الإيطاليون يكتشفون البهجة مع الوباء

 

كان القرن الرابع عشر في أوربا عصر أوبئة فتّاكة بامتياز، ولا سيما “الطاعون” والذي مات بسببه ربع سكان أوروبا، إضافة للحروب وأهمها حرب المائة عام التي بدأت في هذا القرن، لتستمرّ حتى القرن التالي. يرصد هذا المقال عادات الإيطاليين مع انتشار “فيروس الكورونا” الذي تحوّل إلى ما يشبه الوباء، حتى ألزمهم بالبقاء في المنازل، وإغلاق المدارس والجامعات، بعد الحجر على مناطق ومدن بأكملها، ليلوذ قسم كبير منهم بقراءة الأدب كنوع من التسلية. غالبية الإيطاليين، عادت إلى قراءة النصوص الأدبية عن الأوبئة، ومنها كتاب جيوفاني بوكاشيو ” الديكاميرون “، وكتاب ” المخطوبون ” لألساندرو مانزوني، والذي كان ضمن قائمة من خمسة كتبٍ، نصح بها البابا فرنسيس لقراءتها.

” الديكاميرون ” تعني ” الأيّام العشرة “، وفي مقدّمتها يتحدث بوكاشيو، عن الطاعون الذي اجتاح مدينته (فلورنسة)، فيقول في اليوم الأوّل:
” مع تقدّم سنوات التجسّد الخصيب لابن الرب وبلوغها العام ألف وثلاثمائة وثمانية وأربعين، تفشّى في مدينة فلورنسا الجليلة، والأروع بين مدن إيطاليا كلّها، وباء الطاعون المميت “.

كان بوكاشيو قد أصدر قبل ذلك كتابا آخر، عُّدّ بسببه كارها للنساء، وهو كتاب ” كورباشيو Corbaccio “، ويعني ” متاهة الحبّ “، فيه كثير من الشتم والسبّ باللغة التوسكانية العامية، بعد تعرّضه للخيانة من أكثر من امرأة، إذ قال فيه:
” المرأة هي أخبث دودة في الخليقة. ”

بدا بوكاشيو وكأنّه يتوجّه للرجّال محذّرا من خداع النساء وخياناتهنّ، ليلجأ لاحقا في ” الديكاميرون ” إلى تسلية النساء، لقلّة وسائل التسلية المتوفّرة لهنّ، مقارنة بما كان متوفّرا للرجال، ولكنّ الأهمّ وكأنّه يعتذر لهنّ، في هذا الكتاب، عن كتابه السابق، خاصة وأنّ صديقه الأكثر قربا منه، الشاعر (بترارك) فقد حبيبته (لورا) نتيجة إصابتها بذلك الطاعون الأسود، فيصفهنّ بـ ” رقيقات القلوب بطبعكنّ “، طالبا منهنّ، في تمهيده للكتاب، أن يشكرنه: ” فليشكرن الحبّ الذي أتاح لي الانكباب على إسعادهنّ بعد أن حرّرني من قيوده. “.

وها هو يسلّيهنّ ويسلّي الإيطاليين كلّهم، مرة أخرى.

كان (بترارك) نفسه، قد وصف حال إيطاليا مع الطاعون:
” الحياة تنفلتُ هاربة، ولا تنتظر ساعة واحدة “.

توجد كثير من الروايات التي شكّلت الأوبئة موضوعا أساسيا لها، ومنها رواية ” الطاعون ” لألبير كامو، ورواية ” العمى ” للبرتغالي خوسيه ساراماغوا، الذي جعل العمى أشبه بالجائحة والوباء.

أمّا كتاب ” المخطوبون ” لألساندرو مانزوني، فيطغى عليه الطابع المسيحي لدرجة ترويجه للإيمان المسيحي، ورغم أنّ مؤلّفه توقّع ألا يقرأه أكثر من 25 شخصا، فالكتاب دخل المناهج المدرسية في إيطاليا، لما قُيل عن دوره في الوحدة الإيطالية، مما دفع (أمبيرتو إيكو) للقول عن الكتاب الذي يُعدُّ رواية تاريخية:

” معظم الإيطاليين يكرهونها لأنهم أُجبروا على قراءتها في المدرسة ”

يعالج مانزوني مسألة الزواج، في مجتمع ” اللامساواة”، وسيطرة الكنيسة، والاحتلال الأجنبي لإيطالية، مما سبّب لبطليها (رينزو ولوتشيا) كثيرا من المعاناة، إلى أن يتمكّنا من الزواج.

يسعى الشرّير (دون رودريغو) إلى تعطيل هذا الزواج، فيهدّد رجاله المكلّف بإجراء مراسم زواج البطلين (دون أبّونديو) الذي يتّسم بالجبن والكسل والخجل، فيرضخ للتهديد ويمتنع عن استكمال مراسم الزواج.

الآن لنسأل أنفسنا! هل حقّا هي محاولة تبديد الوقت، ما دفعت الإيطاليين لقراءة هذه الأعمال؟ أم أنّ هذه الكتب فيها ما يكفي، من السحر الذي يجعلها قادرة على قراءة روح العصر؟ وعلى قراءتنا؟

ما الذي يمنح الديمومة للعمل الأدبي؟ مع أن مانزوني معروف على مستوى إيطاليا فقط، ويكاد يكون غير معروف عالميا.

كان الشاعر الرومنتيكي الإنكليزي (بيرسي بيش شيلي) يعتبر الأدب العظيم نافورة تفيض بالحكمة وبالبهجة للأبد، ولعلّ السرّ في عودة الإيطاليين لهذه الأعمال يكمن في هذه العظمة، أكثر من رغبتهم في تبديد الوقت. هذا مقال قصير، نُشر في صحيفة نمساوية، يتحدّث عن تعامل الإيطاليين مع ” الكورونا”، وكيف يقضون ويبدّدون وقتهم للقضاء على ملل الحجر عليهم في المنزل، وهذه ترجمتي للمقال:

(الإيطاليون يكتشفون البهجة مع الوباء) يُلائم الأدب نفسه بقوّة، لاستيعاب تحدّيات الواقع الملموس وأزماته ومعالجتها، ليبرهن على فعاليّته الآن في إيطاليا، مع أزمتها في مواجهة “فيروس الكورونا “.

يُبدي الإيطاليون، في هذه الأوقات، اهتماما متزايدا بالأعمال الأدبية التي عالجت عصور الأوبئة، بدءا من ” الديكاميرون ” لـبوكاشيو، مرورا بـ ” المخطوبون ” لألساندرو مانزوني، وليس انتهاءا بـ ” مدينة العميان ” للبرتغالي ساراماغوا.

يُقبل كثير من القرّاء الآن، في إيطاليا، على قراءة أعمال تناولت في موضوعاتها تفشّي الأوبئة، ذلك أنّ الحجر الصحّي والعزل المنزلي المفروض عليهم، يوفّر لهم فرصة استعراض الكلاسيكيّات مرة أخرى، وبلهفة كبيرة، لتطفو على السطح ذكريات أيّام المدرسة، وهم يعيدون استكشاف ” الديكاميرون ” لجيوفاني بوكاشيو، التي تتألّف من 100 قصّة، جُمعت وحدثت بين عامي 1349 و 1353. في ” الديكاميرون ” اتّخذ بوكاشيو من الريف بؤرة إطارية للقصص، فتلجأ سبعة نساء مع ثلاثة شبّان، إلى منزلٍ على هضبة في الريف القريب من فلورنسة، هربا من الطاعون الذي تفشى في ( توسكانيا ) بين ربيع وصيف عام 1348. في المنزل الريفي، يتسامر الفارّون إليه ( من الطاعون ) مع بعضهم البعض، لتمرير الوقت، فيتمّ في كل يوم اختيار ملك أو ملكة ليُحدّد موضوعا ( للمناقشة )، ثمّ يسعى الحاضرون للإتيان بتصوّراتهم عنه. بعد عشرة أيام وعشرة قصص (يتم سردها) تعود المجموعة مرة أخرى إلى فلورنسة. عنوان ” الديكاميرون ” استنادا على اليونانية القديمة (عمل أدبي من عشرة أيام).

ستغدو ” الديكاميرون ” لاحقا، في معظم أنحاء الغرب، نموذجا لمجموعات قصصية أخرى. أمّا الوصف الذي ورد فيه عن الطاعون في فلورنسة، فمازال يفرض نفسه بشكل واقعي كمصدر تاريخي مهمّ عن هذا الوباء. الـطاعـون في الكلاسيكيّات الأدـبيـة …… يشعر عشّاق الأدب في ” لومبارديا ” (شمالي إيطاليا وعاصمتها ميلانو)، في زمن الكورونا، بأنفسهم وقد اندمجوا مرة أخرى مع ” المخطوبون ” لألساندرو مانزوني، والتي نُشرت في (ميلانو) بين عامي 1840-1842. يُعدُّ هذا العمل نموذجا أولا عن الرواية الإيطالية الحديثة، وهو يصف توهان بطل الرواية (رينزو)، في بحثه عن حبيبته (لوسيا)، بمدينة ميلانو التي انتشر فيها الطاعون في العام 1630، في وقتٍ كانت لومبارديا تخضع لسيطرة الإسبان. وصف مانزوني للطاعون في ميلانو ينتمي لسلسلة أدبية طويلة في وصف وتصوير الطاعون. أبطال مانزوني في ” المخطوبون ” التي تحتلُّ المرتبة الثانية، بعد ” الكوميديا الإلهية ” لدانتي، كأكثر عملٍ حاملٍ للمعنى، للأدب الكلاسيكي الإيطالي، هما زوجان بسيطان من الشباب، (رينزو ولوتشيا)، اللذان يعيشان على ضفاف بحيرة (كومورو). حفل الزواج المنتظر يُحبطُ من أرستقراطي لا ضميرله، يريد أن يُخضع لسلطته المرأة الشابة. سنتان و800 صفحة من الرواية تمضي حتى يتعانق الخطيبان ويتمكّنا من الزواج أخيرا.

الـدرامــا، الجنـس وطمـوح الســلطة يلعبُ الطاعون الذي تفشّى في ميلانو عام 1630، دورا رئيسيّا في الرواية. بعد بحثٍ طويل، يجد (رينزو) حبيبته (لوسيا)، في مشفى (عسكري)، حيث تم إيداعها فيه كمريضة. ثمّ وبعد تصاعد انتشار المرض، تعمل (لوسيا) كممرضة هناك. يلتقي بطلا الرواية، بعد فراق طويل، ليتزوّجا أخيرا، بينما في تلك الأثناء يموت الرجل الشرّير (رودريغو) مصابا بالطاعون. التأثيرات المأساوية لوباءٍ ما، على الحياة في مدينةٍ بأكملها، يصفها البرتغاليّ الحائز على نوبل (خوسيه ساراماغوا)، في كتابه المنشور عام 1995 والأكثر مبيعا ” مدينة العميان “، التي تمّ تحويلها من المخرج البرازيلي فيرناندو ميريليس (Fernando Meirelles)، إلى فيلم. ساراماغوا يصف فيه العمى الجماعي المخيف لمدينة كاملة بسبب الوباء. هنا تبرز في الخلفية فكرةٌ روحيّة غارقة في القدم وهي فكرة ” الرائي الأعمى/ العماء الفكري هو المقصود غالبا “، من أولئك البشر الذين لا ينطلقون من رؤيتهم وإدراكهم للجوهر بل من مصلحتهم المادية والأنانية وانسياقهم للجنس وتطلّعهم للسلطة.

مصدر المقال المترجم:

Italiener entdecken die literarische Lust an der Epidemie

لا تعليقات

اترك رد