سيمياء اللثام والكمامة التحول الدلالي في الثقافة العراقية

 

قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ

طه: 18

هناك علامات تخترق حياتنا اليومية ثم تتحول الى ظاهرة تغطي طقوسنا وتتغذى على حدث يقرر هويتها شكلا ومعنى ، ثم تترسخ في الاستعمال لتستقر في سلوكياتنا اليومية واحدة من الاعلانات الاجتماعية العامة ، سياسية او نفسية ، تعتمد على اللباس الذي تلبسه الثقافة ، فبين العالم وبيننا تدخل الثقافة لغة من الاشارات, تؤثر فيها مرجعيات الزمان والمكان ثم تتحول هذه الاشارات الى موضة تجعلنا نفكر بالحدث الاجتماعي المؤسس لها وبالظاهرة الجمعية التي تحدد المسببات ، الجمهور المستخدم و طرائق الانتشار ..الخ .

سيمياء ( اللثام )

هناك ملابس بلا غاية واخرى تسبقها عمليات اعداد ، الاولى ملابسنا الحقيقية ثم الملابس القصدية والموصوفة.

اللثام عبر تاريخه منظومة علامات ، لكل قوم او فئة استخدامه خاص ، قبائل الطوارق ، البدو ، الفلاحون ، بعض المنظمات السياسية .. شكل اللثام يحدد هوية الانتماء .

كانت للثام وظيفة الحماية من التراب ودرجات الحرارة القصوى التي تتسم بها البيئة الصحراوية، وفي حالات الأخذ بالثأر، لحماية المرتدي من التعرف عليه. ، البعض ظن أنه يوفر حماية سحرية من قوى الشر. في إفريقية وبأحد انواعه تظهر وجوه إنسانية بعيون وبلا فم، وفي ثقافات اخرى لا يعد اللثام رمزا للرجولة.اللثام بهذا المعنى اشارة تخفي ، ستار للوجه عندما لا يرغب الشخص بالكشف عن هويته ، اما لثام النساء فيتعدد بين الفعل الجمالي او المحرمات الاخلاقية .

في الثقافة العراقية ترسخ مفهوم جديد للثام ، قائم على ما انتجه الواقع من احداث ، صار هذا اللثام علامة انتماء لمجاميع تنتج الرعب والقتل والخوف ، وامتدت هذه العلامة في مفاصل الثقافة الاجتماعية ثم تفرعت معانيها حسب الشكل الى فرعين :

قناع كلي تظهر منه العيون فقط = علامة ارهابية

لثام بالكوفية = حماية من تقلبات المناخ وعلامة تاريخية عرفية

وبانتهاء موجة العنف والارهاب ، صار هماك تحول دلالي لهذه العلامة . في مفاصل الحياة العامة .

الكمامة واللثام .. صراع هويات

ظهرت الكمامة مع الحراك الجماهيري في العراق، صارت الكمامة علامة جديدة على المشاركة في التظاهرات التي فرضتها وظيفة الحماية من القنابل الدخانية ، لكن دلالتها تغيرت عندا يتخذها المتظاهر هوية للانتماء وصيغة من الاعلان لمقبولية الرأي العام تؤطر من خلالها الفروق في الاختلاف بين الناس بين مؤيد ومعارض ، وتتحول العلامة وفق متطلبات الظروف وما تمليه الاحداث والملابسات فتغيرت هذه الكمامة وظيفيا من علامة صحية يرتديها العاملون والاطباء الى اعلان سياسي واجتماعي .اشير الى ما يسمى الصراع الدلالي للعلامات بين علامتين في داخل الثقافة العراقية ( الكمامة واللثام ):

المكممون = ثوار

الملثمون = قتلة

كمامة + علم في اليد = متظاهر

ملثم – علم = مريب

وفي هذا الصراع تقترح الاشكال ثقافة المعنى الذي يسجل كأبداع، يقرر الناس تجلياتها وهي تعمل وتصوغ نفسها وتلاحق الثقافة المجتمعية في تبدلاتها اليومية اللامتناهية .

سيمياء فايروس كرونا

انتشر فايروس (كورونا ) فجأة في مدن العالم وكانت واحدة من شروط الوقاية كما فهمها الناس ارتداء الكمامة في الشوارع والمحال ، ارتداء الكمامة علامة على تجنب العدوى ، وتتحول العلامة ذاتها من دلالتها الثورية الى الصحية بالعودة الى وظائفها الاولية ويتبدل المعنى السلوكي الذي كان سائدا قبل شهر لهذه العلامة ، تحول فرصته الوظائف والاحداث داخل الحقل الاجتماعي .

وعليه يقال ان الشكل ثابت وعائم ويتقرر المعنى عندما يقع في المكان والزمان المقريين ..فتموت العلامة وتحيا تبعا لمؤشرات سياسية واجتماعية ونفسية .

لا تعليقات

اترك رد