في أسئلة الهوية .. قراءة في فلم “لا. نعم” للتونسي محمود الجمني

 

لا. نعم” فلم وثائقي للمخرج التونسي محمود الجمني، عُرِض بتونس في أواخر 2019 . يدوم حوالي سبع و سبعين دقيقة.
وهو فلم يندرج ضمن ثلاثية تهندس لأفلام الجمني الوثائقية هويتها السينمائية الملتزمة. هذا الفلم هو رحلة في المكان وفي علاقة المكان بالتاريخ و بالزمان غابره و قادمه و علاقة الذات بالتاريخ و بالمكان. اختار له محمود الجمني أن يكون رحلة في عمق الهوية التونسية بشكل عام في بعدها الجغرافي و التاريخي بين المركز و الهامش. على مدى رحلة من الشمال إلى الجنوب ينكسر الصمت و يخترق الصوت أرض ” أمي مرزوقة” لتقرأ عمق الحكاية…
يمكن مقاربة فلم الجمني مقاربة متعددة الوجوه و الطروحات: هل يوجد فعلا عنصرية على أساس اللون في تونس؟ هل هي قضية مفتعلة في واقع سياسي و اجتماعي و وثقافي رجراج تمر به تونس و من هو التونسي؟

يتشكل العنوان من كلمتين متنافرتين: لا و نعم. ضدان لا يلتقيان عادة إلا لقول حالة من الارتباك و الشك. هناك نفي و هناك إثبات. و بين النفي و الإثبات حالة من عدم الطمأنينة و حالة من المساءلة و التساؤل. هناك شيء من الشك الذي ينبت من بين شقوق القول ب”لا” و القول ب”نعم”. و لعل هذا الجمع بين الضدين هو ما يدفع المتلقي إلى قراءة ما لم يقله العنوان صراحة و إنما قاله تلميحا كما هو ديدن الفلم الوثائقي: العنصرية في تونس واقع يترجمه الخطاب اللغوي و الصورة. و لكن المجتمع على اختلاف شرائحه يقع في نوع من التطبيع مع الظاهرة حتى لتكاد تصبح أمرا عاديا أو واحدا من جملة خطوط هوية المجتمع.
عمد السينمائي محمود الجمني إلى ثنائية ضوئية منذ البداية شأنه في ذلك شأن الثنائية اللغوية في العنوان. منذ الجينيريك اختار الجمني اللون الأسود أرضية و يتخلله البياض الذي به كتبت الأسماء. ثم يطل المشهد الأول. [ليل] و [ بياض اللباس التقليدي لفرقة فنون تقليدية تونسية تسمى ” طائفة غبنتن و سابقا عبيد غبنتن” ]، ثم مباشرة يليه مشهد صباحي في حافلة على الطريق المؤدية بين الشمال و الجنوب.
في الفنون ليس هناك مجال للصدف. و في السينما، و هي من أكثر الفنون احتفالا باللون و الحركة لا يمكن أن يغفل المشاهد على قصدية هذا التعاقب بين قيمتين ضوئيتين في فلم وثائقي. و كأن الفلم يستدعي الوجود الذي يبدأ بالنطفة في عتمة الرحم إلى الولادة ثم الموت و يستدعي المسكوت عنه في ثقافة جمعية تتأرجح بين بينين. لا مناص إذن من تلازمهما و لا مناص من تكاملهما فلا وجود لأحدهما إلا من خلال الآخر. و لعل ذلك هو سر هذا الوجود الذي يتنازعه النفي و الإثبات و هو سر هيمنة التحولات الضوئية في الفلم حتى النهاية.
بالتأمل في الزي التقليدي للفرقة الفولكلورية التي يفتتح بها الجمني فلمه، ينضاف إلى السواد و البياض لون آخر هو اللون الأحمر المتمثل في الشاشية التونسية على الرؤوس و المنديل الأحمر الذي يلوح به الراقصون. كأن الجمني بهذه المخاتلة اللونية يزج بالمشاهد إلى لب القضية: الهوية التونسية، هل هي هوية قائمة على اللون كما في مجتمعات الآبارتايد أم هي هوية قائمة على الانتماء الوطني الذي يمثله اللونان الأبيض و الأحمر في لباس أفراد الفرقة ” عبيد غبنتن” و التي هي ترجمة لونية لعلم البلاد التونسية؟
يختار المخرج محمود الجمني أن يفتتح الفلم بغنائية عبيد غبنتن و موسيقى السَّمَر في الأعراس التقليدية التونسية. و تعد فرقة عبيد غبنتن واحدة من أهم ملامح الجمع بين الترف المادي و الذوق الفني المحتفي برشاقة اللفظ و المعنى و الحركة الراقصة.
هي فرق تتكون من مجموعة سوداء، و كل مجموعة هي بالضرورة متصلة بعرش ما في الجنوب التونسي هما عرش غبنتن و عرش الزياتين. و هكذا انبعثتا و هما تقريبا المجموعتان الوحيدتان في البلاد التونسية المتخصصتان في هذا الضرب من الفن القائم على الجمع بين الرقص و الزجل و دق الطبل و يكون أعضاؤها من السود و تحمل اسم عبيد متصلا بالقبيلة أو [العرش] كما نعبر عنه في تونس.
ثم من الغناء إلى ” الدردشة” في فضاء مغلق متحرك. فتتحول الأصوات من أصوات الطرب إلى أصوات البوح و المثاقفة حيث تحمل تصبح الأصوات خيطا واصلا بين التاريخ و الأسطورة و الواقع.
على مدى الدقائق السبعة و السبعين في الفلم تراوح الصوت بين الغناء و الموسيقى و الحوار تراوحا اختار له الجمني أن يكون مسموعا و مقروءا مترجما عن العربية إلى الفرنسية.
يحتفي الجمني في الفلم بالصورة. فهي تتحرك بين الإطار المغلق و الإطار المفتوح تبعا لمقتضيات الخصوصية الوثائقية المتصلة بالثيمة المطروحة. فنلاحظ حركة التسريع، الوقوف على تفاصيل التفاصيل من قراءة ملامح الوجوه و الأمكنة، كذلك التراوح بين الداخل والخارج، بين المدينة و الريف، بين الأبيض و الأسود. من المعلوم أن السينما هي فن الصورة و أن للصورة لغتها العالمية .
استضاف الفلم وجوها متعددة لتونس: هي ذلك الوطن المخاتل، الواقع بالقارة الافريقية جغرافيا و بالعالم المغاربي و العربي و الاسلامي ثقافيا و سياسيا و دينيا وفق الدستور المعمول به. و من هنا نستشف حالة أولى من الإرتباك في تحديد الهوية خاصة و أن التقسيم قائم على ثنائية اللون بين الشمال الافريقي غير الأسود و افريقيا جنوب الصحراء أو افريقيا السوداء كما يقال في الخطابات السياسية و حتى اليومية.
فهل تكون هذه الثنائية المتضادة التي يكشفها الفلم ثيمة و تقنيات هي نفسها الثنائية التي تحكم هوية التونسي كما يرى ذاته و كما يتمثل الآخر؟
فالأبيض يبقى ” حرا” / سيدا كما جاء في الفلم و الأسود يبقى ” وصيف” كما قال السيد علي الرجل المسن الذي يقول ” ما يعطينيش بنته خاطر آني وصيف”. تقسيم تصالحت معه اللغة و العادة و قوانين التعايش. كل في مكانه و كل في وظيفته التي تعبر عنها اللقطات المصورة لفرقة الفنون الشعبية عبيد غبنتن و كذلك و يشي بها الخطاب النافي لوجود العنصرية و الذي تحمله اللفظة “[لا] في العنوان دون أن يترك الفلم لهذا الصوت أن يعبر عن نفسه و أن يعبر عن تمثله للهوية التونسية و للآخر المختلف لونا ذلك أننا لم نر في الفلم توازنا كما و عددا بين أصحاب ال” نعم” و أصحاب ال “لا”.
هذا الفلم هو شهادة حية على مجتمع بصدد المساءلة الذاتية و إعادة بناء الوعي من الداخل ، رغم أنني وددت لو أن السينمائي محمود الجمني سمح بمساحة من الحضور متساوية للقائلين نعم كما للقائلين لا. و هنا لا نقصي فرضية أن يكون القائلون بهذا و ذاك من اللونين. و هو ما بفسر أن التفرقة العنصرية بين السود و غير السود ليست مسألة لون فقط و إنما هي مسألة استيعاب لميكانيزمات المجموعة في بنائها المجتمعي التراكمي و هو سر استمرار هذا البناء الهرمي بين السود و غير السود مما استوجب سن قوانين تجرّم العنصرية في تونس.

لا تعليقات

اترك رد