الطلبة والشباب ودورهم في الانتفاضات والاحتجاجات الشعبية

 

في كل حركات الشعوب وثوراتها كان الشباب وعلى رأسهم طلبة الجامعات والمعاهد بشكل خاص، قلب هذا الحراك والمحرك الأساسي بكل فعالياته وهم بحق وقود الانتفاضات الشعبية، الذي يمنع خفوتها، عبر خطاب الرفض والجرأة في أطلاق الشعارات، أخذ احتجاج الشباب يتبلور شيئاً فشيئاً، وتزايد دورهم وتحدد في التعبير عن الثورة الكامنة في المجتمعات، التي تطمح إلى إحداث تحولات اجتماعية جذرية. لقد فرضت الحركة الشبابية الطلابية نفسها على الصعيد العالمي مع نهاية الحرب العالمية الثانية، وتتميز الحركة بكونها جزء لا يتجزأ من الحركة الاجتماعية العامة ومن خصائصها أنها ثورية، مستقلة وتحررية، رافضة ضد الظلم والطغيان، وينظر العديد من الباحثين إلى الحركة الطلابية على انها من أبرز القطاعات فاعلية وحضوراً في الحياة السياسية المعاصرة، فقد ساهمت في تغير وصياغة الواقع الداخلي للعديد من الدول وخصوصاً في الدول النامية، وللشعوب التي رفضت أن تخضع لأنظمة القمع والاضطهاد، وترفض سلطة الطغم الفاسدة التي تريد الكسب والثراء غير المشروع على حساب شعوبها الفقيرة المضطهدة، حيث ان هذه الحركات الطلابية تستطيع ان تلتقط الحس الجماهيري والهم العام وتتبناه، وأتضح ذلك بعد ان انتشار وسائل الاتصال الجماهيري والاجتماعي وفضاءات العولمة المفتوحة على رؤية العالم بشكل جديد، وهي بالتالي “بنت” مجتمعها تتكامل مع التيارات السياسية في المجتمع وتعبر عن نفسها سواء داخل الجامعات او في الميادين العامة حيث تكون جزء من حراك الشعب بكل فئاته، وغالباً ما تكون المجموعات الطلابية مؤثرة وقائدة للحراك الجماهيري وموجه للرأي العام. ويمكن أعتبار الحراك الثوري في العراق نموذج حي لما سبق من وصف، لأن هذا الحراك والاحتجاج الشبابي جزء من موجة احتجاجات اجتاحت العديد من دول العالم مثل هونك كونك، شيلي، بيرو، بوليفيا، أكوادور، مصر، لبنان، السودان، الجزائر وغيرها من الدول. تلك الاحتجاجات اندلعت بالضد من غياب العدالة، الفساد، التزوير، في الانتخابات، وتقليص الحريات السياسية، وبالضد من الطبقة السياسية التي فقدت ثقة الجماهير بها، معظم تلك الاحتجاجات الناقمة بدأت بمطالب بسيطة ثم أتسع نطاقها لتغدو مطالب سياسية مقرونة بالدعوة الى تغيير القيادات والأنظمة السياسية برمتها، أي ان الاحتجاجات في العراق ليست بمعزل عن مثيلاتها بالعالم، فقد كانت الشرارة الأولى لهذا الحراك اقتصادية الدافع : الفروق الفادحة بين حياة الامتيازات التي تتمتع بها النخب الحاكمة وحياة عموم العراقيين؛ ونسب البطالة المرتفعة في أوساط الشباب لاسيما حملة الشهادات الجامعية؛ والانهيار المستمر في الخدمات العامة وعجز الحكومات المتعاقبة عن تحمل مسؤولياتها الخدمية؛ وشعور العراقيين المتزايد بأن بلدهم الغني بالثروات والمقدرات البشرية والموقع الجغرافي، يتعرض لعملية نهب منظمة لم يعد ثمة سبيل بالقانون للتصدي لها، كما ليس ثمة دليل على رغبة الحاكمين للعمل على إيقافها. شيئاً فشياً بدأ الخطاب الاحتجاجي في التطور، نظراً لاعتقاد الشباب الناشطين بأن مظاهر الفساد والنهب والعجز تعود لأسباب أعمق، تتعلق ببنية النظام، وبالعملية الانتخابية وبطبيعة الأحزاب والكيانات السياسية المتشاركة في الحكم ونهب الثروات، وبالدستور العراقي نفسه. بيد أن الفساد في العراق بعد 2003، ليس كأي فساد بل يعد الأعلى دولياً حسب تقارير منظمة الشفافية الدولية، والخلل الذي تعاني منه مؤسسة الدولة ليس كأي خلل لأن الدولة لا تسيطر على جميع أراضيها ولا تسيطر بالكامل على السلاح وحصره بيد الدولة. وعلى مدار التاريخ المعاصر يمكن ملاحظة أهمية ومحورية الدور الذي لعبته الحركات الطلابية والشبابية في العالم كله، إذ كان لها إسهام حقيقي في تحريك المياه الراكدة. كما ان هناك ظاهرة متكررة متميزة بدراسة هذه الحركات الأكبر تأثيراً في العقود الأخيرة. فهي دائماً ما تظهر عندما ينحسر دور وتأثير الأحزاب السياسية والتفاعل السياسي بشكله التقليدي. عندما تتخلى الأحزاب عن دورها يظهر تأثير الطلاب. وهنا نستعرض بعض الحركات الطلابية في العالم باعتبارها نماذج من التاريخ المعاصر للحركات والاحتجاجات الشبابية والطلابية والتي تشبه الحراك الشبابي الطلابي في العراق في كثير من الجوانب وقد تختلف معها في جوانب أخرى:
– اعتصامات طاولة الغداء التي عرفت باعتصامات غرينسبورو عام 1960 التي غيرت التاريخ الأمريكي، بدأت بأربعة مراهقين سود، قصدوا طاولة غداء كلية وولورث في ولاية كارولينا الشمالية، ورفضوا المغادرة، قوة الدفع هذه أسهمت بشكل كبير في الطريق الى إقرار الحقوق المدنية التي أنهت الفصل العنصري في الأماكن العامة بعد احتجاجات واعتراضات كثيرة، كان دافعها الأول حركة الطلاب الأربعة هذه. كانت قوانين الفصل العنصري في هذه الفترة تمنع جلوس الطلاب السود على طاولات غداء مشتركة مع البيض. بل وتمنعهم من الجلوس جوار بعضهم في الحافلات العامة.

– حركة الطلاب في فرنسا عام 1968:
في آذار1968، كانت فرنسا تعيش أزمة اقتصادية خانقة؛ أكثر من خمسمئة ألف عاطل عن العمل، ونحو مليوني عامل يحصلون فقط على الحد الأدنى للأجور، الى جانب ارتفاع كبير في أسعار المواد الأساسية وإيجارات المنازل. وكانت حالة من الحنق الشعبي تسود البلاد، بسبب تقييد الحريات والتضييق على المفكرين وأهل الأدب والسياسة بحجة الأمن وحماية الجمهورية ومبادئها من قبل النظام الذي يرأسه الجنرال ديغول، بطل التحرير والاستقلال والأب الروحي للجمهورية الفرنسية الخامسة التي أسسها وترأسها لعدة مرات. وقد ساهم المثقفون الكبار في دعم الحركة الطلابية والعمالية، فنزل جان بول سارتر إلى الشارع وراح يوزع المنشورات لصالح الطلاب وضد النظام، فاعتقلته الشرطة لفترة قصيرة ثم أخلت سبيله بعد ان قال لهم ديغول: ” من يستطيع أن يعتقل فولتير؟ اتركوه حراً”… وبعد ثمانية أسابيع من الاضطرابات العنيفة استطاعت الحركة ان توصل الجمهورية الخامسة وديغول بكل تأريخه الى حافة الهاوية. وكان لها الأثر البالغ في الحياة السياسية والثقافية الفرنسية وبقيت شعاراتها في الذاكرة الجمعية للشعب الفرنسي.
– مظاهرات تيانا نمن – الميدان السماوي 1989: عندما يشتد الاضطراب السياسي والاقتصادي، وتتجمع أسباب السخط، فأن شرارة بسيطة يكون بأماكنها أن تشعل حريقاً ثورياً دائماً ما يفاجئ المراقبين والخبراء، وهكذا فإن الاحتجاج الطلابي في الصين في نيسان 1989 قد بدأ بجنازة لأحد الزعماء السياسيين، وكان مسؤولاً عن العديد من الإصلاحات السياسية وتم طرده من قيادة الحزب الشيوعي، بدأ الطلاب يجتمعون في ميدان السلام السماوي في قلب العاصمة، حيث غطوا نصب “أبطال الشعب” بأكاليل الزهور. خلال يومين كان المئات قد صاروا آلافاً ثم عشرات الآلاف، فحضرت السلطات المظاهرات تخوفاً من عاقبتها، وأرسلت قوات ضخمة من الجيش والشرطة إلى ميدان السلام السماوي، إلا ان مسيرات هائلة بالغة التنظيم من الطلاب سارت الى الميدان واستمرت الحشود الطلابية في التواجد في الميدان سبعة أسابيع قبل ارسال الجيش لفضها، “كشفت وثائق لوزارة الخارجية البريطانية، رفعت عنها السرية، تدخل الجيش الصيني لقمع المتظاهرين في ساحة تيانانمن في العاصمة بكين عام 1989 أسفر عن قتل عشرة آلاف شخص على الأقل.

– الثورة المخملية في براغ 1989:
بعد ثمانية أيام من انهيار جدار برلين عام 1989 وبداية انهيار الحكومات الشيوعية في أوروبا الشرقية، بدأت الانتفاضة بآلاف الطلاب في مدينة براغ، وازداد العدد حتى وصل الى نصف مليون محتج، ظلوا مصرين على السلمية بعناد كبير حتى بعد ان هاجمتهم قوات مكافحة الشغب، وبعد 11 يوماً من بدء الاحتجاج، اضطرت الحكومة التخلي عن استخدام القوة وتخلى الحزب الشيوعي الذي كان الحزب الحاكم آنذاك في تشيكوسلوفاكيا قبل انقسامها الى دولتين عن السلطة، وصار الطريق سالكاً امام الكاتب المسرحي والشاعر (فاتسلاف هافيل ) في العام نفسه ليصبح رئيساً للجمهورية، كانت واحدة من الثورات مكتملة النجاح قادتها الحركة الطلابية في التاريخ الحديث.
وهناك العديد من الحركات والاحتجاجات الطلابية والشبابية في الماضي والحاضر، بعضها لايزال حتى الساعة في الشوارع والساحات العامة، ترفع شعارات التغيير، رغم لجوء الأجهزة الأمنية الى القوة والعنف المفرط لفض هذه الحركات الشبابية وأنهاءها، أن انتشار الاحتجاجات لا يضمن تغيير الأمور كما لا يعني حتمية نجاحها. يقول أحد الباحثين حول نجاح حركات الاحتجاج ” لم يعد تنظيم المظاهرات الجزء الصعب. فالمشكلة تكمن فيما يجب فعله بعد الاحتجاجات، وكيفية توضيح وجهة نظرك وتحقيق الأهداف التي تدافع عنها. هذا هو الجزء الأكثر صعوبة”.

المقال السابقضفاف البوح
المقال التالىدوافع الطلاق وأسباب انتشاره
تربوي اختصاص تاريخ ، عملت في التدريس والادارة المدرسية ، نشرت لي مقالات عديدة في الصحف والمواقع الاكترونية ، كما نشر لي بحث عن فترة حكم المماليك في العراق وبحث عن التصوف الاسلامي وكبار المتصوفة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد