الواقعية السياسية التي تتبعها السعودية في التعامل مع القضايا الساخنة

 

هناك نظريات عديدة للواقعية السياسية، ولكنها هي نقيض المثالية في السياسة والعلاقات الدولية وهي أقرب للبراغماتية لكنها تختلف عن السياسة الانتهازية أو الميكافيلية خصوصا وأن الدول العربية انتقلت من مرحلة دولة الخلافة العثمانية إلى دول استعمارية بعد الحرب العالمية الأولى ثم انتقلت إلى الدولة القومية والتي دخلت في صراع مع تيارات وجماعات إسلامية مدعومة من الدول الاستعمارية.

حيث عقد مؤتمر كامبل بابرمان 1095-1907 لتشكيل جبهة استعمارية تتكون من دول أوربية بقيادة بريطانيا و فرنسا، هولندا، بلجيكا، اسبانيا، إيطاليا لمواجهة التوسع الاستعماري الألماني وبشكل خاص في المنطقة العربية أملاك الدولة العثمانية ومحاولة فصل أفريقيا عن آسيا وزرع دولة مصطنعة عازلة تابعة للدول الأوربية وخاضعة لسيطرتها بعدما ظهر وعيا سياسيا شعبيا لمناهضة التدخل الأجنبي فكان زراعة إسرائيل الهدف لتقسيم المنطقة العربية إلى آسيوية وإفريقية.

ترى أمريكا أن سياستها الواقعية في أفغانستان التي لم ترضخ لأي قوات أجنبية عبر تاريخها باعتباره مجتمعا قبائليا، فهنري كيسسنجر يرى أن بقاء القوات الأمريكية في أفغانستان ليس واقعيا وكذلك الانسحاب ليس واقعيا ومؤخرا في 29 فبراير 2020 وقعت أمريكا في الدوحة خطوة لإنهاء أطول حروب أمريكا مع طالبان مع انسحاب أمريكي شامل مشروط خلال 14 شهرا.

وفي 1968 عندما اختار الرئيس نيكسون هنري كيسنجر مستشارا للأمن القومي وأصبح وزيرا للخارجية بعد ثلاث سنوات دشن السياسة الواقعية وأصر على الولايات المتحدة أن تعترف بثورة الصين التي نجحت في عام 1953 على الرغم من أنها شيوعية وهو صاحب فكرة التقارب مع الصينيين وصاحب الواقعية في مهادنة الاتحاد السوفيتي على الرغم من أنه يهدد الغرب وتمكن هنري الجمع بين المصالح الأمريكية والواقعية السياسية.

وعند التمعن في الواقعية السياسية في صلح الحديبية في السنة السادسة للهجرة في الصلح الذي وقعه الرسول صلى الله عليه وسلم بينه وبين قريش حتى تضع الحرب أوزارها، لكن اعتبره الصحابة اتفاقا منقوصا، ونصح أبو بكر الصديق الفاروق من أن الرسول صلى الله عليه وسلم نبي عليه أن يلزم غرزه والتوقف عن الاعتراض على بنود الاتفاق عندما قال عمر رضي الله عنه أنقبل الدنية من ديننا لكن لم يستجب

الرسول صلى الله عليه وسلم لتلك الاعتراضات على بنود الاتفاق فطلب الرسول صلى الله عليه وسلم منهم أن ينحروا هديهم ويحلقوا كررها ثلاث مرات فلم يستجيب له أحد ودخل الرسول صلى الله عليه وسلم على زوجه أم سلمة فأشارت على الرسول صلى الله عليه وسلم من أن يخرج وينحر هديه ثم يحلق وسيتبعه بقية الصحابة، وبالفعل اتبعه الصحابة في ذلك وكانت أول مشورة في الإسلام لإمرأة.

فالواقعية السياسية هي تدشين الحوار والتفاوض لتحل مكان الحرب ابتدأت بمبدأ الهدنة لعشر سنوات وظهرت تحالفات نتيجة هذا الصلح فتحالف الرسول صلى الله عليه وسلم مع قبيلة خزاعة أعطت المسلمين الفرصة في استعادة قواهم وتنمية قدراتهم.

بالطبع إلى جانب زرع إسرائيل في المنطقة ولعب إيران وتركيا والجماعات التابعة لها بمشاريع خاصة لتمريرها عبر المتاجرة بالقضية الفلسطينية، وفي نفس الوقت استثمار الفوضى البناءة أو التدمير الخلاق الذي تتبعه أمريكا في المنطقة وهو مفهوم المؤرخ الأمريكي مايكل ليدن العضو البارز في معهد أمريكا انتربرايز في نهاية القرن العشرين وعلى أساسه طرح صموئيل هنتغتون ما سماه فجوة الاستقرار أي هدم وتدمير كل ما هو قائم ومن ثم إعادة بنائه بما يخدم إرادة الفاعلين، فبدأت أمريكا باحتلال العراق وتسليمه لإيران وبعدها بدأت مرحلة التمدد الإيراني والحرب عبر الوكالة فلم تعد القضية الفلسطينية القضية الوحيدة للعرب بل أصبح التمدد الإيراني الذي دمر المنطقة العربية الأخطر انضم إليه المشروع العثماني فأصبح هناك خطرين يتهدد المنطقة العربية بجانب القضية الفلسطينية الرئيسية التي استثمرها الطرفان.

وفق الواقعية السياسية اتبعت السعودية أولوية مواجهة التمدد الإيراني الذي يهدد أمنها القومي وبشكل خاص في البحرين واليمن وكذلك على حدودها في العراق وفي سوريا ولبنان وهذا لم يجعلها أن تتنازل عن القضية الفلسطينية بل مواقفها ثابتة وتؤمن بأن المبادرة العربية التي تقدمت بها لا زالت قائمة ولم تعترف بصفقة القرن أو نقل السفارة الأمريكية إلى القدس بل سمت القمة العربية التي عقدت في الظهران بالمنطقة الشرقية من السعودية باسم القدس وتدافع السعودية عن القضايا الإسلامية والحقوقية فهي في مجلس الأمن دعت إلى اتخاذ خطوات عملية لحماية مسلمي الروهينغا لرفع المعاناة عنهم في 29 فبراير 2020.

فلا يمكن أن تواجه السعودية القضية الفلسطينية وتترك المحورين الإيراني والتركي يتوغلان في المنطقة العربية وفقا للسياسة الواقعية التي تنتهجها السعودية بل هما أول من تحالفا مع إسرائيل والوقائع تثبت ذلك ففي حرب إيران مع العراق كانت إيران تحصل على أسلحتها من إسرائيل، وكذلك هناك تعامل تركي إسرائيلي حول تطوير أسلحة مشتركة مع الولايات المتحدة، وهناك تعاون تجاري، فيما تتمنى إسرائيل فقط في الحصول على تطبيع مع الدول العربية وفق رؤية كيسنجر في السياسة الواقعية الذي يرى أن إسرائيل أصبحت واقعا وهي لم تتمدد في المنطقة العربية على غرار إيران وتركيا، رغم أن إيران وأتباعها من تيارات الإسلام السياسي يروجون لمخططات إسرائيل الكبرى لكنهم ينسون مخططاتهم التي أصبحت واقعا على الأرض.

لا تعليقات

اترك رد