غياب جسد المرأة في السينما الإيرانية ومحاولات كسر التابوهات

 

المتأمل للسينما الإيرانية يجد أنه منذ نهاية الثمانيات بدأت مرحلة عودة وتطور ظهور الشخصيات النسائية وأن تأخذ مكانها في السيناريو والتدرج إلى البطولة بعد أن عايشت محاذير كثيرة وبقيت في الظل بالسنوات الأولى للثورة الخمينية، في سينما عهد ما قبل هذه الثورة شغلت النساء ثلاثة أدوار رئيسية على الشاشة:ـ دور الأم التقليدية ، والزوجة المنقذة ، والمرأة المغرية الخطيرة. هذا النوع الأخير تم رفضه من النظام الإسلامي وسنت قوانين تجرمه لهدف محوه فلا يمكن أن يقبل أي عمل تظهر فيه امرأة عاهرة أو راقصة بل أن اللقطة القريبة لوجه امرأة تصبح مرفوضة في حال وجود إيحاء مغري وكذلك وجهة نظر الرجال لجسد المرأة ووجهها يظل مرفوضا من الرقابة، كما يتم تحريم أي تلامس جسدي بين الرجال والنساء مهما تكن الأسباب.

الأفلام الفارسية
منذ ظهور السينما في إيران مرت بعدة مراحل وكانت الأفلام الفارسية بالبداية تكتفي بتصوير الواقع الطبقي للمرأة ووجود الرجل الذي يحميها وظهرت أفلام في الستينات تصور شخصيات نسائية بملابس الموضة وطريقة حياتهن لكن تظل القوة للرجل، ثم تطور ظهور المرأة وتصوير الجسد دون أي موانع وكانت بطلات الأفلام راقصات وبائعات المتعة وظل الرجل الحامي والمدافع عنها وسميت هذه الموجة بالأفلام الشعبية وهي أفلام مسلية وفيها أغاني ورقصات ومطاردات ولم تكن السينما تحضى بأي دعم رسمي ولا توجيه ومع ذلك انتعش الإنتاج وبنيت دور العرض السينمائي في أغلب المدن الكبرى.

مع قيام الثورة تم فرض معايير الإسلامية صارمة في مجمل الحياة الاجتماعية واستحداث نظام أخلاقي جديد في كل المظاهر والسلوكيات الحسية للمرأة حيث منع التبرج، بهذا استحدث نظام رقابة متشدد على السينما وجميع الفنون بحيث يمنع الفساد بحسب وجهة نظر النظام الجديد وهكذا أصبح وجود امرأة بأي فيلم خاض للقانون الجديد وتم منع أغلب الفنانين والفنانات الذين لهم أعمال سابقة جريئة وأضطر أغلبهم للفرار أو التقاعد، أصبحت الشخصيات الأنثوية إما غائبة أو مصورة بشكل مهمش، خاصة في الأفلام الاجتماعية الأولى للجمهورية الإسلامية.

الثمانينات وأفلام الحرب
في غالبية أفلام الثمانينات وخلال الحرب الإيرانية العراقية ظهرت الكثير من الأفلام التعبوية التي تحض على الحرب والجهاد وتقدس الشهادة وأغلب هذه الأفلام بطولتها من الرجال وقد تظهر شخصية الأم الصابرة أو المشجعة للجهاد والشهادة وهذه النوعية من الأفلام كانت تبتعد عن مشاكل المرأة وتركز فقط في تثوير الشباب وخلق الإيمان بالحرب المقدسة وفي الأفلام الاجتماعية والكوميدية سنجد تصوير المرأة كزوجة مطيعة أي تطبخ الطعام وتقدم الشاي وهي بغطاء الشعر وإذا خرجت تلف على جسدها العباية وتخفي معظم وجهها ولا يمكن أن يسمح بأي دلالة جنسية مهما كات صغيرة أو عفوية، نظرة الكاميرا للمرأة كانت حذرة جدا وبلقطات بعيدة أو متوسطة ولا تجوز أي ملمسات جسدية ولم تكن مواضيع الحب والعشق والغراميات حتى لو كانت بريئة وعاطفية فقد تسبب رفض السيناريو وإن تم حدوت تجاوزات بسيطة فالفيلم يمنع من العرض.
في الأفلام الحربية ظهرت النساء بشكل مثالي في أدوار ممرضات وزوجات وأمهات المحاربين والشهداء، في لحظات الوداع قبل الذهاب للجبهات نجد في هذه المشاهد مسافة تمنع الملامسة حتى حينما يودع زوج زوجته أو أم ولدها وتظل الملامسة محرمة حتى في مشاهد يكون الأبن أو الزوج جثة فمن المستحيل السماح بأي تلامس جسدي وحتى الملامسات والتواصل الجسدي بين النساء يظل بحذر شديد وأغلب الأفلام تتحاشاه بحيث لا يفهم بشكل خاطئ.

نماذج من الموجة الجديدة .. المرأة المرئية
ظل الوضع معقدا إلى منتصف التسعينات وظهور موجة سينمائية جديدة بدأت تطرح بشجاعة مواضيع جريئة وتعطي للنساء مساحة أكبر وأكثر عمقا وحضورا مع الحذر في تصوير الجسد الأنثوي وبدأت عدة أساليب للتحايل ومرواغة الرقيب، كما أن السينما الإيرانية أصبح لها حضورها الجيد في المهرجانات الدولية وخاصة الأوروبية وكسبت السينما الإيرانية إعجاب الجمهور داخل وخارج إيران ومع كل تجربة جريئة تزداد شهرتها وتألقها العالمي.
بدأت عجلة التجارب لمخرجين ومخرجات بحيث يصبح للمرأة دورا إيجابيا فاعلا، في فيلم عروس (1990) للمخرج بهروز افخمی، نجد أن العروس الشابة هي من تشجع زوجها على التخلص من الخوف والجبن، في هذا الفيلم نجد بالبداية الزوجة بفستان الفرح وفي أجمل مظهر ولقطات متوسطة قريبة لوجهها، في أفلام داريوش مهرجوئي في فيلم ليلى (1996) نجد البطلة أحد المكونات المهمة والعميقة في المسار الفيلمي بحيث تتضح ثمة علاقات ذات حساسية مثل الحب، الطفولة، العلاقات الاجتماعية والعلاقات الزوجية، “ليلى” جزء من سلسلة من الصور التي اشتغل فيها داريوش مهرجوي على الشخصيات المعقدة التي تكافح مع قضايا الحياة الحديثة في إيران ، بين الحفاظ على الفردية والاعتماد على المجتمع، وأسئلة عن الخضوع للنظام القائم والتحرر، وبدأت تظهر أفلام بأسماء نساء وتكون صور الممثلات على بوسترات الأفلام.
في فيلم أشجار الزيتون 1994 للمخرج عباس كياروستامي سنكون مع الشاب حسين الذي يقع في حب طاهره لكنها ترفضه وهي أعلى تعليما منه.
نجد في أفلام التسعينات تطورات مهمة بحيث أصبحت المرأة مرئية بشكل واضح ويمكن أن تظل في مستوى النظر وتُحسّ بها الكاميرا وبمقدور الشخصية أن تضحك مع رجال أو تغني وهنالك أفلام لمخرجات تفرغن لتناول قضية حقوق المرأة، أمثال رخشان بني اعتماد وفيلمها نرجس (1991) من الأفلام المهمة جدا وكذلك فيلم الوشاح الأزرق، من المهم جدا مشاهدة أفلام تهمينة ميلاني، التي تبنت المشاكل النسوية مثل فيلم أولاد الطلاق 1989 وفيلم امرأتان 1999، نجد في أفلامها تفكيرا وأسئلة بصوت عالي عن مشاكل المرأة وما يحيط به من قسوة ذكورية، كما أن بوران درخشندة وأحدة من المخرجات المهمات بعدة أفلام وثائقية وروائية تنتصر فيها لبنات وطنها، وعلينا أن نشاهد فيلم سجن النساء (2000) لمخرجته منية حكمت، حيث لأول مرة تظهر امرأة بدون غطاء الرأس لكنها حليقة الشعر، كل هذا لا يعني أن الانفرجات تتوسع فالكثير من المخرجين والمخرجات تصادموا مع الرقيب ومنعت مشاريع كثيرة وتم محاكمة البعض.

أصبح للمرأة عمقها الخاص وجمالها الروح
كسر الصورة الجامدة والضعيفة لم يكن بالأمر السهل ومايزال هنالك قضايا بحاجة للبحث وأشياء يمكن أن تقال ولكن الجهود تظافرت لنرى أفلام تقود المرأة فيها السيارة أو تجلس على مكتب أمام الحاسوب أو تعمل بوظيفة رفيعة ومهمة، حتى لا يتم القفز على الواقع ومجرد وصف للمظهر سنجد وجود تفكير في المرأة ومشاكلها النفسية والتعمق بدواخلها وبحث في الأعماق الداخلية للمرأة مثل فيلم “ربما آخر مرة” للمخرج بهرام بيزاي، وهذا المخرج من الأسماء والرواد المهمين جدا في تأسيس وانطلاق الموجة السينمائية الإيرانية الجديدة والتي أسست لجماليات متوهجة ببلاغة صورية وعمق المعنى فالحب في سينما ما بعد الثورة وصورة الرجل الإيراني يختلفان اختلافات جذرية عن تمثيلات النظام القديم فهو ليس الرجل القوي مفتول العضلات الذي يحمي المرأة، أصبح للمرأة عمقها الخاص وجمالها الروحي فهي ليست مجرد الجسد المغري الفاتن وأصبح بوسعه أن ترفض وتقول لا لزوجها أو عائلتها أو للمجتمع وتصرخ بسبب جروحها ولديها أحلامها الخاصة وتسعى أن تثبت وجودها ليس فقط كجسد ومتعة للرجال.

التحرر وإثبات الذات
أصبحت السيناريوها تتنافس في تعميق حضور المرأة والتي تتقاسم البطولة أو تأخذ البطولة الكاملة أو تكون عدة شخصيات نسائية بطلات ونادرا ما نرى غيابا للمرأة في الأفلام التي انتجت بعد عام 2000 إلى وقتنا الحاضر، وسنلاحظ أن قوة السينما الإيرانية المتنامي يأتي من فهم اللغة السينمائية واللمسات الجمالية يضاف أيضا عمق الفكرة وسهولة الحكاية وتشابكاتها الفلسفية والنفسية وتحليل لمشكلات الإنسان الإجتماعية والعلاقات بين الناس ومحاولات التحرر وإثبات الذات وخلق ميتافور مع المكان والزمان، كما تتسم بحساسية روحية عالية لذلك قل تأثر منع تصوير الجسد الأنثوي ولا الملامسات الجسدية الحسية والتعري، لا يعني هذا أن الوضع الرقابي لم يؤثر بسبب شدة قسوته حيث تتعطل الكثير من المشاريع لكن محاولاته اخراص التجارب الجريئة لم تفلح ولم تستطع أن تعيد السينما الإيرانية المستقلة إلى الخلف كون التحفيزات من المهرجانات الدولية الكبرى مستمرة والأهم من ذلك وجود جمهور على مستوى العالم يتعطش ويتحمس لكل خطوة جديدة وهنالك عشرات الأفلام قد لا تكون مشهورة لكنها تتسم أيضا بلغة سينمائية عميقة، أصبحت أسس الإبداع أكثر قوة ومن المهم أن تستمر كونها تفتح نوافذ مهمة حضارية وإنسانية.

المقال السابقامرأة بلا قضبان
المقال التالى«ثقوب الجهات»
حميد عقبي سينمائي وكاتب يمني مقيم في فرنسا، اخرج خمسة أفلام سينمائية، منها ثلاثة أفلام قصيرة وهي معالجات سينمائية لقصائد شعرية "محاولة الكتابة بدم المقالح"12 دقيقة 1997 ــ بغداد، فيلم 'ستيل لايف"2005 ــ 20 دقيقة فرنسا، فيلم الرتاج المبهور" 2006 فرنسا 32 دقيقة. نشر 21 كتابا إليكترونيا منها 4 مسرحيات،....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد