جمالية الاستكتاب الذهني والترسيم في نصوص منيرة بلعزي

 

تعد تقنيات الرسم على السطوح التصويرية لدى الفنانة (منيرة بلعزي) سطوحا مستقطبة لعناصر التخطيط المتكامل بداية في اللوحة الفنية التي ترسمها بدقة بعد عرفانها بمسلمات ملئها اذ تعد عملية نسخ للشكلية على الخامات ومايتم استملاؤه من مساحات وفقا لابجدية محددة امنتهج ازاء ماتعرف بالسطوح الصلبة واللينة كما يعني تقانها بالاختلاق والابتداع وعلميا ان كل ما تضعه من اشكال ارتسامية هي جزء من الخطوط المسحوبة فوقها حيث الخط عنصر بداية الفعل النقطي المترتب على سحبه باتجاه معين وباشكاله المتباينة الافقية والعمودية والمنحنية والتي تبدو لاول وهلة في ملامح رسومات “بلعزي” على انها مبادىء التجربة الجمالية واستلهام في نظريات الفن الجميل , كما تجسد نماذجها معاني رمزية خاصة بها تعتمدها طقوسا اسلوبية تميزها في طريقة “التصغير المساحي” بمعنى مساحاتها وتلوينها المنهجي والخاضع لفعله الاستكتابي و دقتها كالكتابة , فكان من اللافت للنظر ان تلك المصورات المصغرة التي تلاعبت في اخراجها ان جعلت من بين ما ارتسمته في سحب ريشة اقلامها او في ركام ضربات فرشاتها التلقائية او سكب بقع الملونات فماثلتها بظهورية رموز لاشكال بشرية او حيوانية تقترب من اجساد انثوية بشرية كادت تفصح بمظهريتها عن شكلية حقيقية التقطت بميكانيزم عدسة فوتو , وان ذينك الظهور بدا محاكيا لرغبة الفنانة ومثولها الانوي الداخلي المفعم باللون بعد ان استنطقته تلك الملونات بحضور طقس تعبدي اقترب حد استثارة الوجدان وحضوره.

لقد اشارت في بعض نصوصها الى الغموض وفي اخرى الى كشف لعبة الاستنطاق المسمى بالاستكتابي كما اسلفنا وخلصت الى تباين في صورة السطحين التقنيين كعناصر فنية منها (الملمس والناعم والخشن) في اختلاف واضح واشارة لا تخلو من معنى تفسيري ان الجسد البشري خلق من التراب وان تلك الاتربة في خلقها كاطيان شبهت بعد خلطها بالماء لتغدو ملاطا لا زيتا , من هنا بدات قصة استكتابها وعزفت على اوتار الجمال فيها , في حين ان تلك الملمسية البصرية الناعمة التي ظهرت لتجسيد التعبير الانثوي هي ايضا وجود لما بين ركام الحفر الذي اتخذته “بلعزي” وكانها ارادت ان تكشف عن صورة حية لولادة النساء بين خامات يعالجها الفنان كالحجر والتراب , في دور انثيالي اتسم بقدرتها الفنية على النحت داخل تلك الخامات عبر خطوط جاورت فعل الكتابة حدا من التقنية المفتعلة المسيطر عليها واسلوبا يحتذى به وبالتالي فان خبراتها العالية على تحقيق صورة ثلاثية الابعاد على سطح ثنائي الابعاد , وهذا بحد ذاته انجاز دلالي يشعر المتلقي بالديمومة والبحث عما هو فلسفي لا متناه , بمعنى تقنية ازالة الطبقة العليا من السطح والحفر في الطبقات المتتالية هي تقنيات تختص بها الافعال الواقعية في التجسيد , وفعلا ان كل ما ابدته من رسم كان بمثابة الاعلان عن الطبقات الجمالية لمعنى الحفر بالفرشاة لا بالازميل وان اقتربت العمليتان من بعضهما البعض في ايذان حمل بين طياته معاني ارتبطت بمشاهد حركتها الافكار الذهنية الماورائية للفنانة وهي تصحب متلقيها وتشركهم في طقوسها الجمالية .

من كل ذلك ان النص التشكيلي لدى ” بلعزي” مفعم بالاستكتاب الذهني والصوري المرسوم ويجىء مثالا لممارسة التجربة النسائية الفنية التونسية المزينة بالذاكرة الزاخرة بصور ايقونية من فعل الحياة في عالمي البر والبحر و لذا ان ما يتم استحضاره من قبلها انما يحاكي معنيين في الرفض والقبول للحياة المعيشة وما تتجه اليه تلك الانوثة المحصنة التي تناظل من اجل حريتها بل وتكافح من اجل التحرر دونما تفرضه عليها الاعراف والذكورة , بمعنى ان ثقافتها غدت في التعبير وهنا لا يسعنا الا ان نؤكد جليا على انخراط المرأة في نشوء ابداعها المتاصل ابان ما تشهده حضورها بين ماضيها وحاضرها وبالتالي يتاكد لنا في مشهدية نصوصها الجمالية لا يمت بصلة نمطية الى الرتابة وانما القفز عليها في الحقل الفني , وبذلك هي تريد ان تفرض هيمنتها الفكرية وما يجول في دواخلها وتضعه في كل ما تؤديه من ظهور جمالي في الرسم ناهيك عن السعي الى تغيير لغة الامتثال المباشر واحالته الى الغموض او الرمزي والى لغة هيمنة الشكل المستتر وبذلك هي تحرر فرشاتها وتعبر عن طواعيتها واحترافيتها وتقنيتها في التشكيل الرمزي في تحقيق “الهوية ” على الرغم من واقعيته الفكرية المصورة ,عليه ان اغلب تشكيلات (بلعزي) تشكل رغبتها في الافصاح عن قدراتها الواعية في اثبات الحقوق بمقابل الرفض للتهميش ’ لذا نستخلص ان نصوصها تعالج النص الواعد الذي يشكل ابداعا رغبويا وخصوصية نقدية تجمع كما اسلفنا بين نقيضين الكتاب في اللوحة والرسم فيها على الرغم من ثنائيتهما في تجنيس النص التشكيلي وهنا لا بد من الاشارة الى تلك الهوية المزدوجة التي تحتويها وتسهم في تشكيل مرجعيتها المعاصرة في ظل الازمنة الاقتصادية والاجتماعية هي هوية حقيقية للفن التونسي .

المقال السابقمجرد برنامج حكومي
المقال التالىيوم الجمعة السودانية بسدني
الاسم/ الدكتور حازم عبودي كريم السعيدي التولد/ الديوانية 20/11/ 1960 تخرج في المثنى الابتدائية للبنين في المسيب 1973 تخرج في متوسطة المسيب للبنين1976 تخرج في ثانوية المسيب 1982 الشهادة بكالوريوس فنون تشكيلية /1986 الجامعة والكلية/ جامعة بغداد ـ كلية الفنون الجميلة ـ حاصل على شها....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد