حق الفهم وإرادة التغيير في المجتمع العربي – ج2

 
حق الفهم وإرادة التغيير في المجتمع العربي - ج2

إن هامش الحرية الثقافية في مجتمعات ما قبل الفوضى كانت ضيقة إن لم نقل مغلقة أحيانا، فلم تكن رحيمة ببعض المثقفين والباحثين في إنتاج ثقافة حية وفهم واضح للواقع. بل سادت أفكار ثلة من المبدعين المحسوبين على الأنظمة السياسية والحزبية والطبقية. فساد فكر ملوث بأفكار السلطة وحورب الفكر السليم الهادف .

ولممارسة هذا الحق في الفهم يجب على الباحث أن يكون مسلحا بمفاهيم ومنهجيات لدراسة الواقع، وكذا أساليب وأدوات لاختراق الأسيجة التي تحيط به. هته الأخيرة تحول دون الكشف عن أعماقه بسبب طول زمن الإنغلاق وكذا الإكراهات التي تحول دون الوصول إلى الفهم السديد للواقع الإجتماعي العربي.

من هنا يبدو أن الأمر ليس يسيرا على المثقف الذي يسعى لإدراك الحقيقة واختراق طابوهات المجتمع المنغلق وقلاعه المحصنة. عليه أن يدرك حجم المسؤولية وكذا الإلتزام بالموضوعية في التعامل مع الإشكاليات المطروحة داخل المجتمع لتعرية علله وتساؤلاته من اجل كسر المنظومة الثقافية السائدة وتغيير الخطاب العام.

لذلك فالعديد من الأمور لم نفهمها أو لم نرد أن نفهمها وتارة تجاهلناها عن قصد أو عن غير قصد، ولو تم تداولها بالشكل الصحيح في الوقت المحدد لكانت المجتمعات العربية قد اجتنبت الكثير من الويلات والمصائب. فمنشورات برنارد لويس مثلا حول تقسيم العالم العربي نشرت منذ سنين، وتعرض العرب لمؤامرات وعداءات غربية ورغم ذلك ظلوا اكبر حلفاء للغرب.

لا يمكن تحقيق نهضة فكرية وثقافية لولا الحق في ممارسة الفهم كشرط من شروط حصول التغيير المنشود داخل المجتمع العربي وتغيير النسق الثقافي السلطوي المهيمن.

يظهر إذن أن هناك علاقة وطيدة بين هذا الحق في الفهم والقوى المهيمنة، بمعنى صراع بين المعرفة الثقافية والسلطة العليا. فالسلطة في الوطن العربي هي من تتحكم في مفاتيح اللعبة وهي التي تسمح أو لا بعملية الفهم، حسب درجة وعيها وحسب إيديولوجيتها ومفاهيمها الخاصة. أو يتحقق الفهم بالمثابرة والكفاح والثمن يكون أحيانا باهظا. لأن حقيقة التغيير توجد في هذا المجتمع وبداخله وليس خارجه، فبدون تحليل شفرات النسيج الإجتماعي لا يمكن فهمه وبالتالي تستحيل عملية التغيير.

ففهم الحقيقة يؤدي إلى تغيير البنى الثقافية ويؤدي إلى فهم عمليات البناء الإجتماعي والثقافي للمجتمع. لذلك حوربت الحقيقة لكي لا تظهر، إلا أنها تتواجد وتنبثق من الصراع. واجهت الحقيقة عناد السلطة الإستبدادية التي حالت بينها وبين البزوغ والإنتشار، فالشروط الإجتماعية السائدة لا تساعد على فهم الحقيقة. كما أن بعض الباحثين لا تتوفر فيهم شروط الممارسة العلمية ، فكان التعصب للأفكار ورفض النقد البناء سببا في عدم فهم أسئلة الواقع فهما صحيحا.

إرادة معرفة الحقيقة هي معركة يومية، تضع الباحث عنها بين تسلط السلطة وأدواته المنهجية العلمية التي يحاول من خلالها ممارسة حرية البحث والتنقيب داخل مجتمعات مغلقة تضع قيودا وإكراهات أمام البحث الجاد.

كما أن الحقيقة تبقى نسبية ومعتمة، فنظامها يقع داخل نظام السلطة والبنى المتصارعة. والسلطة لا أعني بها أشخاص سياسيون أو أحزاب أو جماعات وإنما نظام المجتمع هو الذي يمنع من ظهور الحقيقة والتفكير الحر فقط لأن الحقيقة الشائعة مضادة للحقيقة التي يجب على الباحث إظهارها للوجود.

إن كشف الحقيقة والبحث في الحقائق التاريخية والدينية والسياسية يتعرض لمقاومة شرسة من طرف النظام السائد داخل المجتمع. إلا أن هته المقاومة لا يمكنها أن تدوم طويلا ولا يمكنها منع الحقيقة

من الظهور. لانه في نهاية المطاف سيتمكن المثقف من الوصول إلى فهم الواقع وتفسيره للعامة وهذا ما يمكن اعتباره بداية فعل التغيير الحقيقي للمجتمع.

فحتى حين نصل إلى مرحلة النضج المعرفي والوصول إلى الحقيقة، هناك مثقفون انتهازيون سيستثمرون نتائجها ويقدمون للنظام تحليلا وتبريرا للواقع يتماشي وأفكار السلطة. في حين يواصل الباحث النزيه النبش في الوقائع للوصول إلى الحقيقة الحقة التي تضع الفرد مباشرة أمام واقع واقعه المعاش.

هذا الصراع بين الباحث النقدي والباحث المتملق المرتبط دائما بسلط وجماعات وطبقات معينة، يتواصل حتى تنكشف اللعبة بين السلطة والمعرفة المدجنة حسب تعبير ميشيل فوكو. ويعبر بيير بورديو عن هدا الصراع بإدانته لعلماء اجتماع السلطة ويصفهم بالمتواطئين مع النظام السائد. فالباحث السلطوي يساعد على شرعنة مؤسسات الهيمنة والإقصاء والإستغلال ويقدم لهم فرصة تقنين الأسس لهيمنتهم وسيطرتهم.

المجتمع العربي المعاصر يمر بأسوأ مراحل تكوينه فهو بحاجة إلى علماء النفس والإجتماع والسياسة وكل مفكريه لتشخيص علله ودراسة كل الظواهر الإجتماعية والدينية، من أجل الوصول إلى حقيقة الواقع لبلورة أفكار صحيحة تسمح بوضع أسس مجتمع عربي جديد يتخذ من حق ممارسة الفهم هدفا ومن نهضة ثقافية وفكرية مشروعا.

لا تعليقات

اترك رد