أشباح الذاكرة بين الاختراق والافتراق في تجربة الفنان علي رضا سعيد

 

ثمة تفاصيل للذاكرة البكرية ، تتجول في فضاءات الذهن ، تُسهم في جعل الخيال عقلاً عابراً للحدود ومنفتحاً على الافاق المعرفية والاوفاق السحرية، في الفن والادب على حدٍ سواء ، محيطاً بالصور المركبة ومحتضناً لأفعال التخييل والتخيل ومرتبطاً بالنظام والنسق على حساب المحاكاة المرتبطة بالانموذج ؛ بوصف ان الخيال يعد المحرك الرئيسي للصور العقلية ومحولها ، فليس هنالك حضور للتفكير بدون تواجد الصور بحسب تعبير أرسطو .. فتتعدد الانواع والاشكال والصفات للخيال مابين ما هو اختراقي أو تجريدي أو تاريخي أو تجريبي أو فلسفي أو جمالي أو حتى جغرافي .. فقد لعب الخيال دوراً مهما في الفن والادب والعلم وفي التشكيل على وجه الخصوص ، لما ينتجه من صور جديدة محتفية بالحركة والحيوية الذي يُسهم في افتراق الذهن عن الانموذج والاقتراب من المثال باتجاه ماورائية المرئي (الاعماق) وبدون التوقف عند التفاصيل (القشور) . وهنا يُمكن أن نعي بان هذا الخيال الذي له حضوراً فاعلاً في التشكيل المعاصر ،نجدهُ يرتقي لان يكون من النوع الإختراقي الذي ليس له حاجة الى التبرير أو التفسير المنطقي او الاستدلال .. فضلاً عن الخيال التجريدي الذي يختزل الواقع ويلخصه الى افكار واستعارات واشكال مجردة رامزة . وفيما تقدم نجد ان التشكيل المعاصر قد إحتفى وبصورة واضحة بجماليات الخيال من خلال
اعتماد الفنانين التشكيليين على آليات التخيل والتخييل في اقتراح اشكالهم ومشاهدهم البصرية ومن اهم تلك التجارب الفنية تجربة الفنان علي رضا سعيد الاخيرة التي توسمت بعنوان (تواشجات معاصرة) و تمثلت في معرض شخصي على أروقة غاليري الاورفلي للفنون في العاصمة الاردنية عمّان في السابع من شباط 2020 .

اختراق ماوراء المرئي :
توّج الفنان علي رضا تجربته الفنية تواشجات معاصرة ، بتطبيقات الخيال وأدواته الذهنية وطروحاته البصرية ذات الطابع المثالي وعلى وجه الخصوص عندما أكد ضرورة اختراق الاقنعة (الانموذج) والابتعاد عن تسجيل التفاصيل باتجاه ماوراء المرئي بفعل آليات التمويه والترميز لحظة الشروع باقتراح أشكاله البصرية ، من أجل التنقيب في الماورائيات عن الجوهر (المخفي) ، مما يسهم في فتح الآفاق والمنافذ الخارجية للمرئي (المعلن) ومن ثم السماح لاذهاننا بالنفاذ من خلالها باتجاه الاعماق للامساك بالمسكوت عنه .. ؛ بوصف ان الفنان بعد رفضه لتناول التفاصيل الطبيعية لمرئياته البصرية (الجسد ، الرأس المقطوع ، الطير ، الاقنعة …) وابتعاده عن المحاكاة المباشرة لما هو طبيعي نجدهُ قد اقترب بشكل واضح من منظومة الخيال ذات الابعاد السوسيولوجية المشتغلة على وفق آليات التعبير والتجريد المتناغمة مع التعبيرية التجريدية . فالمتتبع لتجارب الفنان علي رضا الاخيرة على وجه الخصوص ، يجدها ذات نزعة انسانية يكون الانسان بجميع حالاته السايكولوجية والسوسيولوجية والابستمولوجية محور رئيسي لاغلب موضوعاته (الاسرة ، الذات ، الهوية ، الامرأة ، الرجل ، الحلم المؤجل ، المقاتل ، الطير ، القناع …) ؛ فالفنان يمتلك خيالاً خصباً مركباً منحهُ القدرة على انتاج اشكالاً جديدة ذات طابع تركيبي مؤلف من اكثر من صورة ومشهد ، يُشبه الى حدٍ ما مشاهد بانورامية خيالية ، لتأتي هذه الاشكال لتكوّن خطاباً بصرياً

رامزاً ،يُحاكي هواجس الانسان الفنان ومايحويه من صور وأشباح وخيالات دراماتيكية مأساوية ترتبط بمشاعر انسان اليوم (خوف،رعب،حزن،جنون،فرح مفرط …) المكبّـل بقيود الحياة المُعاصرة والمُحاصر بالحروب البرية والالكترونية فضلاً الى الحرب البايولوجية الاخيرة التي أنتجت في مختبرات الآخر الكولونيالي فايروساً فتاكاً باسم مستجد (كورونا COVID – 19) (Corona Virus Disease)المصنع بشرياً وعدهً وباءاً انتشر في العالم ابتدأ من آسيا في الصين ومروراً بأوروبا وافريقيا واستراليا والذي حصد أرواح لحد الان اكثر من (3490) شخص واصابة (101502) شخص في العالم.. ليصبح السلام صورة غياب والموت والظلام صورة حضور ومصير قائم يُجبر الفنان على امتهان الخيال وآلياته الترميزية والتعبيرية والتشفيرية الذي يكون بمثابة رسول أو ساعي بريد مابين الحس والعقل والذاكرة بحسب وجهة النظر الارسطية .

الجسد بين الحضور والغياب :
ارتبط خيال الفنان علي رضا بمسألة الغياب والغائب المحتفى بالرمز والجوهر على حساب الحضور المادي للمرئي(الانطباعات) المرتبطة بالشكل الظاهري والتفاصيل الجسمانية ، عندما اشتغل على آليات التحديث في اقتراح تكويناته البصرية بحدود موضوعة الجسد الاثيرة لديه ولدى زملائه التشكيليين في اغلب مشاهده التصويرية والذي تماهى به للتعبير عن افكار الانسان الانطولوجية والميثيولوجية وبكل حالاته الاجتماعية . فالفنان في حدود موضوعة الجسد في تجربة الاخيرة (تواشجات معاصرة) قد اتخذ من الجدل والجدلية بين الحضور والغياب بمثابة صراع الانسان مع الطبيعة من جهة وبين الانسان مع الآخر من الجهة الاخرى بعد ان أصبح الحضور بمثابة نسق تواصلي بأفق معرفي بين ما هو واقعي مرئي حاضر (مُعلن) وبين ماهو ذهني معنوي تخيلي غائب (مخفي) ،يسمح لفعل التواصل بان يكون شبيه بساعي البريد الناقل للأفكار والاحداث والمعارف والحكايات التي تدوّن ابجديات الالم من والى الجهة الاخرى من خلال تكثيف الفنان للعديد من الاشارات والعلامات في الخط واللون (الحيادي على وجه الخصوص) المنتجة للدوال التي تتفق ووظيفة الترميز فتتجه بفضاءات المشهد البصري الى ذهن التلقي فيمنحه حضوراً مكثفاً بالدلالات . وبالتالي يصبح حضور الجسد (المرأة والرجل) كأثر مفاهيمي على أسطحه البصرية (اسم ، كلمة ، علامة ، اشارة ، حركة فائرة ، بقعة لونية…) بمثابة توجيه انتباه الذهن الى مناطق الغياب . مثل هكذا طروحات تشكيلية نجدها حاضرة في التشكيل المعاصر في العراق تكشف لنا عن آليات وتمظهرات وكيفيات تحدد ملامح أجساده المعنوية وأشباحها التخيلية وطرق تشفيرها وصناعة مرموزاتها ودلالاتها المعرفية وتدوين سيرها الذاتية الممتلئة بتشظيات الجسد وتداعيات الحروب عليه . فالجسد هُنا قد صيرهُ الفنان بمثابة الرمز الحاضر الغائب المتموضع في شكل دال منتج للدوال المتتالية والتي تشكل في النهاية تفاصيل الخيال الذي يمنح المتلقي قوى معرفية للجذب والمتعة والدهشة لحظة فعل التلقي ومابعدها المنتج للغياب .

أقنعة ونبوءات محو الذاكرة :
يجد المتتبع لحركة التشكيل المعاصر في العراق والوطن العربي بشكل عام وفي نتاجات المعرض الشخصي للفنان علي رضا بشكل خاص ، بان الفنان قد أفصح عن نبوءات شرقية معاصرة أنتج من خلالها أشكالاً جديدة تفترق عن ملامح الانموذج الى حد ما ، تناهض طروحات العولمة التي انتهجت اسلوباً كولونيالياً يحتفي بأجندة عالمية تسهم في محو الذاكرة البكرية للإنسان العربي والعراقي على وجه الخصوص ، ليكشف عن تداعيات الحروب المتكررة عليه والتي أنتجت ضحاياً وكساد وفساد وحصار ودمار وظلال وأوهام الديمقراطية وفوبيا الموت التي أطرت أزمنة الوقائع والحوادث المعاصرة المتخذة من حالات الخوف والرعب والضياع والموت والقتل والتهجير والتسليع للجسد فضاءات رحبة لترسيم حدود الذات المحلية والعربية والعالمية التي تشظت بالالم هنا وهناك .

فالخطاب المابعد الكولونيالي في القرن الواحد والعشرون يمكن ان نعدهُ خطاباً سيمولاكرياً يحتفي بالصور المزيفة الكاذبة المفترقة عن الاصل والفاقدة للقيم بسبب تمردها على الواقع الافتراضي في مقابل الحقائق الفعلية .. مما جعل الفنان من أن يلتجأ الى تمجيد الجسد الانثوي (الامرأة ،الفتاة ،الصبية، الطفلة..) الذي وجدناه حاضراً في أغلب شخوص لمعرض الشخصي للفنان، بينما الجسد الذكوري وجدناه قد تم اختزاله يكون مختزلاً الى رأس مقطوع أو كف مخلوع أو جسد مقتول بلا رأس أو مجرد هالة شبحية تحتضن جزئيات المشهد ، ترمز الى حالة من حالات الغياب أو التغييب القسري له بسبب تداعيات الحروب ومؤامرات التفريق والتشويه والتزييف وبالتالي يصبح حتى الجسد الانثوي غائباً ذهنياً في نهاية المطاف بسبب غياب الرجل بالرغم من تجسده بصرياً ؛ بوصفه متواري عن الانظار ليصبح هذا الغياب المتمثل باختفاء الرجل ، له حضور معنوي واضح المعالم من العناصر الحاضرة بذاتها ، تمنح المتلقي دهشة صناعة الاسئلة وإعادة انتاج المعنى والحدث ومن ثم مسرحتها في أشكال جديدة .

فالفنان علي رضا في معرضه الشخصي وفي تجاربه الاخرى في العراق وتونس، وبفعل جماليات التمويه ، يمنح مفهوم الغياب قوة فاعلة في تكوين مشاهده التصويرية من أجل التنقيب عن سرائر المسكوت عنه للتعرّف على ماهية الغائب وصفاته وسردياته الكبرى وقصص احداثه المصيرية ، فضلاً عن اعتماده على آليات التشفير وبياناته الرياضية التي أسهمت في تمجيد الرمز والرمزية بدلاً من محاكاة الأيقونة واظهار تفاصيل وملامح المرئي لصالح ملامح الخيال ، ليصبح المتلقي لحظة التلقي والاشتباك مع النص التشكيلي ، بمثابة ورقة بيضاء يتم تدوين آثار التاريخ على جسده المعنوي .

المقال السابقبالعقل
المقال التالىالمراهقون وعوالمهم
الاستاذ الدكتور شوقي الموسوي Prof.Dr.Shawqi Al.Musawi Babel University / College of Fine Arts - شوقي مصطفى علي الموسوي - تولد العراق /1970 - حاصل على شهادة البكالوريوس في الفنون التشكيلية / كلية الفنونالجميلة بجامعة بابل / 1992 - حاصل على شهادة الماجستير في الفنون تشكيلية ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد