هو الحبّ فقط ما يجعل لهذا الحضور قيمة .. قراءة في “مريم المصريّة” للدّكتور محمّد الباز

 

“هو ذا منذ الآن تطوّبني جميع الأجيال” (لوقا 48:1)

لعلّ هذه الآية تختصر رؤية الدّكتور محمّد الباز في ما يخصّ حضور السّيّدة مريم العذراء القويّ في قلوب الملايين حول العالم، لا سيّما المصريّين مسيحيّين ومسلمين. ونلاحظ من خلال العنوان “مريم المصريّة” أنّ الكاتب أراد أن يبرز عمق الحضور المريميّ في مصر بعيداً عن الدّخول في تفاصيل النّصوص الكتابيّة والشّروحات اللّاهوتيّة، مكتفياً بتأمّل الرّوح المصريّة المحاكية حضور مريم ببساطة وحبّ. (توقّفت فقط عند الحالة الّتي يتيه فيها أبناء الطّوائف عشقاً وولهاً بالسّيّدة الّتى وضع الله يده عليها، لأنّها امتلأت بنعمته)، فالمباركة بين النّساء وسيّدة نساء العالمين، تستقرّ في قلوب المصريّين ولا ينازعها أحد على هذا الاستقرار كما يؤكّد الدّكتور محمّد الباز. وهو واقع لا يمكن التّغاضي عنه، إلّا أنّ الدّكتور محمّد يسعى من خلال رؤيته إلى البحث في عمق الحالة العشقيّة المصريّة لمريم، تحديداً المسلمين. وما العنوان إلّا دلالة على إخراج السّيّدة مريم من الإطار الدّينيّ والعقائديّ المحدود إلى الحضور الإنسانيّ المتخطّي للحرف النّصّي وإن تمّ الاستناد إليه.

“مريم المصريّة”، عنوان يحمل في دلالته العميقة اتّحاد المصريّين بالرّوح أمام السّيّدة الأم الّتي إذا ما تأمّلنا حضورها الصّامت وجدناه مدويّاً في النّفوس. (ولذلك فأمّ الرّب عند المسيحيّين وسيّدة نساء العالمين عند المسلمين، عند المصريّين ستجدها شفيعة. شفيعة دون النّظر إلى انتمائها، ولا إلى من تنتسب، ولا ما الّذى يحتّمه الإيمان بها، فهي بالنّسبة للمصريّين خالصة لهم تماماً)، فعندما يلجأ المصريّون إلى مريم يلجأون إلى الأمّ المقدّسة الّتي تحتوي الجميع، وليس إلى الانتماء الدّينيّ. وفي هذا عودة إلى قول مريم: “هو ذا منذ الآن تطوّبني جميع الأجيال”. ولعلّ الدّكتور محمّد جمع هذه الأجيال بالمصريّين أجداداً وأحفاداً من خلال تأمّله للواقع المصري العاشق لمريم. (السّيّدة مريم العذراء من زاوية خاصّة تمثّل حالة مصريّة متفرّدة، تجمع المسلمين والمسيحيّين على أرضيّة عقيدة واحدة، قد تختلف التّفاصيل بعض الشّيء، لكنّ المعنى الكبير الّذى يظلّل الجميع واحد، فبركة العذراء حقّ لكلّ المتعبين أيّاً كانت قبلتهم، وليس عليهم حرج عندما يرفعون أيديهم إلى السّماء دافعين بها راجين الله بفضله ومكانها ومكانتها). وفي هذا القول يعتبر الدّكتور محمّد الباز أنّ فرادة المصريّين تكمن في اجتماعهم في ظلّ عقيدة مريم، ليس بالمعنى الدّينيّ لكلمة عقيدة، وإنّما بالمعنى الإنسانيّ العميق الّذي يبحث عن الرّجاء والطّمأنينة والفرح. فمريم فرح كلّ المحزونين وملجأ لكلّ المتعبين. وتلك الثّقة الّتي يعبّر عنها الجميع تجاه السّيّدة الفائق قدسها، خاصّة المصريّين، ما هي إلّا انعاكس لثقتها هي باللّه. فمريم بدت واثقة كلّ الثّقة بالله سواء أكان في النّصّ الإنجيليّ أم النّصّ القرآنيّ. ولقد شعّت هذه الثّقة في قلوب المؤمنين وخلقت تفاعلاً قلبيّاً بينها وبينهم. وكأنّي بالدّكتور محمّد الباز يريد القول إنّ السّيّدة بالنّسبة للمصريّين أعظم من أن يُدخلوها في تعقيدات العقول المحدودة، فما يدفعهم القلب وحسب. لذلك يجتمعون حولها دون ريبة وبتلقائيّة وبساطة، ما لا يفسّره أيّ نصّ كتابيّ.

(ما الّذى يمكن أن تفعله أمام من يؤكّد لك أنّه شفي ببركتها؟ ما الّذى تقدر على أن تقوله لمن يجزم لك أنّها كانت وراء فكّ كربه؟ ما الّذى تستطيع تقديمه لمن وقفت بين يديه عاجزاً، بينما يحكي لك عن تجلّي العذراء لعينيه قبل أن تتجلّى لقلبه؟ يمكن أن تصمت تماماً، مكتفياً بالبحث عن السر.)

من خلال هذه الأسئلة يدخل الدّكتور محمّد في جدل ذهنيّ حول سرّ السّيّدة وسرّ التّفاعل معها. ويتساءل ما إذا كان هذا السّرّ يكمن في ميراث الحزن الّذي حملته مريم العذراء كما يعتقد المصريّون أو سواهم. وهو ضمناً يعلم خفايا النّصوص أو لنقل يلمس في الأمر العامل النّفسيّ والعاطفيّ والحاجة الماسّة إلى الطّمأنينة لحظة انقطاع الأمل. فيقول: (كثيرة هي الأشياء الّتى تحيط بنا وتفتقد المنطق، نبحث لها عن تفسيرات عقليّة فلا نجد، نفتح كتب العلم لتعيننا على استيعاب ما يجري، لكنّها تظل صمّاء لا تنطق، وهو ما يجعلنا نستسلم تماماً)، ولست أدري إن كان بالإمكان أن نفسّر هذه التّجارب والاختبارات الرّوحيّة منطقيّاً، وقد لا يجوز لأنّ هذه الاختبارات مشخّصة ومعنيّ بها من مرّ بهذه التّجربة.

لكنّ الدّكتور محمّد يرنو إلى ما هو أبعد من البحث في الحالة العاطفيّة واليقين باستجابة السّيّدة لمريديها. وما هذا الجدل الذّهنيّ إلّا مدخل للإشارة إلى تجليّات السّيّدة مريم أو الظّهورات الّتي حصلت في مصر الّتي تؤكّدها الجموع المحتشدة أمام الكنائس فتشعر بأنّ مريم قريبة منها وتترفّق بها. لذلك أشار إلى ثلاثة أمور مهمّة: الأوّل، مرافقة التّجليّات لأحداث مأساويّة في مصر، والثّاني، على الرّغم من التفاف المصريّين، مسيحيين ومسلمين، حول السّيّدة، إلّا أنّ هذا الالتفاف لم يلغِ الحالة الطّائفيّة في مصر، والثّالث اختلاف الطّوائف المسيحيّة حول هذه التّجليّات. إنّ الإنسان يبحث عمّا يجعله يلمس السّماء، ويؤكّد له أنّها ليست ببعيدة عن مشاكله وهمومه وعوزه والظّلم والقهر الّذي يعاني منه يوميّاً. بالمقابل ثمّة من يعي أنّ هذه الظّهورات لا تمتّ إلى الإيمان بشيء، فما الهدف منها إيمانيّاً؟ وما هي الرّسالة الإيمانيّة الّتي يمكن أن تأتي بها طالما أنّ الرّسالة الإيمانيّة حاضرة في الكتب المقدّسة؟ والواقع المصري كما يشير الدّكتور محمّد ضمناً لم يوحّد المصريّين كما يظهر، ولعلّ السّبب يعود إلى أنّ اللّجوء إلى مريم لا يندرج ضمن المحبّة الأخويّة وإنّما ينطلق من واقع إنسانيّ متألّم. كما أنّه يشير إلى الدّوافع النّفعيّة الّتي تختبئ خلف هذه الظّهورات، فكثيرون يستفيدون من أحداث قد تدخل في إطار الوهم والخيال والحالة العاطفيّة.

لم يرد الدّكتور محمّد الباز بهذا الجدل الذّهني تشكيك المؤمن المصريّ أو تسخيف هذه التّجليّات أو التّقليل من شأن السّيدة بأيّ حال من الأحوال. وإنّما أراد أن يعبر إلى السّيّدة مريم المعنى والحضور والقيمة. فنراه يسبر أغوار سورة آل عمران ويغوص فيها ما يشبه الغوص الّلاهوتيّ ليغرف منها “قوانين مريم”، أو بمعنى آخر أهميّة مريم في الحالة الإيمانيّة. وبذلك يستحضر الدّكتور محمّد النّصّ الدّينيّ الّذي يعرّف عن مريم العذراء وفعلها في الواقع الإنسانيّ ليكون النّصّ هو اليقين. لكنّه عبّر عن رؤيته الخاصّة كما يعبّر كلّ إنسان عن رؤيته الخاصة لمريم، السّيّدة. ورغم تعارض الصّور والأخبار والرّوايات والشّخصيّات هنا وهناك، ورغم الاختلاف حول مريم الشّخص والأمّ والمقدّسة، ورغم التّحيّر العقلي والمنطقي والانجذاب العاطفي، يبقى أنّ مريم بسمة فرح على شفاه هذا الوجود. ولعلّ ما يفسّر قول الدّكتور محمّد الباز إنّ المصريّين يعتبرون مريم خاصّة لهم، قول السّيّد المسيح في إنجيل يوحنّا: “وقال للتّلميذ: هذه أمّك. فأخذها التّلميذ إلى بيته من تلك الساعة”. ( يوحنّا 27،26:19). من يحبّ مريم يأخذها إلى خاصّته، ويسكن في ظلّ حنانها المتدفّق، وينعم بقلب إلهيّ، يغمره الحبّ والحبّ فقط.

لا تعليقات

اترك رد