صباح الخير .. أنا أحبك

 

صباح الخير . أنا أحبك
حوار مع عالمة النفس شوما شابير

يتحدث الكثير من الناس مع أنفسهم بأنهم لا يمتلكون الجرأة للحديث مع صديق قديم لهم حول انتقاد ما. يسبب هذا الشعور الكثير من الحرج والألم الشديد والمعاناة كما يعد البوابة الرئيسية نحو الشعور بالإحباط.

اليوم ننشر لكم المقابلة التالية مع شوما شابير مؤلفة كتاب ” صباح الخير أنا أحبك” , وفي هذا الكتاب تنشر شابير أفكارها حول التعاطف الداخلي وأهميته وما رأي العلم فيه وكيف نهذبه في حياتنا اليومية .

سؤال : يتحدث الكتاب حول التعاطف الداخلي. كيف يمكن للمرء أن يعرف أن هذا الجانب مفقود في حياته؟
جواب : أسهل طريقة لمعرفة ذلك هو أن تسأل نفسك السؤال الهام. هل أعامل أقرب صديق لي كما أعامل نفسي؟ إن جوهر التعاطف الداخلي هو أن نعامل أنفسنا بنفس الطريقة التي نعامل بها أصدقاءنا.

الخطوة الأولى التي يمكن أن نقوم بها نحو التعاطف الداخلي هو التأمل وأن تدرك أنك تتألم. ولا يمكن للمرء أن يكون لطيفا مع نفسه إلا إذا تعرف على معنى الألم . قد يبدو الأمر سخيفا للوهلة الأولى. كثيرون منا يتعرضون للألم والضغط النفسي والقمع والتجاهل والانسحاب من الحياة . وتبقى الخطوة الأولى ببساطة هي أن تدرك معنى الجملة التالية” أو يا عزيزي ! أنت تؤذيني الآن” .

سؤال : ما الذي يفعله بنا “التعاطف الداخلي” ؟
جواب : للتعاطف الداخلي قوة كيميائية كبيرة فهو يلطف الأجزاء المتألمة في حياتنا وينمي مصادر طاقتنا الايجابية . يعطينا التعاطف الداخلي القوة والقدرة على تعلم سلوكيات جديدة كما يحدث في داخلنا تأثيرا وتغيرا أبديا.

سؤال: لماذا تعتقدين أن الناس يحتاجون التعاطف الداخلي أكثر من أي شيء آخر أو لنقل أكثر من التعاطف مع الآخرين؟
جواب: لا أعتقد أننا نحتاج تعاطفا داخليا أكثر من تعاطفنا مع الآخرين. أعتقد أننا نحتاج الاثنين أحيانا نبقى لوحدنا مدة 24 ساعة في اليوم وهذا مكان جيد للتدريب. تعلمنا المرونة العصبية أن ما نتدرب عليه اليوم يجعلنا أقوى. لذلك إذا كنا نرغب في تهذيب مسالك التعاطف لدينا يمكن أن نبدأ بأنفسنا.

سؤال: ما التدريبات التي تطور لدى الإنسان التعاطف الداخلي؟
جواب: إحدى الوسائل المفضلة في تطوير التعاطف الداخلي لدى الإنسان هو البدء بتمارين التعاطف الداخلي . يكون من المفيد أن تكتب رسالة لنفسك تروي فيها الصراع الحالي الذي يحدث في حياتك أو معلومات عن المنطقة التي لا تكون فيها مرتاحا وكيف ستهذب نفسك للتحضير للتغيير . يجب أن يكون لهذه الرسالة نمط خاص كأن تكتب الرسالة لنفسك وكأنك تكتبها لصديق مقرب يواجه مشاكل مشابهة لمشاكلك. كيف تستجيب لصديقك؟ وماذا تقول له؟ وكيف تساعده؟ وعندما تنتهي أرسل الرسالة لصديقك الذي هو أنت بالبريد.

سؤال: ما الذي يظهره البحث العلمي عن قيمة التعاطف الداخلي؟
جواب: البحث العلمي واضح وصريح. التعاطف الداخلي أفضل وأكثر فاعلية وفائدة من الشعور بالعار أو تقدير الذات. وقد أثبتت الدراسات أن الشخص الذي يمتلك مخزونا كبيرا من التعاطف الداخلي أقل عرضة للإحباط والقلق والضغط والإجهاد والشعور بالعار وأكثر اقترابا إلى السعادة والرضا الحياتي والتفاؤل والمصداقية والأداء.

سؤال: كيف نبدأ طريقنا نحو التعاطف الداخلي؟ وما هي العقبات أمامه؟
جواب: أولى العقبات التي تقف في طريق التعاطف الداخلي أساسا هي خاطئة يأتي في طليعتها الاعتقاد الذي يدمر الدوافع.

وإحدى أكبر العراقيل أمام التعاطف الداخلي هو الاعتقاد بأننا إذا لم نوبخ أنفسنا لأننا لم نحقق المعايير الحياتية فإننا سنفقد دافعنا للتغيير. يظهر العلم عكس هذا الاعتقاد إذ يقدم لنا التعاطف الداخلي أملا عقليا جديدا وبيئة فيزيولوجية تدفعنا نحو تحفيز أنفسنا وتقدم لنا شعورا بالأمان والشجاعة لمواجهة القضايا المعقدة .

وتظهر دراسة قامت بها هيلين روكليف ورفاقها مجموعة من المشاركين طلب منهم تخيل موقف حرج. وقد ترك قسم من المشاركين يعيشون تفاصيل الموقف الحرج بينما طلب من الآخرين بشكل متكرر و تذكيرهم بأن يسمحون لأنفسهم بالتخيل بأنهم يتلقون عواطف كبيرة والشعور بأنهم يتلقون الحب والحنان والعطف الذي يمكن أن تتلقاه أنت فيما لو كنت هناك .

وقد تبين أن المشاركين الذين طلب منهم أن يكون دافئين قد انخفض لديهم مستوى الكورتيزول وهذا يعني انخفاض منسوب الإجهاد والضغط النفسي عند تخيل الموقف الصعب . لقد أظهر التعاطف الداخلي للباحثين أن هذا التمرين يشعر بالأمان وقد تم قياس نبضات القلب ومستوى ضغط الدم .

سؤال: ما العقبة الأخرى التي تقف أمام التعاطف الداخلي؟
جواب: العقبة الأخرى تكمن في الشعور بأن التعاطف الداخلي مصدر أنانية . مرة أخرى تظهر الأبحاث أن العكس هو الصحيح. يخلط الناس بين التعاطف الداخلي والأنانية وهذا الكلام غير صحيح فقد أجرى باحثون من جامعة أوستن دراسة على مئة زوج وزوجة كانوا يقضون حياتهم بطريقة رومانسية لمدة أكثر من عام وقد بينت الدراسات أن الأفراد الذين يمتلكون تعاطفا داخليا وصفوا شركاءهم بأنهم يمتلكون مزايا الحب والحنان والاحترام والرعاية أكثر من الأفراد الذين ينتقدون كل شيء طوال الوقت حيث ظهر هؤلاء وكأنهم يميلون إلى الانفصال والبعد والتشتت والعدوانية والسيطرة.

يفهم جسدنا هذه الحقيقة . القلب أعظم عضلة في الجسد يضخ الدم لنفسه أولا قبل أن يرسل الدم إلى بقية الجسد . وهو ليس أنانيا في هذه الحالة لكن من الحكمة أن نتعلم مما نراه ف الحياة وأن نهتم بأنفسنا أولا فعندما نكون قادرين على الاهتمام بأنفسنا وتقديم الدعم وأن نحقق متطلباتنا نمتلك مصادر الطاقة العاطفية والإيجابية لمساعدة الآخرين بها .

سؤال: ما هي العقبة الأخرى أمام التعاطف الداخلي؟
جواب : هناك اعتقاد آخر خاطئ هو أن التعاطف الداخلي يجعلنا نتهرب من واجباتنا ونبتعد عن ممارسة الرياضة وهذا غير صحيح ويجافي الحقيقة .لقد أظهرت الأبحاث أن الأشخاص الذين يمتلكون مستويات عليا من التعاطف الداخلي لديهم سلوكيات صحية أكثر من الأشخاص الذين لا يمتلكون أي مستوى من التعاطف الداخلي فيما يخص سلوكيات مثل التمرين و ممارسة الجنس الآمن وتناول الطعام الصحي.

سؤال: ما الأشياء الأخرى التي تهذب التعاطف الداخلي ؟
جواب : يعتقد الناس خطأ أن الإيمان بفكرة التعاطف الداخلي يجنبنا المسؤولية ويساعد في تجاهل نتائج الأعمال لأننا نغفر لأنفسنا. يخلق التعاطف الداخلي ، بعيدا عن الحديث عن الورطات والمآزق ، جوا آمنا يمكننا من خلاله مواجهة سلبياتنا مباشرة من دون المساس بقيمنا الذاتية حيث يمكننا التفكير بها بايجابية وموضوعية وفهم معنى الوجود وهذا جعلنا أفضل في تحضير أنفسنا للتعلم والتعميم وتدارك الأخطاء والتصويب وتعديل السلوك . هناك خطأ آخر حول التعاطف الداخلي مفاده أننا نصبح ضعفاء وغير فاعلين. الحقيقة عكس ذلك لأن التعاطف الداخلي أحد أقوى مصادر القوة والمرونة في الأوقات العصيبة والصعبة .

تشير الأبحاث إلى أن الجنود العائدين من أفغانستان وخضعوا لدورات في التعاطف الذاتي لمساعدتهم للاعتراف بترو بقلقهم وخوفهم واضطرابهم ومحاولة خلق اللطف والسماحة تجاه أنفسهم قبل الآخرين كان لديهم اضطرابات سلوكية أقل من غيرهم بعد صدمة انتهاء الحرب والعودة للوطن .

وبالمثل ، قام ديفيد صبرا ورفاقه من جامعة أريزونا بتفحص فيما إذا كان التعاطف الداخلي يساعد في تحديد مدى تكيف الناس مع شكل آخر من أشكال الصدمة وهو صدمة الطلاق ، ووجد الباحثون أن المشاركين الذين أظهروا المزيد من التعاطف الداخلي عند الحديث عن حالة الانفصال كانوا أكثر سعادة وصحة وأن هذا التأثير من التعاطف الداخلي استمر لفترة تزيد عن /9/ أشهر. باختصار لقد كانوا أكثر مرونة من غيرهم .

سؤال : ما هي أنواع المواقف التي تتلاشى في التعاطف الداخلي ؟
جواب : الشعور بالخجل والعار يأتي في طليعتها الشعور بالعار لأنه الجاني الأكبر على الإنسان . وهو القاضي الذاتي الذي يجلدنا جميعا . نحن نحتاج إلى تعلم وفهم الأصوات الداخلية والعمل على تهدئتها وهي تخبرنا أننا لسنا كما يجب . التعاطف الداخلي يجعل هذه الأصوات صديقة لنا بدل أن تكون عدوتنا .

سؤال : لماذا تعتقدين أن الاستيقاظ باكرا صباحا وأن تقول لنفسك ” أحبك يا ذاتي ” لا يندرج في إطار الخيال والطوباوية ؟
جواب: عندما شاركت كتابي مع الناس ، قال أستاذي قفي كل صباح أمام نفسك وقولي لها ” أجبك يا نفسي” . درست الفكرة حتى اختمرت . في البداية تعرت وشعرت أنها عبارة مفتعلة وغير صحيحة . بدأت بأسلوب أكثر لطفا وبدلا من أن أبدأ يومي ببركان من الخوف والحيرة والقلق بدأت يومي بلحة جميلة حييت فيها نفسي بلطف وحنان .

أدت هذه الممارسة إلى تحولات خفية في حياتي. كانت في غاية الأهمية وأحدثت في ذاتي المزيد من اللطف وتخفيف القسوة وكلما واصلت التدريب مع مرور الأيام وبدأت السدود الداخلية في قلبي بالانفجار والانهدام وقلت فجأة : صباح الخير… أنا أحبك . شعرت وقتها بحب جدتي وحب أمي وحبي لذاتي وواصلت التمرين كل يوم من دون تردد . قد تشعر في بعض الأيام بالوحدة والجفاف وفي بعض الأيام قد تشعر بحب عميق . وبغض النظر عما أشعر به يوميا أستمر في ممارسة التدريب كل يوم. يقول العلم إن ما نمارسه يزداد قوة ومتانة وأنا ازرع بذور اللطف والسماحة.

سؤال: ما هي الرسالة التي تريدين إيصالها من خلال كتابك ؟
جواب: الرسالة الوحيدة الأكثر أهمية التي أريد إيصالها للناس هي أن التغيير ممكن بغض النظر عن ماضينا الذي عشناه والأخطاء التي افترضناها. لدينا جميعنا القدرة على تغيير حياتنا.

إعداد مجلة علم النفس اليوم/الولايات المتحدة
ترجمة محمد عبد الكريم يوسف

العنوان الأصلي للمقال:

Good morning …I love you, Psychology today, 2020.

لا تعليقات

اترك رد