الفيلم الايراني (الطفل الرابع) للمخرج وحيد موسائيان

 

الفيلم الايراني (الطفل الرابع) للمخرج وحيد موسائيان
مآسي الحرب والعنف ضد النساء والاطفال خلال الحرب في الصومال

يستحق المخرج الإيراني وحيد موسائيان، أن نصفه بالشجاعة حيث خاض تجربة مدهشة وخطرة في فيلم (الطفل الرابع) الذي نفذه في عام 2012، وهو يروي مآسي الحرب الصومالية ليصور بإنسانية قسوة العنف ضد النساء والاطفال وكيف يمكن أن تنال لهيب الحروب والصراعات من كل شيء فالأرض لم تعد تلك الجنة المليئة بالخيرات والثروات والإنسان أصبح متعبا، هزيلا وخائفا، وحده الموت يحوم ويغرد في أرض أصبحت قاحلة من الزرع والمشاعر والرحمة، يعتبر هذا الفيلم الاول من نوعه بتاريخ السينما الايرانية، فهو اول عمل يصور في صحراء افريقيا ويجسد مشاهد الحرب والدمار والعنف والألم، شارك في تمثيل هذا الفيلم نخبة من نجوم السينما الايرانية من بينهم حامد بهداد ومهتاب كرامتي ومهدي هاشمي وحسين محب اهري وناصر غيتي.

مختصر الحكاية
رؤيا ، ممثلة جيدة ومشهورة لكنها تتجه إلى التصوير الفواتغرافي، تخرج من محنة قاسية بعد تعرضها للاجهاض وعليها أت تغير جياتها، تقرر الذهاب إلى الصومال في عز الأزمات والصراعات والمجاعات الذي شهدها هذا البلد الأفريقي الذينسيه العالم وتركه يواجه الموت والجوع، مع وصول رؤيا لمركز الهلال الأحمر الإيراني في مقديشو، كل شيء متغير وخطر كأنها حضرت لتكون شاهد عيان على نكبة إنسانية مؤلمة في أرض يكون القتل بدون هدف وكأنه لذة شيطانية لبشر فقدوا إٍنسانيتهم وهكذا كل الحروب الأهلية تحول جنة النعيم
لجحيم لا يطاق.

مهتاب كرامتي
هنا مهتاب كرامتي في دور رؤيا، تكاد تكون قدمت من أجمل أعمالها فهي مشهورة بنصرة قضايا الطفل والمرأة وهنا تثبت كفنانة أن مناصرة قضية إنسانية لا تكون بالكلام والخطب والحوارات الصحفية بل أن تذهب إلى أماكن الألم وتقف بجانب الضحايا وتقدم فعلا وليس أقوالا بقاغات الفنادق الفارهة، تشعر كمتفرج كأنك تعيش الألم والرعب الصادم، نرى تقاسيم وجه رؤيا في حالات الخوف والرعب والألم ونادرا ما نقف على موقف فيه الأمل والفرح لأننا في أرض الموت بكل وجوهه البشعة، الحياة والأمل والسعادة والحب قد تجففها قسوة الحرب وخاصة عندما تكون بين الأهل وأبناء الأرض الواحدة.
مهتاب كرامتي، ممثلة جميلة وفنانة تقدم نموذجا رائعا، تجازف بالسفر إلى مكان خطر، تتخلى عن مكياجها لتقدم الجمال الروحي لكل فنانة، كثيرات قد يرفضن مواقف نكون فيها مع الوجوه دون رتوش ولا زخرفة، كثيرات أيضا يرفضن العمل في مناخات إنتاجية فقيرة وخطرة ويفضلن الأستديوهات والظروف الإنتاجية المريحة، كرامتي كناشطة حقوقية تثبت مصداقيتها ومنحت العم حساسية رقيقة ودافئة.
قليلة جدا تلك الأفلام في العالم التي ذهبت لترصد شبح الحرب الصومالية وما فعلته بالبشر والحجر، توجد عدة أفلام ركزت على القراصنة الصومالين وأغلب هذه الأفلام صورت في أماكن أمنة بعيدا عن الصومال المحترقة، كان هدف أغلب الأفلام تصوير قسوة هؤلاء كشياطين وبالمقابل ذكاء وحنكة الأبيض بحيث ينتصر الأبيض النقي ويقتل الشر الأسود.

فرت رؤيا من الحزن والحيرة وكذلك مسعود الذي خسر منصع الأحذية ورفض بيع ما لديه من أحذية ثم حملها معه للتبرع بها، لم يرزق مسعود بالأطفال وسافر ليقنع صهره ابراهيم بالعودة إلى إيران، إبراهيم يعمل طبيبا بالهلال الأحمر وكلفته هذه الحرب فقدان زوجته، لدى كل شخصية كمية من الألم والخسائر وهم يحاولون أن يجدوا بعض السعادة في مساعدة النساء والأطفال والعجزة في مخيمات قاحلة وشبح الموت يإتيها متي يحب، حيث قد يأتي بعض المسلحين في أي وقت ليطلقوا الرصاص عشوئيا ويحرقوا سيارات المساعدات الإغاثية، القتلة يقتلون بلا رحمة ولا شفقة، لا ينصتوا لبكاء الأطفال وصراخ الأمهات الثكلى، لم يقدم الفيلم نموذجا للقتلة ولا سبب قتلهم الأبرياء.

بعيدا عن الحكاية..قريبا من الحرب
ربما ظلت الحكاية ناقصة لرؤيا ومسعود وابراهيم ولم نرى طليق رؤيا الذي ظل يحاول يتصل بها لتعود وتعويض الخسارة ومات مسعود في نهاية الفيلم مقتولا على يد مسلحين لكنه أنقذ طفلة سمراء بريئة تركتها أمها دون أن نعرف السبب، أسئلة الحرب هنا ليست بحثا عن أسبابها السياسية وأطرافها وليست توثيقا لها، يضج الفيلم بعشرات الأسئلة الإنسانية عن ما تورثه الحرب من ألم ووجع وفجائع، حتى الحجر أصابه الدمار وفقدت المعالم جمالها، توجد لقطات عميقة بروحها الإنساني فمثلا الرجل الصومالي العجوز يعزف على المخيم الفقير البائس كأنه يُرثي هؤلاء ويحكي ألمهم بصورة مختلفة سيفهمها كل الناس بغض النظر عن لغاتهم، نظرات الأطفال والأمهات والجوعى كانت أصدق من أي حوارات أو شرح، الوجوه والأجساد النحيلة، ذلك الطفل الذي يعمل في مركز الهلال الأحمر وهو مجبر على حمل السلاح رغم رفض ابراهيم لهذا، يضطر الطفل أن يقتل أحد المعتدين وهنا يصاب بالرعشة والخوف ويرتعد جسده لآنه رمزا للطهارة لكنها الحرب قد تدنس كل مقدس.

جماليات تتحاشئ الخطابيات المكررة
تتعرض رؤيا مع مسعود للضياع في أرض ليس فيها ماء ولا أمل، يجدون مخيما مهجورا فيه أم وأربعة أطفال في خيمة موحشة، تقدم رؤيا لهم بعض البسكويت، في اليوم التالي تختفي الأم تاركة طفلة صغيرة من أطفالها، لعلها عجزت عن حملهم وتركت هذه الطفلة الرضيعة التي تظل تصرخ، من هنا جاء أسم الفيلم الطفل الرابع وفي حديث للمخرج مع قناة اي فيلم يشرح أنه زار الصومال في قمة أزمتها حيث لا نظام سياسي ولا شرطة ووجد امرأة صومالية بأحد المخيمات تروي قصتها وكيف عجزت عن جميع أطفالها فتركت واحدا هي تلك الطفلة وفرت بثلاثة أطفال، رأى موسائيان أن هذه أقوى قصة تلخص بشاعة الحرب ربما اصيبت المرأة بالجنون وهكذا بنى المخرج أحداث فيلمه وقدمها في قالب إنساني، هذه الطفلة تضع رؤيا في اختبار صعب ومؤلم، حتى تعيش الطفلة تحتاج إلى قطرة ماء أو صدر فيه بعض الحياة كي ترضع ولو قطرات قليلة، تحاول رؤيا فعل هذا، تبكي، تعجز، يخر مسعود عاجزا ضعيفا يسأل أي إنسان يترك طفلة كالملاك تموت جوعا وعطشا، تتغلب رؤيا على أوجاعها وترضع الطفلة، تنتصر الحياة بالحب والمحبة حتى في أشد الأزمات قسوة، هنا المرأة هي السلام والمحبة والخير، اللقطة الأخيرة نرى الطفلة كبرت في سلام مع رؤيا، الفنان يخلق الأمل مهما كانت القسوة.

لم يقدم الفيلم ثرثرة خطابية في الحوارات وغاب الحوار أو كان مختصرا في الكثير من المواقف وكان للصمت روعته الجمالية، كما لعبت بعض المؤثرات دورها لترسم أشياء وصورا خارج الكادر، بدورها كانت الموسيقى وأكثر من أغنية صومالية لتقدم روحا قويا وشفافا، لا نشعر بوجود مبالغات ولعل المخرج وحيد موسائيان، لم يأتي لعمل فيلم أكشن ولا وثائقي ولم يكن عمله سهلا في أرض تحترق بالعنف لكنه خاطر ولم يصور في بلد قريب وأكثر أمنا لآنه يعلم أن السينما مرٱة صادقة وأن المتفرج يكتشف الخدع، تصوير بأرض خطرة تجعل أيضا الممثل صادقا بحيث يعطي من روحه الصادقة.

أفريقيا لم تعد الأرض الجميلة
أفريقيا لم تعد الأرض الجميلة كما كنا نتخيلها في طفولتنا ولم تعد بلدا لأشجار السفانا والحيونات البرية والأهازيج والأغاني والرقص، الحروب حولت معظم بلدان أفريقيا إلى أرض لا أغاني فيها ولا رقص، هذه القارة السمراء كنا نقرا ونتخيل أهلها وهم سعداء لا تخيفهم الوحوش البرية المفترسة لكن الحروب نوعا آخر من الوحوش تفترس الحلم والحياة وضحكات الأمهات، لا أحد يرقص مع الطبل والمزمار، تترنح الأجساد كأنه ترقص في لحظات الحياة الأخيرة،ترنحات ثم سقوط، مشاهد مؤلمة حاولت ترسم تراجيديا حلت بالشعب الصومالي وعدة شعوب أفريقية وأينما تحل الحرب يكون العنف والدمار وتكون مآسي مفجعة وتحل الفجائع القاسية بالأطفال والنساء والعجزة ويزج بالشباب ليكونوا وقودا لها.

المقال السابقإداء مؤسساتنا الحكومية
المقال التالىالاتفاقية العراقية ـ الصينية (حكومة مع حكومة)
حميد عقبي سينمائي وكاتب يمني مقيم في فرنسا، اخرج خمسة أفلام سينمائية، منها ثلاثة أفلام قصيرة وهي معالجات سينمائية لقصائد شعرية "محاولة الكتابة بدم المقالح"12 دقيقة 1997 ــ بغداد، فيلم 'ستيل لايف"2005 ــ 20 دقيقة فرنسا، فيلم الرتاج المبهور" 2006 فرنسا 32 دقيقة. نشر 21 كتابا إليكترونيا منها 4 مسرحيات،....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد