حصانة الاعتقاد

 

قيل فيما قيل أن كلاً يغني على ليلاه.. فإنه تختلف الأديان والمذاهب والطوائف والجماعات وكلٌّ في النهاية يُغني على ليلاه، وربما ينفعك اعتقادك وربما يضرك…
فأنت تطلب من إلهك وهذا يطلب من إلهه، وهذا يطلب من نبيه، وهذا من شيخه ووليه، وهذا من راهبه، وهذا من حاخامه، وهذا من الشمس وهذا من القمر، وهذا من حجر وذاك من صنم وهذا من فأرٍ وهذا من بقر.. وهكذا كلٌّ يُغني على ليلاه…
وكلُّ اعتقادٍ فيه ما فيه من نفعٍ وضرر إلا أن تعتقد في الله وحده لا شريك له، ذلك هو الاعتقاد الوحيد الذي لا يمكن بل ويستحيل أن يُلحق بك ضرراً أبدا…
ذلك لأن الذي يعتقد في الله اعتقاداً صحيحاً فإنما يعتقد في إله واحدٍ أحدٍ لا شريك له وهو على كلٍّ شيءٍ قدير، فكلُّ الآلهةِ لها شبيه إلا الله تعالى…
فمن يعتقدُ أن الشمس إلهه فإن الشمس تجاورها نجوم، والقمر يسبح في السماء مع أقمار، والنبي هناك مثله أنبياء، والوليُّ مثله أولياء، والراهبُ مثله رهبان، والحاخام معه حاخامات، والصنم تنحته من حجر، والحجر تقطعه من صخرٍ، والبقرُ يغلبه الجاموس،…
وهكذا تتشابه وتتعدد الآلهة إلا الله، لأن من يعبد الله عبادةً صحيحةً فإنما يعبده بصفته إلهٍ واحدٍ أحدٍ ليس كمثله شيءٍ على الإطلاق، وهو دائما بخلاف ما يمكن أن تتصوره، لأنك لا يمكن أن تتخيل أو ترسم صورة ذهنية لشيءٍ إلا من خلال مفردات هذا الواقع الذي تعيش فيه، والله تعالى خالق هذا الواقع وكل شيء فيه، ولكن لا شيء يشبه صورة ذاته إن جاز التعبير، وحتى صفاته التي جعل لنا منها نصيباً لا يمكن أن ترقى صفاتنا لشيءٍ يذكرُ منها، فقدرتنا مهما بلغت فهي قطرة لا تكاد تُرى من محيط قدرته مثلاً، وقس على هذا المثل صفات ذات الله ولله المثل الأعلى…
ومن العبث بل من الخبل والجنون أن يتصور إنسانٌ أن الله قد خلق هذا الكون الفسيح يتمدد ويتسع ويتجدد كل حين دون عناية منه أو أنه حاشاه لا يصرِّفُ شئونه…
فالإنسان الذي يصنع آلة منتجة جعل لها هدفاً وكتالوج صيانة، فتراه دائما يعتني بها ويُطوّرها للأفضل، كذلك الذي يُعد برنامجا هندسيا أو حسابياً أو نحو ذلك فإنه دائما أبدً يسهر على أدائه وتطويره،… هكذا تكون الأشياء…
فما بالنا بالإله العظيم خالق الذرة والمجرة وكل شيء، فهو وحده ولا شريك له أو معه الذي يقومُ وحده على رعايتنا، وهو وحده ولا يوجد أحدٌ معه الذي يستطيع أن يستجيب لدعاء أحدنا…
وهو وحده الذي يسمعك ويبصرك ويعلم سرك وما انطوى عليه ضميرك، ويعلم ما خفي عليك وهو كائنٌ فيك ( يعلم السر وأخفى )…
فإنك لا تستطيع أن ترى قلبك لأنه بداخلك، ولا تستطيع أن ترى دماءك إلا أن تخرج منك، فكيف بنا نرى الأقرب إلينا منا وإليك من حبل الوريد!…
فمثلا.. لماذا يتعجب البعض في أنه لا يرى الله الذي تجلّت أفعاله في كل شيء، ويؤمن بقوى الجاذبية الأرضية وهو لا يراها كما لا يرى الله عز وجل، ولا توجد إجابة لهؤلاء إلا أن الجاذبية لها أثر يدلُّ عليها، وأنا أقولُ لهؤلاء ألا يوجد أثرٌ لله الخالق العظيم فيكم وفي أنفسكم!!…
لذلك خابت كل العقائد إلا أن تكون عقيدتك في الله وحده لا شريك له…
فالأنبياء منازلٌ والأولياء منازل، وكلُّ ذي قدرةٍ هناك من هو أقدرُ منه، وفوق كلِّ ذي علمٍ عليم إلا صاحب العلم المطلق والقدرة المطلقة والرحمة المطلقة والغنى المطلق والكرم والعطاء المطلق، هذا هو الذي لا إله إلا هو الخلاق العظيم أغنى الشركاء عن الشرك، فمن يحتمي بسواه لا حامي له، ومن يستجير بغيره لا مجير له، ومن قصد بابا دون بابه افتقر وهلك…
هكذا تكون العقيدة في الله تنفعك ولا يمكن أن تضرك أبداً…
فلماذا يغلقُ البعض في وجهه باب الله ويلجأ إلى الباب الأضيق وباب الخالق العظيم أرحب وأوسع.. حتى وإن كان بابَ رسولٍ أو وليٍّ أو راهب أو حاخام أو ملاك أو جنّي…
فر باعتقادك إلى الله، واعلم بأنه لا حصانة لك ولا لمن تعتقد فيه إلا أن تُحصنَ اعتقادك فتجعله في الله وحده لا شريك له، فكلُّ شيءٍ هالك إلا وجهه، وكلُّ بابٍ دون بابه وهمُ وسرابُ محض…
وفي النهاية.. أقول بأنني لا أجدُ بابا يمكن أن ندخل إلى الله تعالى منه أعظم مما جاء في محكم آياته ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) صدق الله العظيم.

1 تعليقك

  1. Avatar صباح جنيدي

    مقال رائع ما شاء الله
    تسلم اليد التي كتبت
    جزاك الله خيرا
    وبارك الله فيك كاتبنا الكبير

اترك رد