ديلاور عمر…تعميق الإحتفاء بالذات الموجعة و بلورة الجدل

 

ديلاور عمر (1986 – ديريك) يحتمي بالريشة و اللون حين تبدأ الأوجاع بقسوة تفاصيلها تتهاطل على روحه لتشكل سيرته التي لم تكتمل بعد ، تلك السيرة التي لم تبدأ حين غاب والده في سجون البلاد ، و لا حين بدأ الغرباء يرفعون أعلامهم على هاماته ، بل قبل ذلك بكثير ، حين مدّ الغبار أجنحته في الجهات كلها ، و بدأ يلف السموات و زرقتها ، حينها فكر عمر أن يخترق ذلك الغبار الكئيب و يرفض بروجها و إن بقليل من المراوغة و المغامرة ، و بكثير من الجدية و الجرأة لينفضها و يتعامل معها بروح الفنان الممتلىء بالحس المتوهج بالسر الذي يمشي إليه ، فذلك يتطلب شكلاً من التوازن بين الصراخ الكامن فيه ، و الصراخ الذي يلازم منجزه ، كما يتطلب جرعة من الطاقة تمنحه القدرة الكافية حتى يتوغل في الوجع بكل جرحه و حالاته على إمتداد حريقه .

ديلاور عمر لا يفقد السيطرة على أعصاب أعماله المحكومة بقيم جمالية من وجهة نظر فنية ، و بقيم إنسانية حيث وجع البلاد و مأساته من وجهة نظر عامة ، فرغم أنه يدعها تسرد طروحاتها برؤية متفاعلة و دينامية ، برؤية معبأة بنكهة المعاناة في زمن التلاشي و اللاخصوبة ، فهو يدخل في قائمة الفنانين الذين يشتغلون بخلفية تجريدية تحمل كل ملامح المرحلة إلى حشد مقدماتها بكم من أرواح تنبض بواقعية هي أقرب إلى التعبير منها إلى التسجيل ، فبهذا التزاوج الجم و الحامل لخصوصيته و مداها يمنح عمر لذاته كأس أمل و إن كان بصراخات الداخل ، كما يمنح لمتلقيه وجبة دسمة من آهاته و إن كانت ممضغة قليلاً ، ربما يعلق بفعله هذا تلك التشكيلات الغزيرة و المتدفقة ، و التي تحمل رؤى فيها من الإندفاع و الإنفعال الكثير ، أقول ربما يعلق بفعله هذا ذاك البعد القومي أو الوطني أو الإنساني بحلم قد يتحول إلى طائر أو بيت ، و هذا ما يدفع بذاكرة متلقيه نحو الشحن ليكشف منها كل أثر ، فعمر و إن تأثر إلى حد بعيد بتفاصيل الحدث يبذل الكثير في بحثه المستديم عن تلك الإستدلالات التي تمكنه من التركيز على أبعادها المضمرة و الأكثر ترسيخاً في تطوير العلاقة بينها و بين إستخداماته لعمليات النقل آخذاً بعين الإعتبار تحولاتها في سياقها الزمني ، و يمكن له أن يفعل كما فعل سيرفانتيس في ” دونكيخوته” حين يلجأ إلى الداخل في راويه كي ينطلق منه ، فيغوص في العمق تاركاً ريشته تروي عنه إشاراته بحقائقها الدقيقة ، و موضوعاته المثارة بإستعداداتها القرائية ، فالأمر هنا يعود إلى التمهيد لخلق نوع من التآلف بين صياغاته و بين ما ينبغي أن تتضافر فيها من ذهنيته ، و ما تطرحه من مسائل تقارب الزمان و المكان بأحكام تتقبل تعدد المعايير ، كما تتقبل تعدد آفاق التلقي ، و هذا ما يجعل معادلة قنوات التحقيق غير معقدة ، بل تستغرق في حريق ألوانه و كأنها تتابعات مركبة من تأملات داكنة تضيع جانب منه في زحمة التحضيرات الأولية لبحيرة ألوانه بقوى موظفة تعبيرياً بكثير من الإنفعالات الصاخبة تليق بفصيلة تجربته و غيومها حين تمطر .

يرشق ديلاور عمر بياض اللوحة بذكاء حاد ، و بلمسات تبدو للوهلة الأولى بأنها سريعة ، و ينقصها المهارة في التقنية ، و لكن إقتحامها بكثير من الصبر ، و بقليل من الحياد ، بكثير من التأمل فيها ، و بكثير من سعة الصدر ، إقتحامها لإستكشاف المناطق المأهولة بتراكمات الزمن و نزيفه ، المأهولة بمشاعر الناس و حزنهم غير المحدود ، سيفتح لنا سياقات تتقاطع مع واقع يوغل في العنف و الإغتراب ، سياقات لا تنفصل عن التجارب الحياتية للفنان ذاته ، فهي تخضع كثيراً لإملاءاته و لطرائق الإقتراب من روحه ، و هذا ما يجعل لوحته لا تكف عن التحول ، لا في لغتها المؤثرة بإيجابية في إستمراريتها ، و لا في مفاتيح قراءتها التي تتطلب الكثير من الوعي و الإدراك ، و هذا يتطلب بدوره تحرير الذاكرة و إطلاق المخيلة ، فمن الضرورة بمكان هنا سد الفجوات التي لا تعكس ضرباً من ضروب تحققاته في أبعاد الإنفتاح على مغامرة ما و تجلياتها ، و بسبب خصوصيته في التنوع فهو إلى حد ما يأخذ في الإعتبار توسع الإختيارات لديه مع تعميق الإحتفاء بالذات الموجعة ، و بلورة الجدل بين مختلف الجوانب الخاضعة لطروحاته ، و إضفاء المزيد من الدهشة على رؤياه و هي تفشي سره ، فهو يقوم بترتيب الأمكنة بدءاً من المتن الواسع حيث يوثق رؤيته تاريخياً دون أن ينفي حضور الجوانب الأخرى من تلك الرؤية بما فيها عتباتها التي لها دورها أيضاً في إختزال الدلالات و ترسيخها ، و منذ إنخراطه في العملية الإبداعية يحوّل عمر الحدث التاريخي إلى تجربة ، و العكس صحيح أيضاً يحول تجربته إلى أحداث تاريخية قد تعيد ذاتها بألبسة و أحذية و قبعات معاصرة .

يرهن عمر منجزه بشكل أو بآخر بموضوع كاد أن يكون محصلة ذات قيمة رمزية لطريقته في التشبث بالحياة ، بالهم الكبير الذي يلاحق السوري على نحو خاص ، و الإنسان على نحو عام ، بالهم الذي بات سمة العصر و الذي باتت بذوره مستسلمة لكل تربة تنبت فيه ، فنصوصه تطرح وجعها على شكل لون و دلالته ، و يوجهها إلى العالم كرؤية منسوجة بأفق يأخذ البعد الزمني / الإنساني ميداناً يخوض التعب فيه ، فضلاً عن ذلك ليس صعباً عليه أن يعطي القيم الإنسانية معياراً من اللاخضوع لمنطق الأبعاد الحياتية ، معياراً فيه من التداخل ما ينبغي النظر فيه كموضوع لحكاية لاينتهي سردها ، كما لا تنتهي أفعالها و لا وقائعها ، و لا مرجعياتها المختلفة ، فالنهوض على محاورها ممهورة به و بالهيولى التي يستخدمها كإفتراضات صياغية تثري تجربته الذاتية

لا تعليقات

اترك رد