الفيلم الإيراني التفاحة للمخرجة سميرة مخملباف

 

الفيلم الإيراني التفاحة للمخرجة سميرة مخملباف
قضايا كبيرة في أشكال تعبيرية بسيطة

سميرة مخلمباف، أبنة المخرج السينمائي محسن مخملباف والذي دعمها بشكل مبكر في إخراج فيلمها الأول “التفاحة” 1998 وكانت بعمر السابعة عشر وطالبة تدرس علم الاجتماع والموسيقي، كانت إنطلاقة غير عادية أوصلتها إلى العالمية كما توالت تجاربها الجيدة فيلم السبورات وفيلم الخامسة عصرا، ظهرت موهبتها السينمائية قبل فيلمها الأول ومثلت في فيلم من إخراج والدها وهو “سائق الدراجة”، تركت الدراسة للتفرغ للسينما في حضن عائلتها الفنية حيث السينما ممارسة حياتية يومية مع ذلك يمكن الفصل بين سميرة ووالدها فقد خطت مسارها الخاص وأكدت في تجاربها وعيها وفهمها الخاص للسينما لتصبح وأحدة من أهم المخرجات الإيرانيات وحضيت أفلامها بالعرض في عشرات المهرجانات الأوروبية الشهيرة وحصدت الكثير من الجوائز.

السينما ليست وسيلة حكائية ساذجة
تتسم السينما الإيرانية بالإتكاء على تعابير بصرية معبرة ومثيرة للأحاسيس وكذا أنها تثير الجدل حول قضايا إنسانية مجتمعية، السينما ليست وسيلة حكائية ساذجة وتكمن قوتها في قدرتها التحليلية وعمقها الفلسفي والفكري الخلاق، هكذا تم فهم السينما في إيران وهي بلدا يمتلك إرثا ثقافيا وحضاريا عظيما كانت وظلت الصورة لها سحرها الخاص في الشعر والأدب والفنون وحتى في الحياة اليومية لهذا الشعب العاشق للألوان والفنون، لعل الثورة الخمينية حاولت جاهدة أن تعيد تشكيل هذا الشعب وهذه الجغرافيا من الكون ولكن يصعب جدا أن ينجح أي نظام في العالم أن يعيد صياغة حضارة إنسانية عريقة مهما كانت أدواته ومبرارتها فعمق حضارة فارس العريقة وعبق روحها يظل مزهرا حيا نشتم رونقه وعطره في الكثيرمن الإبداعات الفنية وفي الشعر والأدب وحتى الحرف اليدوية والأطعمة.

منذ يومها الأول حرمت الثورة الخمينية وسفهت الفنون وأضطر المئات من الفنانين والفنانات للهرب خارج إيران والقليل من الذين فضلوا البقاء فكان عليهم مواجهة النظام في صمت وبأدوات فنية وتحمل العقوبات والمنع والقمع، أشياء كثيرة تغيرت في الحياة اليومية وهكذا تحول الواقع إلى المنبع الثري المدهش والذي يفوق الفنتازيا والخيال، ومع نجاح الثورة بدأ النظام بترك متنفسات ضيقة جدا للفنون، كما حاول أدلجتها بفكره أوجعلها تتنازل قليلا لخدمته أو ضمان بعض صمتها.

نعود إلى فيلم التفاحة والذي بني على حكاية واقعية أثارتها الصحف حينها والقضية أن رجلا بسيطا وفقيرا حبس ابنتيه الصغيرتين عامين في البيت ظنا منه أنه يحمي شرفه خاصة وأن زوجته عميا وهو كبير في السن ومعدم، كبرت البنتان دون أن تعرفا كيف تتكلمان ثم يبادر الجيران بتقديم شكوى في حقه إلى السلطات وهكذا تأتي موظفة من الشؤون الاجتماعية وتطلب من الأب عدم سجن البنتين وتحررهن ويصور الفيلم بدقة كيف خطت الطفلتان أولى خطواتهما خارج البيت ومن هذه الحكاية أخذت سميرة هذه القضية المجتمعية لتكون خطوتها السينمائية الأولى وأقنعت هذه العائلة تصوير قصتها في أماكنها الحقيقية وبشخصياتها الحقيقية وفق سيناريو مكتوب وكذا ضمنت بعض المشاهد الوثائقية، فضلت المخرجة أن يكون فيلمها روائيا مشحونا بدراما تقترب من التراجيديا لكنها تركيزها كان الغوص في مجتمعها وتفجير دلالات معتمدة على البساطة والعفوية.

مكاشفات وتصوير الهامش
تبدو شخصية الأب قاسية بعض الشيء بالبداية لكننا بالتدريج نكتشف طيبة حد السذاجة، برر فعلته من خوفه أن يمس الصبيان بناته وكونهن بنات فقد خاف من الفضيحة وأن يفقد شرفه، هو أيضا حبس نفسه وزوجته في قفص حياة روتينية قاسية، لا يملك حرفة سوى الدعاء للناس بأن يرزقهم الله المال والولد والصحة والسعادة ويجنبهم الفضائح وهم يعطونه ملاليم قليلة يشتري به الخبز والرز والثلج في أيام الصيف الحار، هو يعيش على هامش الحياة، يُغلق بابه على ألمه ووجعه، لكن الصحافة فضحته وبالغت في قصته فتحولت حياته لجحيم لا يطاق متمنيا الموت ولا الفضيحة، الأب أحد النماذج التي تعيش في الهامش بجهلها ومخاوفها وحتى عندما ذاع خبره لم يأتي أحدا لمساعدته فالناس تكتفي بالكلام وترديد الشائعات.
تظهر الزوجة تغطي وجهها دائما وتبدو حانقة وغاضبة من موظفة الشؤون الاجتماعية ومن زوجها الذي خضع لشروط الموظفة وتعهد أن لا يحبس بنتيه، تسب الزوجه زوجها وتلعنه وهو ينشر قضبان الباب الحديدي ليخرج وليظل الخروج والدخول سهلا، الأم مؤمنة أن مجرد فكرة خروج البنت يسبب العار للعائلة وأن فكرة السجن مثالية للحفاظ على شرف البنت إلى أن تكبر وتتزوج وتظل في بيت زوجها تخدمه وتنجب له الأطفال، في المشهد الأخير نرى الأم قرب باب البيت عاجزة عن التحرك ومترددة وكذلك عرضة لسخرية الطفل الصغير الذي يربط تفاحة بحبل ويمازحها لكنها لم تستطع أن تمسك بهذه التفاحة.

الإشتباك مع الواقع
الطفلتان لا يعرفن شيئا عن العالم الخارجي، يترددن في الخروج ولكن بعد تذوق طعم الحرية ونجاحهن في تكوين صداقات، هنا يولد الحلم والتمني بأمتلاك أشياء وتذوق أشياء أخرى، كأننا مع صورة مصغرة للإنسان البدائي الذي كان يحيط نفسه بالوهم والخرافات والمخاوف من العالم المجهول، تبدو بعض السلوكيات التي اتسمت ببعض العنف للبنتين وهن لا يعرفن بعض الأشياء الحضارية فمثلا يجهلن أن شراء الأشياء يحتاج إلى المال وقد تكونهذه الأشياء لذيذة وممتعة وبالقليل من المال مثل الأيسكريم والتفاح وهنالك أشياء لا تؤكل لكنها جميلة وقد تكون غالية الثمن مثل الساعات، تعلمن عبر اللعب أو عبر الصداقات بعض المعاني والقيم والسلوكيات وزادت رغبتهن للمزيد مما يفند نظرية الأب بأنهن بنات ضعيفات وقد يحدث لهن مكروها بسبب الخروج.

في النهاية نرى أن الأب تنازل عن بعض قناعته أو يذعن للضغوط الخارجية ويرافق طفلتيه لشراء ساعة، تدفقت عدة دلالات قوية لتعطي الفيلم قوة جمالية يضاف إلى ذلك طرح أسئلة سياسية حول التغيير وهل يمكن أن داخليا محضا أو ممكن أن تفيد الضغوط الخارجية، الموظفة أغلقت الباب على الأب وذهبت للبحث عن منشار حديد لدى الجيران وطرقت أكثر من باب لتجد المنشار ثم سلمته إلى الأب الذي شعر بمعنى الحرمان من الحرية، وكان صوت الزوجة الرافض للتغيير والمدافع على بقاء الواقع كما هو، هنا تثبت السينما قدرتها الخلاقة على الإشتباك مع الواقع ومحاورته وقراءة العمق الإنساني وليس مجرد إعادة تصوير الواقع فعكس السطحي الظاهر أو نقله تكريسا لدفن الرأس في الرمال وتعاميا عن الجوهر والحقيقة.

قضايا كبيرة في أشكال تعبيرية بسيطة
كاميرا سميرة خلقت بعفوية بلاغة مجازية في الكثير من المشاهد ورغم أن الإيقاع العام للفيلم بطيئا نوعا ما إلا أن علاقتنا بالشخصيات تتوطد بسرعة ونظل نلاحقها وننتظر أفعالها البسيطة، رغم أن لا شيء جذاب في المكان البسيط إلا أن الكاميرا قدرت أن تجعله تعبيريا وموحيا بدلالات تتجاوز الحكاية، كان المونتاج ذكيا والذي ساهم بشكل كبير في شد تلك الجزئيات من الواقع لخلق سينما مزجت الوثائقي بالروائي وتقديم وقضايا كبيرة في أشكال تعبيرية بسيطة دون مبالغات تعقيدية، كما أتسم السيناريو بمعالجة ناعمة للحوارات العادية فلا شعر ولا فصاحة مبالغ بها، إنهم هؤلاء البسطاء شكلا وروحا لا يكذبون ولا يبالغون.

نحتاج إلى المزيد من التأملات الهادئة للسينما الإيرانية لنستكشف روعة جمالها وقوتها التي تتأكد مع كل تجربة ناجحة رغم المضايقات والخنق لبعض المخرجين والمخرجات لكنها أصبحت أحدى الوسائل التعبيرية والفنية المهمة وتملك اليوم صوتها القوي الخاص الذي يسمعه العالم كله ويصفق للمنجزات الشجاعة ونتمنى نحن كعرب أن نستفيد من هذه التجربة النضالية والفنية لأننا نعيش واقعا سينمائيا متخلفا وتجاربنا محدودة اليوم رغم الإرث السينمائي الجميل، قد تظهر بالسنة تجربة عربية وأحدة ربما تصل لمسامع العالم وقد تمر سنوات عديدة نتعايش مع القحط بسبب قلة دعم المواهب وإعادة تدوير لأفلام تنقصها اللغة السينمائية ونبالغ في تمجيد بعض الممثلين والممثلات بجعلهم نجوما لامعة ومن المؤسف أن غالبيتهم أخذتهم العزة والغرور ففقدوا الروح الفنية والرهان على هؤلاء أصبح خاسرا وكذلك الرهان على مهرجانات سينمائية دون برامج دعم أعمال وبرامج تدريب وتشجيع أصبح مشكلة نتهرب حتى من مناقشتها.

المقال السابقوباء الكورونا في العراق
المقال التالىالتشكيل في مسرحية ديبليكاتا
حميد عقبي سينمائي وكاتب يمني مقيم في فرنسا، اخرج خمسة أفلام سينمائية، منها ثلاثة أفلام قصيرة وهي معالجات سينمائية لقصائد شعرية "محاولة الكتابة بدم المقالح"12 دقيقة 1997 ــ بغداد، فيلم 'ستيل لايف"2005 ــ 20 دقيقة فرنسا، فيلم الرتاج المبهور" 2006 فرنسا 32 دقيقة. نشر 21 كتابا إليكترونيا منها 4 مسرحيات،....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد