مصطفى نورالدين تكوينات قديمة تقاوم الزمن

 

هو فنان عراقي دائما كثير الاعمال ذات الجدل والنقاش المعهود حول الاصالة والهوية … ليس فقط لارتباط الفنان بالبيئة والروح العراقية في اعماله التشكيلية بل ايضا لاستغراقه الطويل في البحث عن جماليات الثيمة … والعنصر الرافديني ومحاولته الدءوبة في استحضار هذه الجماليات وقولبتها في اطار حداثي او قل اعادة صياغتها بالشكل الذي يتناسب مع رؤيته وطروحاته الخاصة . وهو يلجا هنا لطريقتين في التعامل مع ذلك الموروث التاريخي … الطريقة الاولى تتمثل في قيامه بتفكيك الصياغات الجاهزة والمعروفة للرسوم الرافدينية وتقطيع اوصالها ان جاز التعبير الى عدد لا متناه من المفردات والعناصر والرموز بشكل عام التي تضفي عليها ذلك الطابع الذي لاتخطاه العين … وهو هنا يمتلك الحرية في التفكيك والتركيب واعادة الصياغة وانشاء التوافقات التي تتماشى مع منظومة العمل ككل دون الرجوع عن صياغات الجاهزة والمحفورة على جدران المعابد والمقابر والتكوينات الرافدينية منذ الاف السنين … اما الطريقة الثانية فتتمثل في تعامله ايضا مع المفردات والعناصر الحياتية الموجودة حولنا اليوم، ولكن بعد اخضاعها حسب درجات متفاوتة الى منظومة العمل وذلك باخضاعها لقوانين وفلسفة الرسوم الرافدينية … فهو هنا يقوم بعملية مزج مابين القديم والحديث في ضفيرة واحدة متشابكة لا تكاد تتبين الخطوط الفاصلة فيما بينها .
والرمز سمية اساسية في اعمال الفنان مصطفى نور الدين وهو منهج متبع وظاهر ايضا في فلسفة الفن الرافديني … فالبشر ذوو الرؤوس الحيوانية والحيوانات ذات الرؤوس البشرية ظاهرة موجودة بكثرة في اطار التقاليد المتبعة عند الفنان المصري القديم ياتي بها للدلالة على القوة او الخلود او الخير او الشر … ولقد استخدم الفنان مصطفى نور الدين هذا السلوك الرمزي نفسه في اشارته وعناصره المرسومة ولكن بطريقته هو … حاول الخروج عن هذا الاطار المحدد لتلك السمة العراقية الخالصة باسقاط رؤيته الخاصة على هذه العناصر كي تتماشى مع الطبيعة والرؤية البصرية الراهنة … فالبس عناصره هذه شكلا معاصرا ربما يمت الى الماضي من حيث الشكل لكنه مرتبط بالحاضر من حيث الرؤية والمضمون والجوهر .
ولعل التعامل مع مثل هذا الموروث الفني ما فيه من عناصر وعلاقات جاهزة فهو امر في غاية الصعوبة اذ ان طغيان الشكل البصري للفن العراقي القديم يزيد من العبء الملقى على كاهل الفنان في محاولاته للهروب او الخروج عن اطار السطحية والمعالجات الساذجة التي يقع فيها البعض عند تعرضهم للموروث الفني بشكل عام … فما بالك بالتعامل مع مثل هذا الميراث البصري للفن الرافديني بكل ماهو من تكوين يحمله هذا الفن من فرادة في التكوين والتناول والفلسفة واللون … فهل نجح الفنان مصطفى نور الدين حقا في اختصار هذا الميراث عبر لوحاته في قوام جديد يمتلك هو مفاتيحه ورموزه ويبتكر عناصره ومفرداته ؟
الحق ان العلاقة بين الوعي الفني للفنان وذلك الموروث الفني باتت اشبه بمعركة يخوضها هو فوق مساحة التوازن دون كلل او ملل … حتى عاشقا لهذا العراك والتجاذب او اقل استعراض العضلات فيما بينه وبين الموروث العراقي القديم … وهي معركة شرسة نجح هو في جعلها متكافئة وفرض الحيادية على عين المتلقي اغتنمه الى عقد المقارنات بين كلا الطرفين .
ومن اكثر الاعمال قوة وتحقيقا لهذا المفهوم تلك الثلاثية التي يمكن ان نسميها تسميات عديدة (رافدينية) التي رسم فيها وجها واحدا مكررا في اوضاع مختلفة في محيط من العلاقات والرموز الافقية والعامودية ساعدت في ابراز ملامح الوجه ذي الدرجات اللونية الداكنة المائلة الى الحمرة، انه وجه لراس اسد بابل لا يختلف عليه اثنان فهو من التكوينات القديمة ظهر في العديد من الملابس او العديد من افلام السينما وفي بعض الاحيان اعطيت لها العديد من الملامح الضخمة والتفاصيل المبالغ فيها، فوجه بهذا الحضور الذي لا يختلف عليه اثنان ليس من السهل احتوائه والتعامل معه على سطح التوال، ولكن انظر كيف تعامل معه الفنان هنا في ثلاثيته الكبيرة … لقد اضفى عليه شيئا منه وبناؤه للعمل وطريقة توزيعه للعناصر والمفردات المحيطة الاشبه بالمنمنمات .
لقد خلق الفنان عبر اعماله امتدادا طبيعا لا يشوبه التصنع للفن العراقي القديم وحقق نموذجا لافتا للانتباه لكيفية التعامل مع الموروث الفني بكل سهولة وتلقائية فاستحق ذلك التميز الذي يحظى به في اوساط الحركة التشكيلية العراقية .
لقد ولد هذا الفنان في بغداد سنة 1946م وتخرج من اكاديمية الفنون الجميلية سنة 1969م ، شارك في معرض الفن العراقي المعاصر/ تشكيوسلوفاكيا عام 1985م .

لا تعليقات

اترك رد