الصّوم سبيلنا نحو الحرّيّة الكاملة

 

“أليس هذا صوماً أختاره: حلّ قيود الشّرّ. فكّ عقد النّير، وإطلاق المسحوقين أحراراً، وقطع كلّ نير”. (إشعياء 29:13)

نلوذ في حنايا الصّوم المبارك ملقين عنّا ضجيج العالم، مختلين بإلهنا الحبيب وموطّدين علاقتنا به، لنكتشف أنّنا نبحث في العالم عن حرّيّتنا ضمن حدود ضيّقة جدّاً. فالبحث عن الحرّيّة لا يقتصر على البحث عن تحقيق الذّات على الصّعيد الفكريّ والاجتماعيّ وحسب. وإنّما البحث عن الحرّيّة يرتقي إلى مستوى التّجرّد من كلّ ما يأسر الإنسان ويعيق تقدّمه نحو إنسانيّته المخلوقة على صورة الله ومثاله.

يتدرّج الصّوم من الانقطاع عن الطّعام كوسيلة تؤدّي مهامها في تطويع الحواسّ وإخضاعها للقرار الإنسانيّ، إلى الانقطاع عن العالم، والارتقاء نحو قلب الله. فيتعلّم الإنسان ويتدرّب على ضبط جسده والتّحكّم به والسّيطرة عليه، كما أنّه يُخرج من أعماقه جمال الله المطبوع فيه، وهو ذلك الجمال الّذي يطلق إنسانيّته حرّة، فترتفع فوق العالم لأنّها لم تعد تشتهي شيئاً. وإذا ما تدرّب الإنسان في الصّوم على التّجرّد والاستغناء عن القيود الدّنيويّة، اتّضحت له معالم الحرّيّة الحقيقيّة.

يبدأ التّجرّد من الفكر فيخضع العقل إلى الحكمة الإلهيّة ويتحرّر تدريجيّاً من أيديولوجيّات عديدة ظنّ أنّها الحقيقة، بيد أنّها ليست سوى بداية الطّريق. وتغوص النّفس في حبّ الرّبّ فتدرك قيمة المشاعر المتّزنة، والعاطفة النّاضجة والحبّ الحقيقيّ. وتتلمّس الرّوح الحياة الأبديّة الحاضرة فيها إذ إنّها في لقاء مع الحيّ، فتهيم حرّة في المحبّة الإلهيّة.

الصّوم لغة الحبّ النّابعة من كياننا الإنسانيّ والموجّهة نحو الرّبّ للتعبير عن حبّنا الحرّ له، وعن استغنائنا عن كلّ شيء في سبيل الامتلاء من حضوره الحيّ. الصّوم سبيلنا نحو الحرّيّة الكاملة أي ارتقاء الإنسان إلى ملء قامة المسيح.

صوماً مباركاً

لا تعليقات

اترك رد