دروسٌ رمضانية في الخيمياء: ضيفُ الله

 
دروسٌ رمضانية في الخيمياء: ضيفُ الله
لوحة للفنانة راحيل نجيب

(3)

ووصلنَا أخيراً إلى البيت، شيخاً فقيهاً وتلميذة مُجدّةً نجيبة. فتحَ أبي البابَ، وحينما رآنا معاً، استبشرَ خيراً وقالَ: «هل هذا هو فقير هذا الشهر الفضيل؟ هل كانَ بانتظاركِ أمامَ عتبة البيت؟». شكرتُ اللهَ في سرّي لأنّ سؤالَ أبي أعفاني من عَناءِ الشّرحِ والتّفكيرِ والبحثِ عن حُجج قدْ تكون غير مُقنعَةٍ، ثمّ أجبتُ فرحةً: «إنهُ ليسَ بفقير رمضان، وإنّما هو ضيف الرّحمن في بيتنا طيلة هذا الشهر، ليسَ عنده أيّ مكان يذهبُ إليه، ولقد التقيتُه أمام باب المدرسة، وقلتُ له إنّك طيّبٌ وكريم، وستكونُ سعيدا باستضافتهِ على مائدة الإفطار كلّ يوم»، «حسناً فعلتِ يا ابنتي، هيّا ادخلا، واطلبي من والدتكِ أن تحضّرَ لهُ الغرفة الصغيرة، وفي المساء سأطلبُ منْ أحد الرجال الذين أعرفُهم أن يأخذوه إلى حمّام الحيّ ليطهّروه ويغسلوه من طين الطريق وتراب الأزقة».

جهّزتْ والدتي غرفةَ ضيف الله، ورحبّتْ به أيّما ترحيب، وبينما كانتْ بصدد وضع اللمسات الأخيرة بالغرفة إذا بها تقولُ بعينين تلمعان بالمودة والكرم: «لنْ تشعرَ يا سيدي معنا بالغربة أو الوحدة، سأتّصِلُ بوالدي، وهو رجل من عمرك تقريباً، وسأخبرهُ بالقدوم ليقضي معنا هو أيضا هذا الشهر الفضيل وإن شاءَ الله تستأنسُ به، وتتبادلا معاً أطراف الحديث خلال النهار، ومن يدري فقد تصبحانِ ذات يوم من أشدّ الأصدقاء قربا وصدقاً ومحبّة!». أُسْقطَ في يدي ما إن سمعتُ كلماتِ والدتي، ولمْ أعُدْ أدري ما عليّ قوله أو فعلهُ، فأنا أحبّ جدّي جدّا جدّا، ولا يمكنني أبدا أن أعارض مسألة قدومه عندنا في شهر رمضان، وليس هناك من حلّ آخر، لذا وجدتُنِي وبدونِ أدنى تردّدٍ أجيبُ والدتي وأنا أبتلع ريقي من الارتباك: «طبعا، إنّها فكرة رائعة، من المؤكد أنّ جدّي سيرحّبُ بها، لكن دعيني أتّصِلْ به أولا، أقصدُ أنني أريدُ الذهاب إليه عصراً وإخباره مباشرة بدعوتك، وإني أظنه سيكون في غاية السعادة إذا علمَ بأمر ضيف الله في بيتنا»، «لكِ ذلك يا ابنتي، وقولي لهُ إنني أنتظرُ قدومه عندنا بفارغ الصبر، فلقد اشتقتُ إليه، وإنّ رمضان لحقّا شهرُ الكرم والغفرانِ، لأنهُ يسمحُ بتواصل الأحبّة ولقائهم المُستمرّ».

تركتُ الشيخ الفقيهَ في بيتنا بعد أنْ أوصيتُه بالكتمان والتحفّظ، وذهبتُ إلى جدّي كما وعدتُ والدتي، وحينما رأيتهُ رويتُ لهُ كل حكايتي مع الشيخ من الألف إلى الياء، فابتسمَ وقال لي وهو يتوكّأ على عصاه استعداداً للوقوف من مكانه: «هذا يعني، أنني وشيخَ رمضان سنصبحُ معاً أصحابَ حرف ودرس وتعليم في مدرستك الصغيرة. هيّا بنا إذن يا ابنتي، واطمئنّي فلن يعرفَ أحد بأمر دروسنا هذه سوانا الثلاثة وربُّ العباد قبلَكِ وقبلنا سيكونُ عليها وعلينا شاهدا»، «إذن أنتَ مُوافق يا جدّي على أمر هذه الدروس؟ آآآه ما أسعدني بكَ. كنتُ أعلمُ أنك لن تردّني خائبة، أحبّك بشكل تعجز الحروفُ عن وصفه!».

عدتُ إلى البيت ومعي جدّي، وعرّفتُه بالشّيخِ، أو بضيف الله الجديد، وكما توقّعتْ والدتي، حصلَ بينهما تآلفٌ وتقارب بمجرّد أن التقيا وسلّم أحدُهما على الآخر، وقال لهُ: «لا تهتمّ لأمر طهارتك، فإنّ أسماء أخبرتني بكلّ شيء، وبإذنه تعالى نذهبُ معا إلى حمّام الحيّ، كي تستقبلَ هذا الشهرَ كما يليق برجلٍ مؤمن فاضلٍ مثلكَ».

رنّتْ كلماتُ جدّي الأخيرة في أذني كما ترنُّ العصا في قلبِ المهراس النحاسيّ، واختلطَ عليّ الأمرُ، وبقيتُ أتساءلُ في نفسي عن سبب تلك الصفات الحسنة في حقّ الشيخ رغماً عن كلّ ما رويته لجدّي بشأن صورة المرأة الحسناء وما إلى ذلك من أمور السّحر والشعوذة! وتفاديا لتعقيد الأمور أكثر مما هي عليه مُسبقا، فضّلتُ الاحتماءَ برداء الصمت، خاصة وأنني أعرف أنّ جدّي إنسان صامت بطبعه، ولا يحبُّ كثرةَ الأسئلةِ، لأنّ كثرةَ الكلام بالنسبة لهُ منْ قلّةِ عقل الإنسان، وكلُّ امرئ لا يعرفُ كيف يلجمُ لسانه، فتركُه أفضلُ بكثير من معرفتهِ أو الارتباط بهِ. صمتُّ إذن، وفتحتُ لجدّي مجالَ التعارفِ بينهُ وبين الضيفِ، فقد كان اسمهُ أحمد، أو هكذا قدّمَ نفسهُ للعائلة.

حلّ رمضان أخيرا، وأصبحَ إفطارنا اليومي نحن الثلاثة، الشيخ أحمد وجدّي وأنا في غرفة الضيف. أمّا عن الدروس فقد اقترحَ جدّي أنْ تكونَ بعد صلاة الفجر مباشرةً، حتى يتسنّى لي فيما بعدُ الموازنة بين دروس المدرسة، ودروسي الفجرية معَ ضيفِ الله. كانتِ الدّنيا لا تسعُني من الفرح، ونسيتُ وسطَ هذه الأجواء الحميمية المباركة، ما كنتُ أحملُه من غضبٍ تجاه أحمد، ولا أعرفُ كيفَ أنني أصبحتُ أكنُّ له الاحترامَ، خاصّةً بعد ما رأيتهُ من تعلُّقِ جدّي به وتقديره لهُ، وهو أيضا من جهته كان إنسانا ودوداً، لا ينطقُ إلاّ كلاماً طيباً، ويقضي طيلةَ يومهِ في الصّلاة وقراءة القرآن، ومن حين لآخر كان يخرجُ هو وجدّي إلى الحديقة المُجاورة لبيتنا، وهناكَ كانا يتبادلان أطرافَ الحديث، ويجلسانِ للتأمّل في الخَلْق والخليقة لساعاتٍ طوال. وكانَ كلُّ هذا كفيلاً بأن يخلقَ بداخلي نوعاً من البلبلة، فكيفَ أني رأيتهُ ساحراً أمامَ دكّان المدرسة، وكيفَ به اليوم عابدا متفقها؟! ولكيْ أخرجَ من بحر التيه والبلبلة، قررتُ أنْ أفتحَ بابَ الدرس والمحاورة بعد أول صلاة فجر رمضانية، وعليهِ، اجتمعنا نحنُ الثلاثة، وكان سؤالي:
ـ «قل لي أيّها الشيخ المفضالُ، لماذا يلجأ الناسُ إلى السّحر والشعوذة؟»
(يتبعُ في الحلقة القادمة من (دروس رمضانية في الخيمياء))

لا تعليقات

اترك رد