صراع «يلماز غوني» مع الذات والتاريخ في روايته «صالبا»

 

يبدأ «يلماز غوني» روايته الكلاسيكية الممزوجة بفنّ القصّة، بجملة من وحي الرواية وسيميائياتها، التي تمثّل جوهر الصراع الداخلي العنيف الذي خاضه بطلها مع وعيه ولا وعيه، خلال مسيرة العذاب الشائكة والطويلة، التي قطعها من الريف نحو المدينة: «لم تستطع عيناه، ولم يستطع وعيه وجسده من احتمال وطأة الأفكار المتزاحمة والمتدافقة بقوّة… فأطلق العنان لنفسه». (الصفحة 15).

تتألّف رواية «صالبا» للروائي والممثّل والمخرج السينمائي الكردي الشهير «يلماز غوني»، والتي ترجمها إلى العربية «فاضل جتكر» من عشرة فصول، موزّعة على (269) صفحة من القطع المتوسّط، وتكاد هذه الفصول العشرة تكون مشاهد سينمائية مثيرة بألوانها الصارخة وصراعاتها الحادّة، حيث صدرت الطبعة الأولى من الرواية بعنوانها الأصلي (Salpa)، التي تعني حرفياً «المهلهل أو الفلتان» في آذار 1975م، ثم طُبعت سبع مرّات على التوالي، خلال فترة أربعة عشر شهراً.

تدور أحداث الرواية، حول شاب يغادر من أعماق الريف الأناضولي بكلّ ما فيه من تخلّف وفقر وجهل وتردّد وخوف واتكالية. يضطرّ لأن يترك الدراسة وهو لا يزال في المرحلة الثانوية؛ لتورّط خاله وإخوته في قضية ثأر، تؤدّي بهم إلى السجن، فيغادر الريف متعلّقاً بأحد زملائه ممن تركوا الدراسة أيضاً، ليذهب إلى مدينة اسطنبول، عاصمة الأنوار الباهرة والغنى والفساد والصناعة والتجارة…

صالبا، أو محمد صالبا بن عبد الرحيم، أو أبو مخطة (لقب من والده). من مواليد قرية (خوجا) التابعة لناحية (بوزقير) في ولاية قونية عام 1946م. يقرأ ويكتب، دون تنظيم، إذ قرأ من جزء (عم) إلى (سارتر)، ومن (القرآن) إلى (ماركس)، لم يجد في الكتب التي قرأها بنهم عن أجوبة واضحة وصريحة على أسئلة فكرية وفلسفية، التي ظلّت تلحّ عليه، إذ كان مشبعاً طوال أيام حياته بأحاسيس القلق والعذاب.

كان صالبا يفكّر ويسأل كثيراً، دون أن يحظى بأيّ جواب. متمرّد على التفكير بأمور الحياة والسياسة والخفايا والأسرار، يريد أن يكون حقيقياً وواقعياً، حيث يقول الروائي على لسانه في الصفحة (36): «إن أكبر الأصدقاء، وأعظم الرفاق، هو الحقيقة والواقع». كان لسانه كثير الحركة ملامساً أطراف أسنانه، فقد كانت الحقيقة بالنسبة له، هي أن تكون زهرة طوال المدّة التي يستحقّها، كبقية الأزهار، ثم التحوّل إلى ما هو ضروري، أيّ التحوّل إلى ثمرة، ثم استكمال النضج والتفسّخ للتحوّل إلى شيء آخر، ذو فائدة كبيرة وعامة.

تلقّى صالبا تعذيباً وحشياً في إحدى مديريات الأمن بمدينة اسطنبول، واضطرّ على الاعتراف على جريمة لم يقترفها، إذ اتهم بسرقة إطارات السيارات والدرّاجات الهوائية. عمل في الميناء مع بحّار عجوز ظالم متعجرف إلى جانب صديقه الأجعد، كما عملا بائعين متجوّلين، ليستقرّ أخيراً في مهنة صناعة الأحذية، بعد أن تركه صديقه الأجعد وحيداً؛ ملتحقاً بالخدمة العسكرية، ليغرق في بحر من الأفكار والأوهام.

عمل يلماز غوني على إغناء شخصية البطل الرئيسية، وإفقار بقية الشخوص، وهو ما يعتبر ضعفاً في استخدام تقنية روائية حيوية، فبعد أن ينشأ صراع حقيقي بين حقيقة الفرد القادم من الأصقاع النائية الفقيرة، وبين مظاهر الواقع في مدينة جميلة وجذّابة مفتوحة كحديقة مليئة بالثمار الحلوة واللذيذة أمام الأبصار لكنها محرّمة على صالبا المنبوذ، الذي يعاني من عدم التأقلم، فيطرح على نفسه من جديد أسئلة مريرة متعلّقة بالخفايا والأسرار التي تجعل الحياة تمشي وفق نظام محدّد ومدروس، من خلال قواعد وقوانين وضعها شخصيات فاعلة ومنظّمات ومراكز سرّية في العالم، إذ يقول غوني: «مَن الذي يسرق أفواج الناس إلى دُور السينما والمسرح في الساعة الثانية والدقيقة الخامسة عشرة والساعة الرابعة والدقيقة الثلاثين والساعة التاسعة وما لا أدري من الدقائق…؟ مَن هم أولئك الذين يفرضون على الناس أن يتدافعوا راكضين من هنا إلى هناك غارقين في بحار القلق والخوف المزمنين…؟ مَن هم أولئك الذين ينشرون الآلام التي لا تطاق…؟ مَن هم أولئك الذين لا يحبّون زهرة الكاردينيا والياسمين والحبق…؟ مَن هو الذي يقحم هذه الأفكار في الأدمغة…؟ مَن هو؟ وماذا يكون…؟ (الصفحة 20 – 21 – 22).

والسؤال الجوهري الذي يسأل صالبا نفسه، خاصة وأنه دائب البحث عن القوانين التي تتحكّم في تحريك محرّكه هو: «مَن تكون أنت يا صالبا يا (أبو مخطة)؟ مَن تكون أنت يا صالباي الغريب؟». (الصفحة 23).

إن التفكير الذي يسيطر على عقلية ومخيّلة صالبا هو تماماً ما يشبه التفكير الفلسفي الذي طرحه الكاتب النرويجي «جوستاين غاردر» في روايته الشهيرة «عالم صوفي»، حيث قال غاردر: «اندهشْ لتصبح فيلسوفاً». لعلّ غوني عبر هذه القاعدة الفلسفية يحاول اكتشاف ذاته وواقعه والحقائق الوجودية المحيطة به.

تنتهي الرواية، التي افتقرت إلى العديد من التقنيات الفنّية، كالحبكة الضعيفة والشخوص غير المكتملة واللغة المترجمة المفكّكة، وبعد أن يفقد صالبا الأمل في عيش كريم وفي حياة مرفّهة، بمشهد اختفاءه بين الحشود المتزاحمة؛ ليذوب فيها، ويصبح عنصراً أكثر تقدّماً، ليتغيّر هو ويتغيّر.

لقد كان هاجس يلماز غوني عبر بطله الضعيف والقوي في آن واحد هو التغيير في نهاية المطاف، وهو يقود بصالبا بعد كلّ هذه الأحداث، والتجارب الفاشلة إلى نهاية

متفائلة تضع حدّاً للبؤس والاضطهاد، فهذا التغيير الذي ينشده غوني عبر صالبا ينصبّ على الجوانب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في بلده تركيا، ومعروف عن غوني أنه كان يسارياً، وقد دفع ثمن هذا الالتزام كثيراً.

تنطوي أعمال يلماز غوني على الدعوة إلى الحرّية، والمساواة، والعدالة، والى نبذ الاستغلال، والتسلّط، والقهر. وتعدّ سيرة حياته نموذجاً للجرأة، والنضال، ومثالاً لمبدع قلّ نظيره، فقد عاش يلماز غوني (47) عاماً، قضى (11) منها في غياهب السجون، ونصف سنة في المنفى، وخدم في الجيش سنتين، وتشرّد ثلاثة أعوام.

ولم يبقَ له سوى وقت قصير للإبداع، الذي يشكّل قياساً إلى هذه المدّة القصيرة التي منحها له القدر إنجازاً خارقاً، فقد كتب السيناريو لـ (53) فيلماً، ومثَّل في (110) أفلام، وأخرج (17) فيلماً، ونشر عشرات الدراسات، والمقالات، والروايات، والقصص، لعلّ أهمها رواية «ماتوا ورؤوسهم محنية»، ورواية «صالبا».

في نهاية مقالتي – قراءتي أذكر فيها بعض الأفكار التي طرحها يلماز غوني في روايته، والتي كانت تشكّل أساس تمرّده وانتقامه من الواقع والحقيقة:

· تحرّر من قناعاتك المسبقة؛ لأن تلك القناعات المسبقة ما هي إلا كلاب حراسة وضعت عند أبواب القوى التي لا تريد التغيير.
· أليس كلّ ربح أباً للخسارة يا صالبا؟!
إن أكبر الأصدقاء…، وأعظم الرفاق… هو الحقيقة والواقع.
ليس كلّ نجاح إلا مصيدة…، وليس كلّ اكتفاء إلا مصيدة أخرى… أليس كذلك؟
· إن جميع العلاقات الشخصية والاجتماعية التي لا تساهم في الإنتاج والتطوّر، والتي لا تكون جزءاً من نسيج عملية التطوّر، هي علاقات رجعية ومحافظة.
· العاشق لا بدّ له من التدخين.
· إن كلّ نظرة أو ضحكة أو اختبار… موقف سياسي.
· لا بددّ من خميرة الجرأة أن تسقط في خابية الخوف… فقط قطعة صغيرة منها.
· إن الإنسان يأخذ الشكل الذي يتناسب مع العمل الذي يقوم به. فما يحدّد بنية دماغ الإنسان هو العمل الذي يقوم به.
· يتراكم التشاؤم فينقلب تفاؤلاً وضياءً، يتراكم اليأس فينقلب إلى أمل.
· أيّ نجاح ليس في أساسه إلا نوعاً من المصائد.
· الأرياف هي التي تشكّل الخاصرة الطرية للإمبريالية.

المقال السابقحوارات السياسيين
المقال التالىالساعاتي (مصلّح الساعات)
شاعر وناقد وصحفي سوري. من مواليد مدينة كوباني. عمل أستاذاً في اللغة العربية، صدر له مجموعة شعرية بعنوان «جحيم حيّ» عن دار «فضاءات» الأردني عام 2020م. له قصائد شعرية، ومقالات في النقد الأدبي والاجتماعي، ومقالات رأي سياسي ورياضي، منشورة في الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية، منها كُردية وأخرى ع....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد