التشكيلي خليف محمود المحل يناغم التأويل في استنباط الموروث الحضاري المعاصر في اعماله الفنية

 

قد يتبادر الى الذكر رؤيا اكثر جدالا لاعمال الفنان خليف محمود المحل ذلك الفنان المتنقل والمتعدد في محاور عمله من الفكرة الى اللون ومن اللون الى الفكرة .

ان الخطاب الذي اوجده هذا الفنان (المحل) قد يكون بعيد كل البعد عن باقي الفنانين التشكيلين الاخرين وذلك لانه يبحث عن (ذاتية التكوين) وهو استخلاص لرؤية التأويل ليكون علاقة مع المتلقي من اجل ترجمة العمل من اللوحة الى واقع ملموس … هكذا كان (المحل) .

في تجارب هذا الفنان حيث لم يخترع المشهد الواقعي للجسد او التكوين حيث ان تأمله ككيان محمل بمحولات تبدأ ببذور الحياة وبالجسد كاشكالية تتضمن حلولها الجدلية … بل كرس اعماله في مجال ينسجم مع اساطير سومر والخصب في حضارة العراق ولكنه في اعماله الفنية تلمس فيها نوعا من الواقعية من حيث المغامرة لم يسبق لفنان اخر ان يخاطب العمل برؤية الحالم … حيث استطاع ان يكون تناسب نزعته الدقيقة وحولها الى تكوينات كانت المهمة ليست دعابة … اومغامرة … عندما قام بصب هذه الاجساد وتحويلها الى كيانات فنية … كانت هذه التكوينات هي التي تتكلم … تتكلم بصمت الجسد وتحكي تاريخه الطويل ويتوقف في الوسط من ثم تحرير وتقطيع وتلوين تلك التكوينات بعد ان اضاف لها عددا من اجنحة الطيران ان ذلك الرمز كان موجودا منذ فرويد الذي حلله استنادا الى تحويلات الحالم للرموز … مكث يعري الداخل “الطير والرغبات” ليزواج الفكرة مع المضمون … الواقع وفضاءات بلا حدود بيد انها لم تكن محض اقنعة … بل كانت تتحدث عن نزعة انتقالية لمفهوم القناع فالجسد ذاته لايتخفى … ولا يخفى او يعزل انه ليس الارض وقد صار الجسد نابضا خارجا من الخفاء الى العراء التام وصار الرسام ينحت الافكار بريشة الابداع .

ومن خلال افكاره التي يخاطب بها العقل ويخاطب بها الروح يدمج معها خطاب نموذجي يتسامى فيه اختلاط وتجانس الرؤيا في تكوين واحد … يتجلى في نفس الوقت الى بعد واحد ايضا .

(المحل) هو واحد من التشكيلين الذين تخطوا رؤية المحور في عمله لكي ينتقل الى رؤية اللون في تكوين اللوحة ومن ثم الى استعادة اندماج العمل من خلال احداث ضربات مدروسة ومدونة في اللوحة تشكل من خلالها حدث ذو ايحاء خطابي مدروس .

ليؤكد نزعته التي لم تعد شائعة في تجارب الاخرين، فان كان الرواد ومن درس في اوربا قد لفت الجسد انظارهم فانه لم يصر اشكالية او رمزا فقد تمت المعالجات في مدود التدرجات والتدريبات الصيفية ليخاطب العقل البشري … في الغالب … وبعد عودتهم الى الوطن يندر طوال قرن ان عرض الجسد الا في حدود التأثر بالتقاليد الاوربية باستثناءات نادرة بيد ان الفنان خليف محمود المحل الذي مزج الجسد والقناع … وجد فجوة لم تشغل احلتها بغرض اجساده الواقعية المحورة … والغريب انها لم تشكل صدمة … او غرابة بل احتلت حيزا في الذاكرة عند جمهور تدرب على تقاليد راسخة في اساليب المعالجات وسيجد الفنان نفسه اكثر التصاقا بالجسد في تجاربه اللاحقة … تعبر لنا عن شعور عام بمعناه السيكولوجي / الحلمي ؟ ام قام انبعاث اخر لكنوز نادرة كان السومري نفذها داخل جدران معابده … كما تم احياء هذا التقليد قبل خمسة قرون ابان تكون عصر النهضة في ايطاليا ام وجد الرسام نفسه يسهم بنقد نزعة التخفي والتستر وذلك الاتجاه المقيت للازدوجيات كي يترك حريته تتأسس بالانسجام مع ذائقة كبلت بالتابوت وازمته طويلة مع الاحاديات والحرمان المعرفي ان اعماله تؤسس طريقها الى التصريح والشائك بصفتها تفرض نتائج اشتغاله في وعي لا وعي الرسام في هذا البحث ثمة نزعة تجريبية سترافق الفنان في مراحله الفنية … نزعه جعلته ينوع في اسلوبه .

ومن خلال هذا التنقل مابين اعمال (المحل) نلاحظ هذا التجاذب وهذا التناغم في اعماله كانها ليست اعمال وانما هي الحان تطرب المتلقي بجمالية الوانها وعمق فكرتها وبهذا يكون هناك تقارب وتأويل في ترجمة العمل لدى المتلقي … الذي حفظ عن ظهر قلب اعمال هذا الفنان الموصلي الاصيل .

من خلال متابعتي لهذا الفنان التشكيلي الذي يتمرد في كل مرة لكي يكون شكلا ذاتيا جديدا ذو لغة جديدة يحدث من خلالها اعماله لتكون في تقارب روحي مع تأويل المتلقي يكون من خلاله قد اخذ المتلقي الى بعد صوري تشكيلي ينشر من خلاله عملا تشكيليا يضم من خلاله حدثا قد يكون من فعل او من افعال وهذا تناغم لغوي ينجح من خلاله هذا الفنان الذي يرى فيه المتلقي انه شاعرا ينشر شعره في لوحة تشكيلية ذات الوان وافكار نموذجية ايحائية .

لا تعليقات

اترك رد