوراق على وجهي، أُجرِّب أن أمضغها فيقل الألم، ويطيب لي المقام في بلاد بعيدة، ومن أقصى الجنوب الأمريكي أطير إلى وسط آسيا، حيث مساحات شاسعة من الزهور متعددة الألوان: الأبيض، والأحمر، والأصفر.
أبحث عن زهرة لم تتفتح، يسبقني لواحدة ولد صغير حافي القدمين لم يتجاوز العاشرة، وبسكِّين حادَّة يجرح جدار الزهرة الخارجى فيسيل دمها أبيضَ كثيفًا لزجًا، ويتحوَّل بمرور الساعات للَّونين: البُني والعسلي الغامق.
مركب مثل الصمغ يجمعه الفلاحون الفارُّون من مطاردة ومداهمات الشرطة، حيث تُحرم زراعة الخشخاش لغير أغراض الأبحاث الطبية والصناعات الدوائية، لكنَّ الفلاحين الفقراء الذين لا يعرفون غير هذه الزراعة سيُاوغون من أجل لقمة العيش ومن أجل الكسوة، لن يطمع الصغير المُرافق لي في حذاء، فهذه رفاهية لا يملكها أبناء النسيان.. يمكن للجميع أن يُدين كل ما هو غير مشروع.. كل ما هو غير قانوني.. لكنني الفرد الوحيد في مُعاناته وألمه سأُؤيِّد الخشخاش.. الأفيون.. المورفين.. أية مادة تكون حليفي وسوطي الذي أُروِّض به ألمي.
رحلة الخشخاش من نبات سرِّي إلى نبات مُحرَّم إلى لاصقة طبية بنسب مُقنَّنة مُصرَّح باستخدامها تحت الإشراف الطبي، ليست بالرحلة السهلة.. إنها دروب سار فيها كيميائيون وعلماء لفصل المادة الفعالة من نبات الخشخاش.. مدينةٌ أنا بلحظات سكينتي للصيدلي الألماني فريدريك سورتونر الذي اكتشف المورفين عام ١٨٠٤ ، وأطلق على المادة المستخلصة «مورفيوم » نسبة إلى «مورفيوس » إله الأحلام، أحد أبناء «هيبنوس » إله النوم في الأساطير الإغريقية.. «مورفيوس » و «هيبنوس ..» أجمل الأسماء التي أترنَّم بها بين يقظتي ونومي.. في الحالة التي أصبحت فيها شجرة جافة تنتظر الشمس، مجرد جسد يرتد لاحتياجاته البدائية؛
الطعام، الإخراج، النوم.
عندما أسترد عافيتي سأسافر لكوكب عطارد.. لن أغيب كثيرًا، فقط سأعود بأحسن وأطعم بطاطس مقلية تذوقها إنسان.. منذ أن أصبحت ماهرة في الطبخ وظهرت كراماتي في المعجنات والمكرونات غير اللحوم والبانيهات، وأنا أنصح أخواتي وصديقاتي المقربات بأن أفضل بطاطس مقلية هي التي تُقلى مرتين: المرة الأولى على نار هادئة، والثانية على نار حامية، وهي الطريقة التي بفضلها تتكون القشرة الخارجية المقرمشة
سريعًا فتحبس بخار الماء داخل إصبع البطاطس، وبفعل سخونة البخار يتحول قلب البطاطس لمخفوق زبدي هش.. لكن لا شيء في هذا العالم منذ أصبحت لاصقة «دروجيسيك »٥٠ لا تُشبع ألمي. صار يتم ببساطة أو يُسر، كل حركة شهيق وزفير تحتاج لمواءمة وضبط، رفَّة جفني: عملية ميكانيكية وعضلية وعصبية مُعقَّدة.. صارت نصيحتي مجرد طنطنة وتبسيط مُخلٍّ لما يحدث في عالم البطاطس المقلية. كل الأمور أصبحت مُعقَّدة، متداخلة، لا شيء يخضع للصدفة؛ حتى البطاطس المقلية التي
أحبها، ولا أستطيع تناولها، صارت الآن عالمًا.. دُنيا.. كونًا عليَّ أن أعرف قواعده وقوانينه، ليس مجرد أن نمسك سكِّينًا.. نقشر.. هوبَّا.. ويا لَّ.
الحصول على أصابع البطاطس المثالية التي تجمع بين قشرة خارجية ذهبية رقيقة، وحشوة داخلية ساخنة ذائبة، يتطلب معادلات واختبارات علماء في المعامل، وليس مجرد اجتهاد طباخين مهرة، وهناك علماء كيمياء يكرسون حياتهم لبحث ودراسة العوامل المختلفة التي تؤثر على سرعة أو بُطء التخلص من بخار الماء لإعطاء البطاطس المقلية هذه القرمشة الخارجية والذوبان الداخلي.. جامعات عريقة في أمريكا وأوروبا تُواصل
الليل بالنهار لدراسة الأمر.. نظريات، وأجهزة طرد مركزي، وموازينحرارة، كلها تعمل من أجل الحصول على أحسن بطاطس مقلية..والخلاصة الصادمة لعشاق «البوم فريت » أن كوكب الأرض ليس هوالمكان الأفضل في هذا الكون لقلي البطاطس، وأن البطاطس تُطهى بشكل أفضل في ظل جاذبية تساوي ثلاث مرات جاذبية كوكب الأرض، وهي بيئة مشابهة لتلك المتوفرة على سطح كوكب عطارد.. فمن يرغب في السفر لجبال الأنديز أو سهول الأفغان أو الكوكب الأحمر والعودة بأوراق صغيرة طرفية مستطيلة وزهور خضراء غير ناضجة وكيس بوم فريت.. ليُهديها لشجرة جافة تنتظر الشمس؟

المقال السابقالإصغاء إلى الكلمة سبيل لاسترداد الذّات
المقال التالىاستطرادات ذاتية
صفاء عبد المقصود النجار .. كاتبة مصرية. المؤهلات الأكاديمية: حاصلة على الدكتوراه من كلية الإعلام (6 201)– جامعة القاهرة موضوع الرسالة:" صورة رئيس الدولة في السينما الروائية" دراسة مقارنة بين السينما الروائية الأمريكية والمصرية في الفترة من 1990- 2010. حاصلة على ماجستير إعلام (2011) - قس....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد