كيف نلهم أطفالنا؟

 

الأطفال جسر مودة بين الماضي والمستقبل .نعلمهم في سنواتهم الأولى مفردات الحياة ونربيهم وندعمهم في حالات الشدة ونلهمهم فيكبرون وينطلقون في الحياة لتحقيق ما يحلمون به . وإنه لشرف عظيم وواجب مقدس أن تكون والدا مثاليا تواجه تحديات الحياة ومنزلقاتها في سبيل تربية أطفال أصحاء وسعداء ومستقلين يعتمدون على أنفسهم في تصريف شؤون حياتهم .

تحمل كلمة ” إلهام ” معان كثيرة من التشجيع والتحفيز والقدوة ولكن إحدى معانيها الفريدة ” استنشاق الحياة ” ، وعندما نلهم الأطفال فإننا نمنحهم الحياة بمعناها الواسع ونبث المعنى في حياتهم ، ونفتح أعينهم على امكانيات جديدة وطرق جديدة للتفكير والشعور .

هناك العديد من الأساليب التي يمكن أن نتبعها في إلهام أطفالنا لتحقيق أفضل ما يطمحون إليه والاندماج في الحياة وتحقيق السعادة والإثارة والحبور في تفاصيل حياتهم اليومية منها :

1- أن تكون قدوة حسنة : من الضروري أن يفهم الوالدان أنهما بصفتهما أبا وأما يجب أن يضعا علامة محددة لتصرفاتهما في الحياة وأن يحددا معتقداتهما وكيف يتفوقا وما هي نقاط ضعفهما في نظرة ثاقبة للأمور حتى يتعاملا مع الحياة . عليهما أن يواجها صعود وهبوط الحياة بنفس العزيمة والأخلاق والأساليب والتربية . وعليهما أن يتعلما كيف يتعاملا مع تقلبات الحياة وحالات الفوضى كما عليهما أن يتعلما مهارات التأقلم للتغلب عليها لأن التعامل مع الأطفال أكبر بكثير مما نواجهه في الواقع . قد يجد الوالد نفسه في حالة تنافس مع طفل على الوقت والجهد وفي هذه الحالة نسأل أنفسنا:

من الذي يأتي أولا؟ مشكلة الوالد واهتماماته أم مشكلة الطفل واهتماماته؟

على الوالدين يكونا مثالا يحتذى به وقدوة حسنة وجيدة وعليهما الاهتمام بما يحدث مع أطفالهم ناحية الحاجات الضرورية والرفاهية . عليهم أن يتعلموا كيف يديرون حياتهم وكيف تواجهون الحياة وعليهم أن يتذكروا أن الأطفال يراقبون تصرفات الأهل على مدار الساعة ويتعلمون من تصرفاتهم الكثير ويدخلون لا وعي الطفل في كل تصرف يقومون به أمام أطفالهم .

2- التعامل مع الأطفال كأفراد منفصلين عنك : كتب جبران خليل جبران يوما “أولادكم ليسوا لكم ، أولادكم أبناء الحياة والحياة لا تقيم في منازل الأمس… إنهم أبناء وبنات شوق الحياة لنفسها يأتون من خلالكم ولكن ليسوا منكم وعلى الرغم من أنهم معكم إلا أنهم لا ينتمون إليكم “. ويقول الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ” إذا كبر أبناؤكم خاووهم ” . في كثير من الأحيان يرى الآباء أطفالهم على أنهم امتداد لأنفسهم بوصفهم أشخاصا صغارا لا كأفراد منفصلين ويشعر العديد من الأهل أنهم يمتلكون أطفالهم وأن الأهل لهم فضل كبير في حياتهم على أولادهم ويشعر بعض الأهل أنهم يمتلكون قوة التأثير على أطفالهم وتوجيههم الوجهة التي يريدون بغض النظر عن مصلحة الأولاد في ذلك . هناك من يفكر عن أطفاله ويحب عنهم ويتزوج عنهم ويطلق عنهم . وفي حال قرر الطفل التمرد على الأهل ينظر إليه على أنه جحود وصعب المراس وقليل الاحترام وقد يصبح التعارض والتناقض بين الأولاد وأهلهم مسألة عادية تتكرر كل يوم .

على الأهل أن يدركوا أن أطفالهم قطعة منهم ومن قلوبهم ولكن هذه الفرضية غير دقيقة ولا يجب النظر إلى المسألة من هذه الزاوية . إن الثقافة والرؤية التي يمتلكها الطفل تختلف تماما عن الثقافة والرؤية التي يمتلكها الأهل وما على الأهل إلا أن يقدموا الاعتراف لطفلهم بأنه صاحب هوية وثقافة ورؤية مختلفة عنهم وعليهم التعايش مع هذه الحقيقة .

3- على الأهل اظهار المودة والاحترام لأطفالهم عن طريق اللمس الذي يعد أمرا أساسيا للإنسان والحيوان في وقت واحد .العناق والضحك والحب والمزاح بين الأهل وأطفالهم أمر ضروري يتوق إليه الكثير من الأطفال . يمنح اللمس شعورا بالراحة والتهدئة والعناية في عالم مزدحم بالتصنع كما يجب اظهار المودة للزوجة والوالدين والأصدقاء حتى يلمس الأطفال بأم العين طريقة التواصل التي تقوم بها وينقلونها لأولادهم . على الوالدين أن

يشعرا طفلهما بالحب المستدام وعليهما أن يكررا على مسامع الطفل عبارة أنا أحبك كثيرا .

4- على الأهل توخي الدقة والحذر عند اظهار ردود الفعل تجاه المواقف العامة أمام الأطفال . يمتص الطفل ردود فعل الأهل تجاه المواقف السياسية والاقتصادية والثقافية والدينية ويتبناها نهجا في الحياة . قد تكون ردة فعل الأهل انفعالية تجاه العديد من المواقف ومؤقتة ولا تعبر عن وجهة نظرهم الحقيقة وعندما يتراجعون عنها أمام الطفل يشعر بالحيرة والغضب والخيبة من الأهل . على الأهل الصبر والتدرب على ضبط النفس والتوازن في التعبير عنم مواقفهم أمام أطفالهم .

5- على الأهل امتداح الطفل من حين لآخر .المديح المتوازن نوع من المكافأة للطفل يتمناها ويشعر تجاهها بالكثير من الامتنان . إن مدح الطفل يعني أن الأهل يحملون الطفل مسؤولية ما يفعله ويعزز لديه الشعور بالثقة الداخلية والثقة المتبادلة مع الأهل . المديح نوع من الاعتراف بشخصية الطفل وكينونته وتشجعه على تنمية حسن المبادرة والابداع لديه .

6- على الأهل تنمية الحس الانساني لدى أطفالهم : الاحساس الإنساني يجنب الطفل الوقوع في الأخطاء ويساعده على الاعتراف بخطئه ومحاولة تصحيحه وتجنب الوقوع فيه مرة ثانية . يساعد الحس الإنساني في الاعتراف بأخطاء الإنسان وهفواته باعتبارها جزءا من النسيج الإنساني. الحس الانساني نواة للتوجه نحو الآخر والإحساس بمشكلته ومساعدته في ايجاد الحلول لها . على الأهل أن يزيلوا منن عقول أطفالهم فكرة أن الأهل مثاليون في كل تصرفاتهم وأنهم لا يخطئون أبدا وعليهم أن يوطنوا في عقولهم فكرة أن الإنسان الذي يعمل لا بد أن يخطئ وأن الخطأ يمكن أن يصحح .

7- على الأهل أن يمنحوا أطفالهم فرصة للتعبير عن أنفسهم وتحمل المسؤولية : يجب أن يكف الأهل عن لعب دور الخصاء تجاه أطفالهم لأن عوالمهم تختلف عن عوالم الأهل . يحاول الكثير من الأهل منع الأطفال من ارتكاب

الأطفال أو الفشل في المهمات ويحبون عنهم ويفكرون عنهم وهذا التصرف مؤلم جدا للطفل في عوالمه الخاصة الضيقة . الأطفال ليسوا امتداد للأهل في أي حال من الأحوال. إن بناء أجواء الثقة والتشجيع والدعم والمساندة خارج اطار الخوف تمنح الطفل الفرصة لتحمل المسؤولية وتمنحهم الأدوات اللازمة لمواجهة الحياة بثقة كبيرة.

8- على الأهل خلق فرص للعمل جنبا إلى جنب مع الطفل : ويظهر ذلك من خلال بذل الجهد لإنشاء مشروع مشترك يسمح للطفل بالتدرب على الإدارة وتعلم كيف تدار الأمور بالقدوة . يمكن للأهل مراقبة مدى التقدم والإنجاز في العمل . قد تكون سياسة الخطوة خطوة من السياسات الناجحة في دمج الطفل بالمجتمع وتدريبه على تحمل المسؤولية وخوض غمار الحياة .

9- على الأهل أن يدخلوا في قواميس حياتهم عبارات هامة مثل ” من فضلك ” و”شكرا لك” و” أنا آسف” . تساعد هذه التعابير في خلق مناخ من الاهتمام المتبادل والرحمة بين الناس . إن إشعار الطفل بالاعتراف والمودة والرحمة ركن أساسي في خلق الشخصية المتوازنة القادرة على تحمل المسؤولية.

10- على الأهل فتح عيني الطفل وعقله ومداركه لمناطق جديدة لم يكن يعرفها من قبل . ويبدأ ذلك من خلال رحلة إلى خارج المنطقة التي تقيم فيها العائلة ثم خلق تحديات جديدة يشارك الطفل في حلها . على الأهل تعليم الطفل الاختلاف وأن الاختلاف مظهر حضاري يجمّل الحياة ويزينها وأن الاختلاف مفيد لأنه يظهر جمال الرأي والرأي الآخر . يقول أحد الحكماء : ” أنا لست بديلا عنك ، أنا إضافة إليك .”

المقال السابقالبراءة
المقال التالىكتاب الكورونا,كتاب الأسئلة
محمد عبد الكريم يوسف (1965-) مواليد قرفيص/ سورية . مدرب ومترجم وأكاديمي و محاضر في الجامعات السورية رئيس قسم الترجمة سابقا في الشركة السورية لنقل النفط رئيس دائرة العقود والمشتريات الخارجية سابقا في الشركة السورية لنقل النفط رئيس دائرة التنمية الإدارية في الشركة السورية لنقل النفط سابقا . كاتب في ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد