سكتة قلبية

 

رائحة الزنزانات الانفرادية تنذر بالموت , صوت المطر يعبث بذاكرته التي اعلن انها توقفت حين وضعوا الاصفاد في يديه والبنادق فوق رأسه كالنخيل ولكن لم يكن لونا اخضر بل اسود كذلك اليوم . حط العصفور على نافذة زنزانته يصفق بجناحيه ويتململ ربما المطر ازعجه , كم تمنى ان يكون عصفورا ليكسر حاجز الجدار . اسمه بالرقم وليس بالاسم حيث ينادي السجان الرقم 1224 وعندما يسمع الرقم يطرق ببابه كي يأتي السجان الى التحقيق, هو يشعر ان دهورا مضت لوقفوه خلف النافذة بعدما اعلن رقمه للتحقيق,الصمت يخيم على المكان سوى بعض اصوات السعال المنبعثة من النزلاء الذي لم يعرف كم مضى عليهم في الاعتقال, صوت الخطى تقترب من زنزانته كأنها طبول حرب، كانت في السابق لاتزعجه بسبب هروبه الدائم من الحرب ولم يتعلم ان يعبىء الرصاص في بندقيته وكثيرا ما احيل الى مجلس عسكري بسبب الصدأ في ( سبطانة البندقية ) , لايعرف الادامة او كيف يحشر انف المرود في فم السبطانة, كان له عالمه الاخر يكتب ويقرأ دون توقف يتخيل نفسه مرة ديستوفسكي وتارة بوشكين ومرة نيتشة وفي بعض الاحيان عندما يتخلى عن شرقيته يتقمص شخصية أنا اختناوفا,وقع الاقدام تقترب والخوف يجعله يهذي خوفا من الخوف, عاد بذاكرته الى شارع الفلاح الذي كان يجلس مع اصدقائه خيري رمث عوفي وحسن البريسم وحتى في بعض الاحيان ( رزاق طرزانة ) . الانسان اللطيف والمليء بالانسانية وحتى عندما يسخر من الجلسة المتواضعة ويقول ( شلونهم التلاميذ ), والجلسة عبارة عن سجادة متعبة على الرصيف وبعض صفائح حليب ( الكيكوز الفافونية ) وقنينة خمر, كانت المساءات غير كل المساءات , الاصدقاء كالارصفة الكل نفس الواحد والحب ينشر صفحات عطر يزين وجه الفقراء عبر اغاني اشبه بليالي الف ليلة وليلة, صوت عود البريسم يهمس في اذنه , الخطوات تقترب كأنها الموت , فتحت الزنزانة واقتيد الى التحقيق , كان قد تهالك من شدة الارق والخوف , بينه وبين نفسه ماذا سيسألوني ؟ افكاره تسأل وتجيب والطريق الى التحقيق كأنه رحلة ماجلان .وحين وصل الى غرفة التحقيق كأن قد فارق الحياة وكتب في شهادة وفاته في الطب العدلي ” سبب الموت “سكتة قلبية”.

لا تعليقات

اترك رد