سد النهضة … والخيارات الحرجة أمام مصر

 

استثمرت أثيوبيا ثورة يناير 2011 في مصر وأعلنت عن تدشين مشروع بناء السد في منطقة بني شنغول على الحدود السودانية، ليكون أكبر سد مولد للطاقة الكهرومائية في أفريقيا دون إخطار مسبق لمصر.

مما تسبب في حالة غضب في مصر، فتم الاتفاق على تشكيل لجنة دولية تدرس آثار السد على مصر، وبدأت لجنة في 2012 مكونة من 10 خبراء من الدول الثلاثة، وفي مايو 2013 رفضت مصر تشكيل لجنة فنية دون خبراء أجانب، وفي مارس 2015 وقع الرئيس المصري والأثيوبي في الخرطوم وثيقة إعلان مبادئ، وتم تكليف مكتب فرنسي بي أر إل لتنفيذ الدراسات وتحديد مدة زمنية لتنفيذ الدراسات، وفي ديسمبر 2017 اقترحت مصر على أثيوبيا مشاركة البنك الدولي لكن رفضت أثيوبيا.

تعهد رئيس وزراء إثيوبيا أبي أحمد في سبتمبر 2018 شفهيا في القاهرة بأن بلاده لن تلحق ضررا بالشعب المصري، لكن في سبتمبر 2018 وزراء ري البلدان الثلاثة يعلنون عن عدم التوصل لنتائج جديدة وإرجاء المفاوضات، وفي أكتوبر 2019 أعلن الرئيس المصري التزام الدولة المصرية بحماية الحقوق المائية المصرية واتخاذ ما يلزم من الإجراءات، وفي المقابل رد الرئيس الثيوبي في خطابه في البرلمان الأثيوبي من أنه يستطيع حشد الملايين على الحدود وفي حالة حدوث حرب من أنه لا توجد قوة تستطيع منع بلاده من بناء السد.

وفي أكتوبر 2019 عرضت موسكو وساطتها واتفق الرئيسان المصري والأثيوبي في ستوتشي الروسية على استئناف المفاوضات، ما جعل واشنطن تدخل على خط الأزمة في نوفمبر 2019 واستضافت الأطراف الثلاثة، انتهى الاجتماع في 15 يناير 2020 إلى توافق مبدئي لكن تغيبت أثيوبيا في 28 فبراير 2020 لتوقيع الاتفاق النهائي ما يعيد الأزمة إلى نقطة الصفر رغم أن واشنطن لوحت بمزايا اقتصادية لحل أزمة سد النهضة.

تعد تعبئة خزان السد الذي يصل قدرته الاستيعابية إلى 74 مليون متر مكعب من المياه بين أبرز النقاط الخلافية، خاصة في قواعد ملء الخزان في وقت الجفاف والجفاف الطويل، حيث وافقت مصر على فكرة الملء الأول الذي يستغرق عامين ثم بقية مراحل الملء التي تستغرق أربع سنوات وفق جدول مرفق لكن مع مراعاة

ظروف الجفاف، حيث تشير تقديرات إلى إمكانية نقص الموارد المائية في مصر بنسبة 25 في المائة وتراجع إنتاج الطاقة الكهربائية بنسبة تصل إلى 30 في المائة في حالة تبني إثيوبيا سيناريو ملء الخزان خلال فترة 5-7 سنوات.

حصلت إثيوبيا على بناء السد بسعته الكبيرة، لكنها تعتبر النيل الأزرق الرافد الرئيسي لمياه النيل الذي يجري في مصر ويعتبر خطا أحمر للمفاوض المصري الذي لا يمكنه التخلي عن موارد الشعب من المياه، خصوصا مع النمو المتزايد للسكان انخفض نصيب الفرد من مياه النيل إلى 570م مكعب في العام.

لكن الموقف الأثيوبي أظهر للعالم أنها لا تتعامل مع الموقف من أجل توليد الطاقة الكهرومائية بل تتعامل وفق أنها مالكة للنهر الأزرق الذي يمول مياه نهر النيل في مصر بأكثر من 80 في المائة، واللجوء إلى الخطاب الشعبوي ترى أن السد بصفته عاملا موحدا لمواطنيها الذين يعانون من صراعات إثنية وسياسية، لكن مصر تتعامل وفق نهج التعاون واقتسام المصالح والتشارك في التنمية، لكن الرؤية الضيقة لن تبني أمما مزدهرة، فالتنمية لا تتعارض مع حقوق الشعوب في الحياة، وكذلك التعنت الإثيوبي في التفاوض بشأن ملء السد لا يتسق مع الروح التاريخية التي تربط القاهرة بأديس أبابا، فليس من مصلحة إثيوبيا أن تضع السد أمام الجانب المصري والعربي والدولي.

مما دفع مصر نحو التحشيد العربي والأوربي والعالمي، خصوصا وأن مصر استطاعت الحصول على ثقة البنك الدولي والولايات المتحدة بعد توقيعها بالأحرف الأولى على مسودة الاتفاق الأميركي، وتعتبر التعنت الإثيوبي ورقة رابحة في يدها، يمكن استخدامها كتبرير لأي إجراء مستقبلي تعتزم مصر القيام به في حالة فشل الجهود الدولية، والحلول السياسية والقانونية قبل الحديث عن خيارات خشنة، وتعتبر مصر أن حصة مصر تحميها كثير من الاتفاقيات والمواثيق الدولية، ويعد نهر النيل نهرا دوليا يمر ب11 دولة، ما يجعل استغلال مياهه مشروط بمصالح باقي الدول، فاتفاقية عام 1929 أعطت مصر 55.5 مليار متر مكعب من المياه، وكذلك اتفاقية عام 1959 التي تم توقيعها في القاهرة بين دول الحوض لزيادة حصة مصر من المياه.

مصر ملتزمة بكل الإجراءات الدبلوماسية للحفاظ على حقوقها نافية احتمالية استخدام القوة التي يحاول الكثيرون توريطها في استخدام القوة العسكرية رغم أنها

أحد الخيارات، حيث أن المفاوضات تنجح في علاج 90 في المائة من النزاعات الدولية يليها تدخل القوى الإقليمية، ثم التحكيم أو القضاء الدولي الذي يصدر حكما نهائيا ملزما للأطراف.

لكن من له مصلحة في عدم تحقيق هذا الاتفاق؟ بالطبع هناك ترتيبات في منطقة القرن الأفريقي وحدوث مصالحات لحماية الأمن الإقليمي من إيران وتركيا، فلكلا الطرفين لهما مصلحة في تعطيل الاتفاق وإشغال مصر عن القضية الليبية التي تحرص تركيا التدخل فيها لتوسيع دائرة نفوذها، هذا من جانب والجانب الآخر ضرب الترتيبات في منطقة القرن الأفريقي التي تقودها السعودية ومصر، فحينما تقف دول الخليج بجانب مصر سيضرب الترتيبات التي قادتها السعودية بين الدول المتشاطئة على البحر الأحمر.

ومنطقة القرن الأفريقي تعاني هشاشة أمنية ولا تتحمل أي أزمات إقليمية، كما أن إثيوبيا لديها أزمات داخلية، ورسميا ترفض مصر الحديث عن أي خيار عسكري للتعامل مع النزاع، بل إنها وجهت اللوم إلى أبي أحمد عندما تحدث في أكتوبر 2019 عن استعداد بلاده لحشد الملايين للدفاع عن السد في مواجهة أي حرب الأمر الذي جعله يقدم توضيحا من أن حديثه فهم على وجه خاطئ، لكن اجتماع الرئيسي السيسي مع كبار الضباط المصريين يؤكد استعداد مصر للدفاع عن حقوها المائية خصوصا إذا تعرضت للجفاف.

لا تعليقات

اترك رد