وباءُ كورونا بين فيروس الفردانيّة ومَصْل الحلّ الاجتماعيّ

 

ممّا يخبرنا به الطبّ أنّ الفيروس يكون أخطر على الجسم عندما يكون المرء مصابا بمرض آخر وخاصّة الأمراض المزمنة أو الثقيلة. ذلك أنّ هذه الأمراض تضعف المناعة فتجعل البدَن بيئة خصبة للوباء فينتشر فيها بيسر ويعسر على الجسم مقاومته بآليّاته الدفاعيّة الذاتيّة. ويزداد الوضع تعقيدا إذا كان المريض متقدّما في السنّ. وهذا ما يجعل الأطبّاء يحيطون كبار السنّ وحاملي الأمراض المزمنة بعناية خاصّة في مرحلة الوقاية وحتّى في مرحلة العلاج. فنجدهم يكثّفون حولهم التعقيم ويتابعون حميتهم الغذائيّة ويصفون لهم مضادّات حيويّة قويّة الأثر بجرعات متزايدة أحيانا. وكلّ هذا راجع إلى ضعف مناعة هذا الصنف من المرضى. فضعف المناعة يعرّض الإنسان لخطر قد يصل حدّ الموت.
هذا على الصعيد الذاتيّ الفرديّ فحسب. غير أنّ للمسألة بعدا اجتماعيّا جماعيّا لا يقلّ أهمّيّة. ذلك أنّ الأوبئة تنتشر بين الناس بالعدوى. ولا يكفي في الوقاية من العدوى سلوك الفرد ولا إجراءات الحكومات رغم أهمّيّتها وضرورتها بل يجب أن يتضافر ذلك مع سلوك وقائيّ جماعيّ. فيمتنع الفرد المصاب بالفيروس عن الاختلاط بالناس حتّى لا يعرّضهم للخطر ويتوقّى الناس غير المصابين بإجراءات استثنائيّة تصفها الجهات المختصّة.
ففي فترة الأوبئة، وهي فترات استثنائيّة مرضيّة، تُختبَر درجة الوعي الاجتماعيّ كما يُختبر الـخُلُق السويّ الذي تربّى عليه الأفراد في تاريخ وحدتهم الاجتماعيّة وخبرتهم في مواجهة الآفات والحروب والكوارث وهي ما يسمّيها الناسُ الطوارئَ. وفي هذا السياق ليس غريبا أن نرى استنفارا حكوميّا وتطوّعا من المواطنين في كلّ المجتمعات بل قد يتجاوز ذلك حدود الدول إلى المجال العالميّ فنرى تضامنا بين المجتمعات وتآزرا لمجابهة تلك الطوارئ التي تهدّد البشريّة. فتُؤجّل الخلافات والصّراعات بين الشعوب إلى حين القضاء على العدوّ المشترك.
ولقد كشف وباء كورونا المستجدّ كثيرا من الحقائق ليس فقط على الصعيد الطبّيّ الوقائيّ والعلاجيّ فحسب بل أيضا على الصعيد الاجتماعيّ والاقتصاديّ والسياسيّ. فمن المؤكّد أنّ البشريّة قد تقدّمت تقدّما ملحوظا في مقاومة الأمراض والأوبئة والأزمات. ويعود ذلك إلى قانون التطوّر الذي يحكم المجتمعات في حركتها المستمرّة من الماضي إلى المستقبل. فالمجتمعات البشريّة تتقدّم باطّراد أكبر كلّما حلّت مزيدا من المشكلات المتجدّدة. وكلّ حلّ لمشكلة يصبح بعد ذلك خبرة مضافة إلى الخبرات المتراكمة. وهذا ممّا يفسّر كيف صار الناس يحلّون المشكلات الأعقد في زمن أقصر. فما كان يستغرق سنين بات يُحلّ في أشهر وما كان يُحلّ في أشهر أصبح يُحلّ في أيّام وهكذا دواليك. وجليّ للنّاظر أنّ تطويق وباء كورونا طبّيّا المستجدّ بات وشيكا رغم سرعة انتشاره.
غير أنّ من الدروس المستفادة أيضا، ولعلّه من أهمّها، أنّ المنهج اللبراليّ الرأسماليّ كان أخطر وباء أصاب العالم منذ ظهوره وأنّ البديل الموضوعيّ هو المنهج الاجتماعيّ. ويعود خطر المنهج اللبراليّ إلى جوهره الفردانيّ لأنّه قائم على ما سُمّي في الفلسفة اللبراليّة “القانون الطبيعيّ” وخلاصته أنّ “مصلحة المجتمع كلّه ستتحقّق حتما كلّما عمل كلّ فرد باستقلاليّة على تحقيق مصلحته الفرديّة”. وقد عاش الناس طيلة قرون الأثر المدمّر لتلك الفلسفة ولقوانين السوق اللبراليّة التي فُرضت بالقوّة على العالم. فها هي حركة الاستعمار والتخريب تعطي الدليل القاطع على أنّ العمل على المصلحة الفرديّة خارج مصلحة المجتمع وضدّها تخريبٌ آثم وجريمة نكراء. وهاهو السعي المحموم نحو الربح ومزيد من الربح وفق “الغاية تبرّر الوسيلة” يخرّب الروابط الاجتماعيّة ويزيد البشر وحشيّة إلخ. وأخطر أثر لهذه الفلسفة اللبراليّة تعزيز الفردانيّة وتمزيق الرباط الاجتماعيّ داخل كلّ وحدة مجتمعيّة كوّنها التاريخ أثناء حلّ الناس لمشكلاتهم المشتركة.
ومثلما أنّنا لا نكتشف النظام إلّا حين يظهر ما يخلخله، فإنّنا لا نتأكّد من وحدة الوجود والمصير الاجتماعيّيْن إلّا حين يوجد ما يهدّدهما. ولا شكّ أنّ هذا الوباء من أخطر ما يهدّد الوجود البشريّ. وفي هذا السياق تعيش المجتمعات اختبارا حقيقيّا لصلابة الجسم الاجتماعيّ ومناعته أمام الأزمات وهي الأوبئة المختلفة وما شابهها. فها هو المجتمع الصينيّ الذي ظهر فيه فيروس كورونا يقدّم للبشريّة دروسا ليس فقط في التقدّم العلميّ والتكنولوجيّ والتأهّب لمجابهة الأوبئة طبّيّا وتكنولوجيّا بل أيضا، وربّما قبلا، في صلابة البناء الاجتماعيّ وأخلاق المجتمع المتماسك. فالحلّ أمام الأوبئة لا يمكن أن يكون فرديّا، كما بشّرت بذلك اللبراليّةُ، بل هو في جوهره حلّ جماعيّ يضحّي فيه الفرد من أجل وحدة المجتمع ومناعته. فلم نر استهتارا لدى الأفراد ولا لدى المؤسّسات الخاصّة أو العموميّة. هو الانضباط التامّ للتوصيات القياديّة. ذاك هو جوهر ما سمّيناه “حلّ الـمَصل الاجتماعيّ”. فالمصل الذي تبدعه المخابر يقاوم الوباء لكنّه محتاج إلى مصل اجتماعيّ يعدّ على أعوام بل قرون في التنشئة الاجتماعيّة.
في مقابل ذلك تظهر الفردانيّة فيروسا اجتماعيّا قاتلا للمجتمعات وخاصّة لحظة الوباء. وتنعكس تلك الآفة في مظاهر نلاحظها في الاستهتار الفرديّ، وأحيانا المؤسّساتيّ، بالخطر المحدق بالمجموعة، وفي الممارسات الفرديّة التي يتوهّم فيها الأفراد أنّ بإمكانهم الهروب بمصائرهم الشخصيّة الذاتيّة بعيدا عن المصير المشترك. فنراهم غير ملتزمين بالحجر الصحّيّ أو بالتوصيات الوقائيّة بل نرى منهم من يستثمر الكارثة الجماعيّة للبحث عن الربح ومزيد من الربح. فيحتكرون موادّ ويضاربون بها في المزادات ويرفعون أسعار السلع الأساسيّة إلخ. هذا هو الفيروس الأخطر من الكورونا. فالكورونا سيمضي زمنه كما مضت أزمنة أوبئة سابقة ربّما كانت أخطر منه، لكنّ فيروس الفردانيّة هو الداء الأشدّ فتكا بالوجود الاجتماعيّ كلّه. وحين يهجم الوباء على مجتمع أصابه سابقا فيروس الفردانيّة فإنّه يجده ضعيف المناعة ومن ثمّ ينتشر في جسمه بسرعة أكبر ويخرّبه أكثر ويهدّده بالفناء المحتوم.
الفردانيّة إذن هي الوباء والحلّ الاجتماعيّ هو الـمَصل المضادّ له. وهو ما يؤكّد أنّ اللبراليّة ليست فقط فاشلة بل هي فيروس نخر أجسام المجتمعات طويلا ومازال ينخرها بتكريس قيم الفرديّة والأنانيّة والكراهيّة والنّفاق والسرقة والتحيّل إلخ. ويظلّ المنهج الإنسانيّ الاجتماعيّ الذي يحفظ للأفراد، في نطاق المجتمع وليس ضدّه، وجودَهم ومصالحهم، هو الحلّ للبشريّة في التقدّم أوّلا وفي مجابهة الكوارث ثانيا وفي التصدّي للأوبئة الاجتماعيّة ثالثا.

لا تعليقات

اترك رد