أنشودة الحياة الجزء العاشر نص مفتوح ماغوط، حزنكَ ينبعُ من آهاتِ البشرِ

 
اللزحة للفنان صبري يوسف

إهداء: إلى روحِ الأديبِ المبدع محمَّد الماغوط

189 … …. ……..
تصحّرَ حتّى الاخضرار
وطنٌ مِنْ لونِ الاصفرارِ
مِنْ مذاقاتِ الحنظلِ
مِنْ لونِ الأسى
مِنْ لونِ الكآباتِ!

وقفَ الحلمُ بينَ أنيابِ الحيتانِ
مذهولاً مِنْ ذبولِ الأقاحي
هربَتْ غزالةُ الرُّوحِ بعيداً
عَنْ منأى طغيانِ الغباءِ
على نسيمِ الصَّباحِ
على ذاكرةٍ مجبولةٍ بالورودِ

لم يَعُدْ للورودِ نكهةُ الورودِ
تبدّدَتِ النَّكهةُ مِنْ هولِ المآسي
مِنْ سُمُومِ الحروبِ
مِنْ هولِ نيرانِ الجنونِ

تخرُّ الأيامُ سريعاً
مِنْ ردهاتِ العمرِ
كأنَّها غمامٌ مبدَّدٌ
في وهجِ صباحٍ باكر

عادَ المحاربون مبقَّعينَ بغباءِ الحروبِ
غضبَتِ الأنهارُ وأمواجُ البحارِ
وجعٌ في حلقِ البنين
حتّى الجبال أصبحتْ ثكلى
مِنْ غدرِ القنابلِ
اِحترقَتْ أعشابُ الوادي
وماتَتِ الطُّيورُ عندَ مرافئ الغدرِ

جوعٌ على مدى البصرِ
جنونٌ على مدى هاماتِ الرِّجالِ
رجالٍ مِنْ لونِ الهشاشةِ
مِنْ لونِ الدَّهاءِ
مِنْ لونِ دكنةِ اللَّيلِ
مِنْ لونِ الرَّمادِ
مِنْ لونِ وخمِ الفسادِ
قَرنٌ معفّرٌ بسمومِ المالِ
مالٌ يناطحُ ربَّ الأربابِ
جنونٌ حتَّى النِّخاعِ
جبنٌ على إيقاعِ فرارِ الأرانبِ
أرانبِ الحيِّ أكثرُ شجاعةً
مِنْ رجالِ هذا الزَّمان
أكثرُ وئاماً مِنْ رعونةِ البشرِ

داسَ أوباشُ هذا الزَّمان
في جوفِ البغالِ
داسوا في جوفِ الذِّئابِ

بشرٌ “مجصَّصين” بلزوجةِ القيرِ
معفَّرينَ بعنادِ البغالِ
عودةٌ إلى أحراشِ الأدغالِ
إلى شفيرِ الصَّحارى
إلى ظُهورِ الجِمالِ

ورمٌ في تلافيفِ المخيخِ
في لبِّ الحضارةِ
ورمٌ في قاعِ الخيالِ
في أوجِ رؤى الرِّجالِ

رجالٌ أكثرُ وحشيَّةً مِنَ الحيتانِ
حيتانِ البحارِ أكثرُ وئاماً
مِنْ رجالِ العصرِ
مِنْ وباءِ العصرِ
مِنْ غباءِ العصرِ

عصرٍ مكفهرٍّ بالجراثيمِ
معشَّشٍ بالبعوضِ
بسمومِ التُّرياقِ ..
جنَّ جنونُ الأمواتِ
حتّى الموتى اِغتاظوا في قبورِهم
مِنْ هولِ الآفاتِ
آفاتِ الحربِ وشروخُ الرَّاياتِ
راياتٍ تُدمي مآقي الأمَّهاتِ
راياتٍ مندلعة مِنْ أفواهِ البراكينِ
راياتٍ مقعَّرةٍ بالعقاربِ
مهووسةٍ بهدرِ الدِّماءِ

حضارةٌ مِنْ تلافيفِ الغبارِ
مِنْ أجيجِ النَّارِ
مِنْ لونِ القيحِ
مِنْ شراهةِ الرِّياءِ
رياءِ الرِّجالِ على قيادةِ الكونِ
رياءِ الرِّجالِ
على تنغيصِ ليالي العشَّاقِ
رياءِ الرِّجالِ على قهرِ الطُّفولةِ
على خلخلةِ أجنحةِ الشَّبابِ

تفاقمَ كلُّ أنواعِ القحطِ
قحطِ الأخلاقِ
قحطِ السِّياساتِ
قحطِ الحوارِ
قحطِ المحبّةِ وأزاهيرِ الدِّفءِ
قحطِ الحرفِ ولونِ الوفاءِ
قحطٍ مستفحلٍ في بؤرةِ الرُّوحِ
في أوجِ الحصادِ
رغمَ هطولِ زخّاتِ الأمطارِ
قحطٍ مفتوحٍ
على مدى جغرافيَّةِ الكونِ
قحطٍ معرّشٍ في قاعِ مخيخٍ
سفيهِ الأضلاعِ

خلخلَ براءةَ الأطفالِ
دمَّرَ جمالَ الغاباتِ
ولَّتِ الكائناتُ بعيداً
عَنْ شراهةِ النِّيرانِ
لَمْ تطمئنَّ إلى البقاءِ
في ظلالِ الأدغالِ
….. … … … .. …..!

المقال السابقتورُّمُ الشَّراكات عشوائيات في الحب – الثالثة والعشرون
المقال التالىمفهوم حب الوطن
أديب وتشكيلي سوري، محرّر مجلة السَّلام الدولية، أصدر أكثر من 40 كتابٍ ما بين دواوين شعرية، ومجاميع قصصية، وثلاث روايات، وحوارات ودراسات أدبية ونصوص أدبية ومقالات حول مواضيع عديدة، كما رسم أكثر من 300 لوحة فنية وأقام خمس معارض فردية والعديد من المعارض الجماعية في ستوكهوم، مقيم في السويد ـ ستوكهولم م....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد