قَالَ الدَّفْتَرُ

 

تتواتر في المدرسة التّونسيّة في الوثائق المتعلّقة بنظام المراقبة المستمرّة. وفي نصوص الاختبارات عبارة “فرض”. وفي الفرض معنى الإلزام والإيجاب من مستعلٍ بسلطته ونفوذه ومعنى الخضوع والإذعان من قبل الواقع تحت حكم هذا المستعلي. وليس مقام الامتحان مقام استعلاء وإخضاع بل مقام اختبار وتقييم. وهو لا ينفكّ عن مقام تعقّل الذّات والوجود فالعدول عن عبارة ” فرض” إلى عبارة “اختبار” ألطف وقعا وأقصد إلى الغاية.

والاختباراتُ المدرسيّة إن لم تكن أصيلة ضاع نفعها وقصُرت عن غايتها لذلك كان بناؤها صناعة أيَّ صناعة؛ الدّرسُ المُتعَلَّمُ مُعتمَدُها، والتّلميذُ المُتعلِّمُ مُسْتَأْمَنُها. قد جلّ الرّهانُ الّذي إليه السّبق: الصّدق والثّبات والتّمييز فلا غرو أن تُضبطَ معاييرُها وتُحدَّ حدودُها تكون دليلا في البناء يُتوخّى فيه القصدُ ويُستدرَك الأمتُ.

وشرط أصالتها أن تكون وفيّة لمعايير بنائها المتّفق حولها، وأن تكون جديدة لم يُسبق إليها، وأن تكون مجلى لقدرات دُرّب عليها المتعلّم، وأن تبعث على التّفكير. ولن تكون كذلك حتّى يصوغَها منشِئُها؛ يشُدّ أُصولها وَيحْكِم فُصولها وَيحْذِف فُضولها، ولن يتأتّى له ذلك حتّى يضع مقياس الإصلاح يختبر إمكانات الإجراء فيطمئن إلى موضوع الاختبار يضعه بين أيدي تلاميذه أو يجوّده حرصا على صدق أداة التّقييم.

فإذا كان الموضوع بين أيدي التّلاميذ ما احتاجوا أن يسألوا وما احتاج أستاذُهم أن يوضّح. وأن يُقْبِلَ الْأُسْتَاذُ عَلَى تَلَامِيذِهِ، وَهُمْ يُمْتَحَنُونَ، مُوَضِّحًا فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَحَدِ خَلَلَيْنِ؛ خَلَلٍ فِي الْاِخْتِبَارِ أو في الْعَقْدِ التَّعْلِيمِيِّ.

بيان ذلك أنّ الدّرس مشروع تعلّم ينخرط فيه المتعلّم مُريدا؛ يعرف وجه الحاجة إليه ومستطاعه منه ودوره فيه، والدّرس رياضةٌ للصّعب وتدريب على حلّ المشكلات وبناء للقدرات. قدرات لا تُبنى في حصص الإنتاج الكتابيّ فقط بل تُبنى أساسا في بقيّة التّعلّمات: الأدب، اللّغة، التّواصل الشّفويّ باعتبارها المتون الّتي فيها وبها يكون فعل الكتابة. فوجب أن تستهدفَ مختلفُ الحصص هذه القدراتِ موضوعَ الاختبار، وأن يُبصَّر المتعلّمُ بها حتّى يقيسَ حظَّه منها.

قدرات تُبنى إذ يواجه المتعلّم جديد الوضعيّات تضعه موضع الفعل وتختبر قدرته على استنفار الموارد وتوظيفها، وعلى التّفكير وإبداء الرّأي الوجيه في ما يعرض عليه من مسائل. هذه المواجهة هي الّتي تُعْلِمُه بمبلغه من القدرة والمهارة، وتُعلِّمُه أنّ الخطأ دربتُه على النّجاح وسبيلُه إليه، وأنّه إنسان يخطئ ليصيب بعد ذلك: يتصفّح خطأه شجاعا في مواجهة تقصيره، مؤمنا بقدرته على تجاوزه، شاحذا عزمه على أن يكون أفضل. وهذا هو معنى أن يكون التّدريب من جنس الاختبار، ومعنى أن يكون التّقويم التّكوينيّ -خلال مختلف الدّروس في خدمة التّقويم الجزائيّ وحجّةً له إذ يدعوه إلى التّأمّل في ممارسته والاستدراك على خطئه وقد تعرّف أسبابَه.

عند الامتحان وقد خشعت له قلوبٌ وذكَت عقولٌ يكون الأستاذ بين تلاميذه قوّةَ ضمير يدرّبهم بسمته المَهِيب وحضوره الجميل على أن يكونوا، ويمْحَن نفوسَهم يخلّصها من شوْب الهوى وذُلّ العجز. وَلَيَعْرِفُون ذلك ولو بعد حين.

وإنّي أربأ بالأساتذة الكرام عن عبارة تتردّد على الألسن في هذا المقام تَغْمَط الحقَّ وتقصُر عن القصد:

عَسَّ وأنت تعُسّ واسم المرّة عَسَّةٌ. “أَي يطوف باللّيل يحرس النّاسَ ويكشف أَهل الرِّيبَة” كذا جاء في اللّسان. وليس الأستاذ المُراقِبُ طوّافا، وليس التّلاميذ المُمتحَنُون في خوف، وهم في حرم مدرستهم الآمن، وليسوا من أهل الرّيبة. وإنّي أربأ بالأساتذة الكرام عن التّقصير في أداء هذا الواجب فإنّ التّهاون فيه مؤذن بتضييع قيمة الاجتهاد وهيبة العلم والتّعلّم. وإنّما الْحَيَاةُ رُؤًى يَعْبُرُهَا النُّهَى وَالْعَزْمُ، والتَّفَوُّقُ اِرْتِفَاعٌ ذوي العزائم وَالِامْتِحَانُ جِدٌّ يستصفي المعدن الفرند.

فإذا خلا الأستاذ إلى أعمال تلاميذه يصحّحها جاهد نفسَه هواها واحتكم إلى شبكة تقويم موضوعيّة كانت عقدا تعليميّا بينه وبين تلاميذه، فأعْلَمَ في ضوئها مواطنَ الإصابة ومواضعَ الزّلل وانتهى من ذلك إلى صنافة في الأخطاء تكون في حصّة الإصلاح أهدافا عوائق.

وإنّ حصّة الإصلاح لأجلّ الحصص وأخطرها فهي الشّاهدة على حِصَّةِ الدَّرْسِ مِنَ التَّوْفِيقِ، وَحِصَّةِ الْمُتَعَلِّمِ مِنَ قُدْرَةٍ اِخْتَبَرَهَا الِامْتِحَانُ وَمِنْ قُدْرَةٍ عَلَى جَعْلِ خَطَئِهِ سُلَّمًا لِنَجَاحِهِ، وَحِصَّةِ التَّعَلُّمِ مِنْ الْمَعْنَى. إنّها اِجْتِمَاعُ عُمُرِ الشَّجَرِ فِي الثَّمَرِ.

وكم تخسر التّربية والمدرسة والدّرس والإنسان إذا لم تنجز حصّة الإصلاح على وجهها الأتمّ ولعلّها لا تُنجزُ أصلا. فأن يسارع التّلميذ في حصّة إصلاح الاختبار إلى طيّ عمله يُخفيه عن الأعين فمعنى ذلك أنّ صدعا في علاقته بذاته لم ترأبْه حصّةُ الإصلاح ولعلّها أحدثته. وتلك صدوع الذّات لا تُريدُ وتُحْمَل على ما لا تريدُ. ولصدوع الذّات أسباب عديدة. وفي الدّرس – إن صحّ- أسبابُ قوّتها ومناعتها.

ووجب أن يعْلم المتعلّمُ أنّ العدد الموشوم على جبين الصّفحة الأولى علامةٌ على الطّريق الّذي سلك إلى هدفه فينظر إليه مستهديا به كما ينظر المسافر إلى العلامة على الطّريق فيذكو شوقه ويرتّب المسافة إلى ما يريد. وما كانت حصّة الإصلاح في مسار الفعل التّعليميّ إلّا محطّة للتّأمّل والمراجعة ولرسم أفق يهدي الخطوَ ويشحذ العزم.

فإذا انقضت أيّام الامتحان، وطويت حصّة الإصلاح وأبناؤنا التّلاميذ يتطلّعون إلى عطلتهم المدرسيّة يطلبون رَوْح الرّاحة فلتكن بقيّة الحصص أنشطة حواريّة تفاعليّة؛ مجالا للتّعبير الحرّ والبوح والمكاشفة. ولتكن مجلى لمواهبهم وأفنانهم، ولتكن انعتاقا من جُدُر الفصل إلى رحب المدرسة جسرا إلى حياة مدرسيّة تملؤهم بالأنس والفرح. وإنّ في الدّروس ألوانا وفي أنشطتها مباهجَ تُريح النّفوسَ طُرَفُهَا.

كذا قال الدّفتر.

لا تعليقات

اترك رد